العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ

الصبَّار كالعسل دونه وخزات الإبر

هو في لغة العامة «الصُّبَّيْر»، وفي لغة أهل مصر وأفكار عربية أخرى تين شوكي، وهذه التسمية الثانية اكثر دلالة عليه ما دامت ثمرته حافلة بهذا القدر الكبير من الإبر الشعرية الدقيقة، وما دامت اوراقه السميكة المترعة بالماء مسلحة بإبر ثخينة مدببة.

في الموسم الذي يدوم اشهرا قليلة تصبح جوانب الطرق في الريف اللبناني معرضا لثمار الصبَّار، يبذلها الفلاحون للعابرين في صناديق خشب أو كرتون، أو في أكياس نايلون. وهم لا يبيعونها مقشورة بخلاف باعة المدن المتجولين الذين يقدمونها مقشورة مبردة بمكعبات الثلج.

في القرى الريفية يكثر مالكو شجر الصبَّار، فهم يزرعونه لثماره كما يزرعونه أسوارا لحدائقهم تحميها من المتطفلين وتحميها من الثعالب. فالإبرة البيضاء المدببة كفيلة - في كل الفصول - بأن تترك في الجلد جرحا داميا مؤلما، فيما لا يقتصر وخز إبر الثمار الشعرية في المواسم على مجرد الملامسة، فهي تطير مع الهواء وتفرز من دون عناء. وامّا تقشير الثمار فمغامرة تهون ما دامت خاتمتها ثمارا طيبة لأهل البيت والضيوف.

ثمرة الصبَّار اسطوانية، وغلافها شبه مطاط، ولنزع هذا الغلاف تقنيات تبدأ بطرد الإبر بواسطة غصن شجرة صغير، وبإراقة الكثير من الماء عليها، ثم امساكها بحذر، كما نمسك سمكة «المواسطة» ذات الوخزات المؤلمة. وبالسكين عليك ان تقطع طرفيها ثم تشق الغلاف كما تشق السمكة ايضا، لتحصل على اللب الاحمر الضارب إلى البني الحافل بالبزور المستديرة الرقيقة.

وأمّا قطفه فقد تطورت تقنياته... في الماضي كانوا يمسكون الثمار بقطع قماش، ثم مسكوها بالورق. والحاجة (وهي أم الاختراع) هدتهم إلى اصطناع آلة بسيطة للقطف، هي عبارة عن عصا في طرفها علبة مفتوحة الطرفين، يمسكون بها الثمرة وينتزعونها من الاوراق السميكة، وقد يقطفونها بواسطة قفازات. فهل الصبار مخيف إلى هذا الحدّ؟

القرويون لا يخافون، فهم ادرى به وبكمائنه. امّا أهل المدن، ولاسيما السيدات فقد نسوا طباعه بعد زوال غابات الصبَّار من مدنهم نتيجة الزحف العمراني، ولذلك فهم يحصلون على ثمارهم جاهزة مقشورة مبرّدة من عربات الباعة المتجولين، كعربة الحاج حسين شهاب الذي استقر في شارع خلفي من منطقة الحمراء في بيروت، حيث يعرض صباره المقشور وينوب عن الزبائن في التقشير وعدّته سكين وقفاز مطاط واكياس نايلون ومكعبات ثلج.

الحاج حسين شهاب قروي اجتذبته المدينة... هي بلدة برعشيت في جنوب لبنان، وقد سلخ من اعوامه السبعة والستين نحو عشرين عاما في مهنته هذه في بيروت، وظل محافظا على لهجة جنوبية، ولذلك فأنت لا تحسبه من آل شهاب البيارتة.

يقول الحاج حسين ان موسم الصبار شهران او ثلاثة، وان الناس على اختلاف اعمارهم وطبقاتهم يحبونه. وثمار الصبار في رأيه «أحلى فاكهة، وفيها شفاء كما يؤكد الاطباء من زبائني».

فأية امراض يشفي الصبَّار، ياحاج حسين؟

هو يغذي نخاع الرأس والنخاع الشوكي في فقرات الظهر... ثانيا: إن له قدرة مؤكدة على شفاء قروح المعدة والتهاباتها... المهم أنها طيبة حلوة.

ولكنه، على رغم حلاوته، يفزع.

شوكه يفزع فعلا، ولكننا اعتدنا عليه.

- في القرى ما زالت ربات البيوت يقشرنه ولا يفزعن. فماذا عن سيدات المدن؟

يخفن... لا يعرفن التقشير، ولذلك يشترينه مقشورا.

كيف أسعاره اليوم؟

تختلف باختلاف نظافته... صبَّار الجبال اطيب من صبَّار السواحل... نحن نبيع الدزينة بثلاثة آلاف ليرة (تعادل دولارين)... ونبيعه بالحبّة والحبتين كذلك.

موسم الصبَّار شارف على انتهائه، ولكنه اتحف اللبنانين ثمارا يحبونها... ويعلم الله كم من القصص الصغيرة الشخصية تروى في القرى، عن شوكة اصابت الاصبع، أو شوكة علقت بجفن العين... وهذا قدر طالبي الحلاوة... فلابد دون الشهد من إبر النحل

العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً