رغم مرور أكثر من أربعة عشر عاما على طرح نظرية القبض والبسط، ومع أنها بدأت تأخذ انبساطا معرفيا وسجاليا في الساحة الثقافية الإيرانية، إلا أنها ما زالت تستقطب اهتمام الباحثين والمعنيين بحركة الواقع الثقافي الإيراني المعاصر، كما يوليها الراصدون للنظام الإسلامي الإيراني عناية خاصة في مصاف دراسة التجربة الإسلامية هناك وانعكاساتها المحتملة على المستوى السياسي العام.
ولد (حسين) عبد الكريم سروش، صاحب النظرية، في العام 1945 ودرس في مدرسة الرفاه، التي كانت تحرص على الجمع بين الدروس الدينية والمواد العلمية المعاصرة، ولم يمنع ولع سروش بالرياضيات والعلوم من الاهتمام - كمعظم أبناء جيله - بما يدور على الساحة الفكرية والسياسية، وبعد نيله إجازة الصيدلة سافر إلى جامعة لندن موزعا وقته بين اختصاصه الأساسي في الكيمياء وبين مدرسة شالزا لدراسة مادتي التاريخ وفلسفة العلوم، وخلال السنوات الخمس التي أمضاها في بريطانيا شارك سروش في النشاطات السياسية التي كان يقيمها الإيرانيون المهاجرون هناك ليعود مع انطلاقة الثورة إلى إيران ويعين بتوصية من الإمام الخميني في مؤسسة الثقافة الإسلامية المناط بها تعديل برامج الدراسة الجامعية، ولكنه سرعان ما غادر هذه المؤسسة إثر خلاف في الرأي وعين في مؤسسة الأبحاث والدراسات الثقافية التي لا يزال عضوا فيها حتى الآن. نشر سروش مقالات متفرقة على مدى سنتين (1988 - 1990) في المجلة النخبوية الشهرية (كيهان فرهنكي) أو العالم الثقافي، وتضمنت نظريته التي أسماها (القبض والبسط النظريان في الشريعة)، ومنذ ذاك الوقت توالت الردود عليها والتصدي لها بحدة شديدة، فكانت مناسبة لاندلاع واحدة من أبرز المعارك الفكرية بعد انتصار الثورة الإيرانية، كما شكلت علاقة فارقة في المشهد الثقافي الإيراني بحكم ما أفرزته من محاور وتيارات فكرية معارضة ومؤيدة، ساهمت في الإعداد لاحقا لبروز مجموعة من التغيرات والتكوينات السياسية. وتأتي هذه الترجمة العربية الكاملة للكتاب، لتسهم في تجسير الهوة التي لا تزال تفصل الضفة الإيرانية عن ضفاف العرب، ولتقطع بعضا من الصمت العدائي الذي ظل شطرا من الزمن يحكم العلاقة بين المثقفين العرب والإيرانيين بحكم تداعيات الجدل السياسي والطائفي، والتي قضت على معظم محاولات الوصال الثقافي البريء. وفي الآونة الأخيرة بدأت العلاقة تستعيد جزءا من العافية بفضل جهود متميزة يبذلها منتدى الحوار العربي الإيراني الذي شارك في إخراج الترجمة العربية للكتاب، وهي مشاركة قدر ما تكشف عن منزع المنتدى الثقافي «الحواري» والأيديولوجي «الإصلاحي»، فإنها خطوة تستبطن دلالة هامة على صعيد التلميح إلى المشترك الذي يجمع بين الحالة التي فرضتها نظرية القبض والبسط في إيران، وتلك التي تجري تفاعلاتها في أكثر من ساحة عربية، وأنه يمكن لهذا الاشتراك أن يؤسس تناميا إيجابيا للأوضاع الثقافية في إيران والبلدان العربية فيما لو تحرر الموقف من هيمنة الخطاب السياسوي والنوازع السلطوية.
يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب رئيسية. الباب الأول يستعرض المفاهيم الأساسية لنظرية القبض والبسط، أما الباب الثاني فيتولى الاستعراض التفصيلي لجوانب النظرية المختلفة، بينما خُصّص الباب الثالث والأخير للوقوف عند موانع فهم نظرية تكامل المعرفة الدينية. وفي محاضرة للمؤلف ألقاها على لفيف من طلبة الحوزة في قم، أفصح أن نظرية القبض والبسط كانت ترمي أساسا إلى حل مشكلة الثابت والمتغير في الفكر الإسلامي، حيث رأى أن الحلول التي طرحت كانت قاصرة ومنقوصة، فجاء اقتراحه في الحل استلهاما من علم المعرفة (الابستمولوجيا)، كما ويكشف عن حقيقة الوجه المتعدد للنظرية حينما يعترف بأوجهها المعرفية الابستمية والكلامية والأصولية (علم أصول الفقه) والتفسيرية والتأويلية. وهذا الإفصاح له فائدته الكبيرة على مستوى إضاءة النظرية لأبعادها التحويلية ومراميها في إحداث التغيير الجذري لطرائق المعرفة الدينية، ولعلّ في المجادلات التي تلت المحاضرة المذكورة ما يومئ إلى أن لعبة الحضور والغياب لجذور النظرية وخلفياتها الغائية كانت إحدى المداخل الأساسية لرفض النظرية ورمي صاحبها بسيل من التهم، ليس أشدها الليبرالية والتعثر في فخاخ الفكر الحديث، حيث ينظر إليه باعتباره من أنصار الفيلسوف كارل بوبر.
الأساس الإجرائي للنظرية يبدأ من التفكيك بين الدين ومعرفة الدين (المعرفة الدينية)، ونظرية القبض والبسط ،من المنظور الابستمولوجي تنظر إلى المعرفة الدينية من موقع متقدم (بعدي) وعلى هذا الأساس، ففي حين تقوم المعرفة الدينية على الدين إلا أنها ليست الدين ذاته، وهو ما يتجلى من خلال ملاحظة الآثار التي تسبغ الدين ولا يمكن تصورها في المعرفة الدينية، فالدين نظام منسجم، وحق في جميع جوانبه، ويتسم بالكمال، أما المعرفة الدينية فتنطوي على العديد من التعارضات ولا تسلم من أخلاط الباطل والنقصان. ويأتي هذا الحكم من اعتبار انتماء المعرفة الدينية، كباقي المعارف البشرية، إلى دائرة المعرفة المتحققة في العالم الخارجي، والتي تتصف بالصفات الآنفة الذكر. وبذلك نلحظ الاحتفاء البارز لأصالة الواقع في النظرية كأساس معرفي تبتدئ به مكونات النظرية الأخرى. بعد ذلك يتجه سروش إلى الخطوة الثانية، بالتأكيد على ثبات الدين وتغير المعرفة الدينية، بإثبات البعد الغيبي للدين والصناعة البشرية للمعرفة الدينية وكونها حصيلة تفاعل عالم الدين والنصوص الدينية. وبهذه التفرقة بين الوحي (الدين) والبشرية (المعرفة الدينية) يخطو سروش الخطوة الأهم في معالجة إشكالي الثابت والمتغير في الفكر الإسلامي، ليخرج بالنتيجة المنطقية التي ترى أن المعرفة الدينية أمر بشري، لديها جميع العلامات والصفات البشرية، فمنشؤها بشري وتطورها تدريجي وهي تحتمل الظن واليقين وتتضمن القوة والضعف، الصفاء والاضطراب.
إن الاستعمال المعرفي لمصطلح القبض والبسط عند سروش يتضمن طرحا يتجه إلى إن البعد النظري للشريعة ينقبض وينبسط بحسب المعطيات المعرفية البشرية. وهذا يفترض التطور المستمر في فهم الشريعة، ولضمان الفهم الجديد للشريعة لابد من تعاضد المعرفة الحديثة مع ذخيرة الإنسان العلمية، ولأن هذه الذخيرة تختلف من شخص لآخر فإن المفاهيم الناتجة حول الشريعة ستكون مختفلة ومتفاوتة، دون أن يستتبع ذلك شعور بالهول والكارثية، لأن هكذا اختلاف إنما هو محض تعبير عن السنة الطبيعية والإنسانية . بعد ذلك ينتقل سروش إلى القول بأن التحديث والعصرنة في المعرفة الدينية لا تتطلب فقط مداومة الإطلاع على الجديد والانفتاح على قضايا الحياة المعاصرة، بل ينبغي أيضا العمل على تكييف الفهم الديني مع مفاهيم العصر ومعارفه، وبالتالي تجديد الذخائر المعرفية التي يملكها الدينيون، وأن يفسح المجال لاشتغال عمليات القبض والبسط في المفاهيم الدينية، التي لا تنجو من التحولات التي تجري على العلوم الأخرى. وبناء على هذا التحليل تتكامل المعرفة الدينية ويصبح العمل متاحا وبقوة لجهود التنوير والإحياء الديني.
ولكي يستكمل سروش تثبيت نظريته في تكامل المعرفة الدينية، خصص الباب الأخير من كتابه لمناقشة أفكار المعترضين والوقوف عند الاعتبارات التي كانت وراء الحيلولة دون فهم النظرية. ومعظم مباحث هذا الباب لا تخرج عن كونها إعادة طرح للأفكار المتضمنة في الفصول السابقة، ولكنه يعيد تركيبها انسجاما مع طبيعة الاعتراضات والمناقشات المطروحة. وحسب سروش فإن عدم التفريق بين أنواع المعرفة ودرجاتها من أبرز تلك الموانع الفكرية التي أفضت إلى سوء قراءةٍ للنظرية، أو الوقوع في متوهمات خاطئة حول المقاصد والمرامي. ومن هنا يعود مجددا ليقول بواقعية نظرية القبض والبسط، أي أنها تميز بين الشيء وبين تصور الشيء ومعرفته، وبالتالي فإن إدراك الشريعة، وإن كان على نحو الصحة الكاملة، ليس هو الشريعة ذاتها، ومن الواضح أن ذلك لا يعني بالضرورة أن هناك استحالة لتكوين فهم صحيح للشريعة. وكل ما هنالك هو أن القبض والبسط في الشريعة كدعوى نظرية تقول أن فهم الشريعة، أيا يكن، يستفيد من المعارف البشرية وأن بينهما جدل وترابط مستمر، وأن المعارف البشرية هذه إذا كانت معرضة للقبض والبسط، فإن فهم الشريعة نفسه معرض لذلك.
قد تبدو أفكار عبدالكريم سروش استمرارا لحركة التجديد الديني المؤرخة تقليديا بالأفغاني وعبده، ومن يتأمل كلمات سروش حول المصلحين الحديثين والمعاصرين، يجد أنه يوظف الكثير من إنتاجهم الفكري الإصلاحي في إطار طروحاته التجديدية، خصوصا في مباحث فلسفة الدين. واهتمام سروش بالوصل مع رموز الإصلاح التي تلقى إجماعا في الوسط الديني العام، قد يفسره حرصه الشديد على حسن إدارة المناظرات مع المجموعات الدينية العريقة، التي وقفت على الضد مع أطروحاته، إلا أنه لم يكن بمنجاة من تيار الدينيين المتفلسفين في إيران، والذي يحظى بقوة معرفية وتاريخية لا تستهان، حيث استطاعت مداخلات هذا التيار أن توجع العديد من مفاصل نظرية القبض والبسط وتبرز مقاطع من تهافتها الفكري والفلسفي، وبعض هذه المداخلات الساخنة (الشيخ عبدالله الجوادي الآملي) أربكت صاحب القبض والبسط وملأت ساحة النقد بعدها هدوءا مريبا، بعدما كانت تضج بمروجي النظرية ومنتقديها.
ومهما يكن مصير النظرية وصاحبها، فإن الإنصاف يقتضي الوقوف عند الفضيلة الكبرى التي تسببت بها النظرية، إذ فجرت حالات الركود المخيمة على الإنتاج الفكري الإسلامي، وحمست الأوساط الدينية للدخول في معترك القضايا الفكرية الجديدة، التي كانت حتى الأمس القريب حكرا على الأوساط الأكاديمية والنخب المثقفة. ومثلما تعرت جوانب من نظرية القبض والبسط، فإنها عرت الكثيرين ممن اطمأنوا بالمطلق إلى الموروث وأعطوا عقولهم إجازة مفتوحة، مستفيدين من ثقافة الخمول والخطابية لاستمرار بضاعتهم البائرة
العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ