العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ

الخطاب النسوي بين تيارين

في تعليق على الخطاب النسوي يقول الباحث معتز عبداللطيف الخطيب «تقع المرأة في العالم لااسلامي بين تيارين، تيار الاستقطاب، وتيار الاستقصاء الذي يمارس الاستقصاء واقعا فضلا عن الدعوة اليه فكرا وممارسة.

يمثل التيار الاول التيار العلماني الذي يحاول فرض النموذج الغربي بحروفه في محاولة اكراه للواقع وتغييب للعوامل التاريخية وتجاهل للشروط الاجتماعية فضلا عن المنظومة الفكرية.

بينما يمارس الخطاب السلفي المعاصر إقصاء للمرأة واقعا وتطبيقا من كل شئون الحياة تحت مبررات غير موضوعية من خلال التأسيس لذلك عبر سلطة النص الديني فتساق الآيات والأحاديث بمعزل عن سياقاتها التاريخية في محاولة «أدلة» مفضوحة مع تغييب واضح للنصوص التي تخالف فكرة «الإقصاء» الذي يحاول الخطاب السلفي المعاصر فرضه فضلا عن ممارسته مع تغييب كامل لفقه الواقع ورهانات الحياة المستمرة التي ينسحب منها.

وإذا كان الإسلام دينا ودولة فإن الخطاب السلفي المعاصر يمارس ذلك الفصل بين الفكر والواقع بوعي أو بغير وعي، والمثال الذي نستدعيه هنا هو المرأة فكيف سنؤسس مثلا لفنٍ إسلامي (بكل أنواعه) مع غياب المرأة التي هي عنصر أساسي وفعال مع الرجل في واقعية الفن؟! ولن نكثر من الأمثلة هنا لأن مثال الفن يوقع الخطاب السلفي في أزمة حقيقية مع الواقع وموقفه يهدد فكرة عالمية الإسلام».

إيران حالة دراسية

يوفر هذا الكتاب مقاربة عميقة لوضعية المرأة في إيران منذ الثورة الإسلامية. فقد بدأت الباحثة الإيرانية هالة أفشر كتابها بتوضيح الأرضية الفكرية المؤسسة للبحث والقائمة على فهم إسلام تعددي في صوره وأشكال تعبيره بدل الركون إلى صورة نمطية واحدة، مع البحث عن عناصر الاشتراك والتداخل بين الخطاب الإسلامي الجديد في موضوع المرأة وخطاب ما بعد الحداثة النسوية. ومن المعلوم هنا أن عملية المقارنة هذه تبناها الكثير من الأصوات النسوية العلمانية وتلقى اعتراضا من النساء الإسلاميات اللواتي يؤكدن باستمرار أن خطابهن التحرري لم يفهم بما فيه الكفاية ولم يتم الانتباه إلى أصالة مقدماته ومرتكزاته الإسلامية. فالإسلام في ذاته - كما تقول النساء الإسلاميات - ليس دينا رجوليّا أبويّا بقدر ما هو دين تحرري يقوم على مبدأ المساواة والتعاضد بين الجنسين، ويبقى الإشكال الرئيسي يتعلق بالسيطرة الرجالية على المؤسسات الدينية التي تولدت عنها قراءة سلبية وأبوية محافظة لوضعية المرأة المسلمة. وبناء على ذلك فإن هؤلاء النسوة يدعون إلى مشروع اجتهاد جديد في موضوع المرأة. ومن المعلوم هنا أن هذا المطلب تلتقي عنده كل من النساء الإسلاميات وإلى حد كبير بعض النساء العلمانيات اللواتي اكتشفن جذورهن الإسلامية مجددا من خلال عملية تفكيك الخطاب الإسلامي وإعادة تركيبه.

الجانب الآخر الذي وقفت عنده الباحثة الإيرانية هو موضوع تعدد المنظورات والتأويلات بين علماء الإسلام. فقد تناولت الكاتبة هذه المسألة من منظور الادبيات الغربية التي ترى التعدد التأويلي وكأنه اكتشاف جديد ولم تنتبه إلى أن موضوع الاختلاف في المسائل الفرعية للدين متجذر في التاريخ الفقهي الإسلامي وله مشروعية كاملة بين العلماء. فالذي يميز هذه الموجة الجديدة من الطلب التأويلي على الإسلام والذي أضفى عليه نوعا من الجدة والإضافة ليس مجرد بروز تأويلات نسائية بل ظهور تأويلات وقراءات جديدة من خارج المؤسسة العلمية تراهن على اكتساب مشروعية تأويل النص الإسلامي وانتزاع حق الاحتكار لهذا النص.

يغطي هذا الكتاب بصورة عميقة وموسعة مناحي الخطاب الإسلامي النسائي في إيران ونوعية الحجج والبراهين التي يستند إليها من خلال محاورة عدد واسع من العالمات الإسلاميات، كما يغطي التحولات الجارية في وضع المرأة منذ الثورة الإسلامية سواء في مجال التعليم والشغل وحقل القانون والأمومة والحجاب أو في مجال المشاركة في الحياة السياسية. وقد انفردت مسألة فرض الحجاب ونوعية الأسانيد الشرعية القائمة عليها بتحليل مطول من طرف الباحثة التي بينت دراية عميقة بتفاصيل الخطاب الإسلامي وأصوله الشرعية الدينية. على أنه وجب التنبيه إلى أن البعد الذي لم تنتبه إليه الكاتبة بما فيه الكفاية هو كون مسألة الحجاب في الجمهورية الإسلامية في إيران لا يمكن حصرها في وجهها الديني فقط بل تطول البعد السياسي المتمثل في حرص النظام السياسي على تأكيد شرعيته الإسلامية وتثبيت الهوية الإسلامية كأساس للحكم وللحياة العامة من جهة، وفرض نوع من الرقابة الاجتماعية على السلوكيات العامة من جهة أخرى. كما تابعت هالة أفشر دور المرأة في الخطاب الإسلامي من خارج المؤسسة العلمائية وخصوصا كتابات المفكر الإسلامي علي شريعتي، لتنتهي في نهاية التحليل إلى القول إن أكثر العقبات التي تحول دون بروز قراءات تتحدى الرؤية المهيمنة في موضوع المرأة تعود إلى احتكار العلماء سلطة التأويل للنص الإسلامي على امتداد قرون متتالية.

في الأخير يبدو أن أهم وجوه الضعف الملازمة لهذا الكتاب تتمثل في استغراقه الصوري حيث تتعاطى الباحثة مع موضوعات بحثها المتعلقة بالحالة الإيرانية بعد الثورة كما لو أنها مسائل دينية خالصة من دون انتباه يذكر للسياقات الاجتماعية والسياسية ورهانات السيطرة المرتبطة بمصالح الدولة ونزوعها الرقابي استنادا إلى الشرعية الإسلامية. وعلى رغم أن هذا الكتاب لم يخلُ من بعض وجوه القصور كما يمكن أن تثار حول اعتراضات تتعلق بالمضمون والرؤية، فإنه مع ذلك يقدم كشفا دقيقا لوضعية المرأة المسلمة عموما والمرأة الإيرانية على وجه الخصوص.

Islam and Feminism: An Iranian Case Study. By Haleh Afshar. ISBN 0-333-337 42-X, MacMillan, 8991

العدد 14 - الخميس 19 سبتمبر 2002م الموافق 12 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً