العدد 15 - الجمعة 20 سبتمبر 2002م الموافق 13 رجب 1423هـ

الهروب العربي الكبير من الخارج إلى الخارج

جاذبية الاستثمار في منطقة اليورو تتقدم على حساب أميركا

شرعت الإدارة الأميركية في تصنيف ومن ثم حجز أموال مستثمرين عرب بحجة كونها من «أموال الإرهاب»! بذلك أثارت إدارة «بوش» فزعا في أوساط الكثير من المستثمرين في السوق الأميركية. لم يقتصر الأمر على أموال السعوديين أو المصريين... وحدهم، بل شمل كل من له أصول عربية وكل مسلم. لم تدرك إدارة «بوش» بأنها ترتكب خطأ سيعمق من الانكماش الذي ترزح في ظلاله، وربما قاد العالم لكساد ثان . تواجه سياسة «بوش» معارضة ذات دلالات داخل أميركا نفسها، فنقلا عن «رويترز» وجه نائب الرئيس الأميركي السابق «آل جور» نقدا شديد اللهجة للسياسات الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس الأميركي «جورج بوش» قائلا: «إن سياسته بددت فائضا في الميزانية قدر بآلاف المليارات من الدولارات، ضاع الفائض! أين ذهب؟ في عام واحد! يا للعجب! لا بد من التخلي عن سياسة «بوش» الاقتصادية». كان الكونغرس يتوقع مع تولي «بوش» السلطة مطلع العام الماضي فائضا في الميزانية خلال عشر سنوات قدر بحوالي 5,6 تريليون دولار. أما التوقعات الحديثة فتشير إلى أن الميزانية ستشهد عجزا قبل العودة إلى تحقيق فائض لن يزيد على 336 مليار دولار في العام 2011. ان هذا هو ما دعا «جور» للمطالبة بالتخلي عن سياسة «بوش» الاقتصادية. أما المسئول السابق في المخابرات المركزية الأميركية «غراهام فولر» فقال: «لدى الولايات المتحدة الكثير مما تخسره في المرحلة المقبلة، فالإذلال اشد خطرا من الغضب». هذا القول وجهه إلى الرئيس الأميركي بوش عبر الصحافة. يواجه الاقتصاد الأميركي انكماشا مثيرا للمؤسسات الاقتصادية والمالية الأميركية، حيث لم يتخط نموه في الربع الثاني من العام الجاري 1,1 ٪، وتتوقع مصادر تراجع نموه نتيجة الصعوبات الاقتصادية وانخفاض معدلات الانفاق الاستهلاكي، وتفجر الفضائح المالية والمحاسبية لعدد من الشركات الأميركية الكبرى، كانرون وورلدكوم وكويست وزيروكس مما ينبئ تراجع أسعار الأسهم في البورصات العالمية. من جهة أخرى، انخفضت الأسهم الأميركية بشدة في 11 سبتمبر/ أيلول 2002، إذ تراجعت معنويات المستثمرين بعد كلمة «بوش» عن العراق وتصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي «الان جرينسبان» عن الإنفاق الحكومي، وبيانات تظهر ضعف الاقتصاد، حيث اهتزت «وول ستريت» بعد بيانات أظهرت صعود حاد في عجز ميزان المعاملات الجارية للولايات المتحدة، وقفزة مفاجئة في طلبات إعانات البطالة الأسبوعية مما زاد المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد الأميركي. التأثير على الاقتصاد العالمي هناك قدر من التعارض أو التباين في آراء الاقتصاديين، الا إن الجميع من دون استثناء يتفق على أن الاقتصاد الأميركي لم يزل يترنح في انكماش بدأ قبل «إعصار بن لادن»، وهو اليوم يئن في ركود شديد، نجم عنه افلاسات وتراجع في تدفق الاستثمارات. لقد قاد ذلك الى زعزعت ثقة المستهلك، في وقت يشكل فيه الإنفاق المحرك للاقتصاد، باستحواذه وحده على ثلثي الاقتصاد الأميركي و15٪ من إجمالي الناتج العالمي. ان المناطق الاقتصادية في العالم رهن بعافة أو اعتلال الاقتصاد الاميركي، كونه محرك ومنشط المبادلات التجارية في العالم، وبالنتيجة، تتسع العدوى من هناك، وأي انكماش فيه لا بد وان يطال بالنتيجة قسما كبيرا من العالم. لهذا يسود الأوساط الاقتصادية والمالية تشاؤم بشأن تحسن معدلات النمو الاقتصادي العام. فقد خفضت مؤسسة «جى بى مورجان تشيس بنك» الأميركية من توقعاتها بشأن نمو الأسواق للدول ذات الاقتصاديات الكبرى من 3,2٪ إلى 2,15٪ للعام 2002. بينما توقع صندوق النقد الدولي أن نمو الاقتصاد العالمي سيصل إلى 2,8٪ خلال نهاية العام 2002، مما قد ينعكس على الأجواء المؤاتية للاستثمارات في أميركا، يضاف إلى ذلك اثر تقلبات أسعار النفط وعدم الاستقرار السياسي في العالم، لا سيما في الشرق الأوسط. نزوح الأموال من أميركا ذكر صندوق النقد الدولي ما معناه: أن تهاوي أسعار الأسهم المتداولة في البورصات العالمية وعجز الشركات عن سداد ديونها سيعملان على إبطاء إيقاع الانتعاش الاقتصادي الدولي. وجاء في التقرير الذي يجري نشره كل ثلاثة اشهر أن ذلك قد يؤدي لنشوب أزمة مالية، الأمر الذي قد يؤدي إلى عزوف المستثمرين عن المخاطرة بأموالهم، مؤكدا أن هناك مخاطر مرتبطة بتراجع الجاذبية الاستثمارية النسبية للولايات المتحدة، مما قد ينجم عنه نزوح أموال المستثمرين من الأصول الاستثمارية الأميركية، ومن ثم تراجع قيمة الدولار. اقتناص الفرص «شطارة» ان تلك الأسباب مجتمعة تشجع المستثمرين، بصرف النظر عن جنسياتهم على الهروب من السوق الأميركية بحثا عن أسواق اكثر أمانا، وتعتبر منطقة اليورو افضل البدائل، بينما تأتي مناطق أخرى خارج أوروبا كبدائل أخرى، لهذا يمكن القول ان الاقتصاد الأميركي هو الخاسر الأكبر من سياسة «بوش». الاتحاد الأوروبي يهمه الاستفادة من هذه الفرصة السانحة للاستحواذ على اكبر قسط من تدفق الاستثمارات عبر العالم، حتى وان كانت خارجة من أميركا، ويهمه دعم دور العملة الأوروبية الموحدة في أسواق المال العالمية منذ إطلاقها في مطلع 1999، وحقن «اليورو» بكل مقومات القوة. بل أن وزراء التجارة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي الخمسة عشرة حثوا نظراءهم في آسيا على زيادة استخدام العملة الأوروبية الموحدة أثناء اجتماعهم يومي 18 - 19 سبتمبر 2002 للتمهيد لاجتماع يضم رؤساء الدول الآسيوية في العاصمة الدنمركية في الفترة من 22 - 24 سبتمبر الجاري. وقال دبلوماسي: «العلاقات التجارية القوية بين الاتحاد الأوروبي وآسيا تشير إلى أن هناك مجالا لزيادة استخدام اليورو في آسيا»، وأضاف «ستعمل الإصلاحات الاقتصادية والمالية المستمرة على تحسين الظروف لاستخدام اليورو على المستوى الدولي» (رويترز، 17/9/2002). وبالفعل، ارتفع نصيب اليورو من عمليات إصدار السندات الدولية إلى 31٪ في الفترة بين بداية 1999 ونهاية شهر يونيو / حزيران 2001. وفي الفترة بين عامي1994 و1998 كان متوسط نصيب العملات الأوروبية من سوق السندات الدولية 18٪ بحسب بيانات البنك المركزي الأوروبي. وفي سوق القروض قصيرة الأجل ارتفع نصيب اليورو إلى ثلاثة أمثاله، ليصل الى24٪. حركة التدفقات الاستثمارية شهدت التدفقات الاستثمارية المباشرة تراجعا حادا على المستوى العالمي في العام 2001 بسبب تراجع نمو الاقتصاد العالمي، وانخفاض عمليات الاندماج بين الشركات العالمية. وعلى رغم تركز التراجع في البلدان المتقدمة، إلا أن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الدول النامية كان كبيرا كذلك. كان الأداء الاقتصادي ضعيفا في العالم المتقدم، بينما كانت الآثار غير المباشرة على البلدان النامية مؤثرة هي الأخرى. وقد دخلت عدة اقتصاديات ناشئة بالفعل في حال كساد، وعلى الأخص في منطقتي شرق آسيا وأميركا اللاتينية، البلدان الوحيدان اللذان ظلا بمنأى عن الضغوط الناجمة عن اتجاه الهبوط في الأسواق العالمية هما الصين والهند اللتان تشكلان اقتصادين كبيرين ومغلقين نسبيا. سجلت التدفقات الاستثمارية المباشرة تراجعا حاداً على المستوى العالمي خلال العام 2001، حيث انخفضت إلى 735 مليار دولار، مقابل 1,3 تريليون دولار للعام 2000، مما يعني تراجع الاستثمارات إلى أقل من نصف ما كانت عليه في العام 2000، وهو أدنى مستوى لها منذ عشر سنوات. يذكر أن الارتفاع في الاستثمارات الأجنبية المباشرة مرجعه زيادة أعمال الشركات العابرة للقارات، والتي بلغت في العام 2000 اكثر من 60 ألف شركة، استأثرت البلدان المتقدمة على أكثر من 75٪ منها. أما الانخفاض في العام 2001 فيعزى إلى حال «الانكماش» التي شهدها الاقتصاد العالمي، وما خلفه من ضعف ثقة قطاع الأعمال اللذين تعمقا في 11 سبتمبر 2001، حيث ساهم هذان العاملان في انخفاض حاد في عمليات الدمج والاستحواذ عبر الحدود، والتي تتم بصورة رئيسية في الدول الصناعية. انخفضت التدفقات الاستثمارية المتجهة إلى الدول المتقدمة بنسبة 59٪، مقابل 14٪ في الدول النامية، أما دول شرق ووسط أوروبا فشهدت ارتفاعا بلغ 2٪. كما يلاحظ تباين في التدفق الاستثماري بين الدول. ومن بين الدول العشر الأكثر حظا ثماني دول نامية، في مقدمتها المكسيك والصين وجنوب إفريقيا، أما الدور المؤثر للشركات متعددة الجنسيات في التجارة العالمية فظهر بشكل واضح في ست دول، هي الصين وكوستاريكا وبلغاريا وبولندا والمكسيك وكوريا الجنوبية، نظرا لارتباط صادراتها بفروع الشركات العالمية. فعلى سبيل المثال تعدى نصيب صادرات الشركات الأجنبية في الصين نصف صادراتها الإجمالية. رؤوس الأموال العربية في الخارج صدقت التنبؤات بصدد إعادة توزيع خريطة الاستثمارات الأجنبية في العالم كرد فعل للاعتداءات على مركز التجارة العالمي. لكن الجميع، بما فيهم المنظمات العربية المتخصصة، يجهل الخوض في تحديد حجم رؤوس الأموال تلك موزعة وفقا لمناطق الاستثمار، ووفقا لذلك، أيها كان الأكثر جاذبية ؟ وأي قطاعات الاقتصاد العربي حظي بنصيب الأسد؟ هل هو قطاع الصناعة البتروكيماوية الذي يدخل فيه الغاز كلقيم رئيسي في عملية الإنتاج؟ أم الألمنيوم الذي يحتاج إلى قدر كبير من الغاز الطبيعي؟ أم السياحة..؟ من جهة أخرى، تختلف التقديرات بصدد حجم رؤوس الأموال العربية في الخارج، فبينما تقدرها بعض المصادر بتريليون دولار، تقدرها مصادر أخرى بـ 1,2 تريليون دولار. أما تحويلات المستثمرين الخليجيين من الولايات المتحدة منذ الهجمات على مركز التجارة فقد قدرتها بعض المصادر بحوالي 40 مليار دولار، حظت منطقة اليورو منها على نصيب الأسد، بينما عاد إلى الخليج منها نحو عشرة مليارات. الأمر الذي أنعش أسواق الأسهم الخليجية. ان هروب رؤوس الأموال إلى الخليج يفسر مثلا من بين أمور أخرى ارتفاع حجم السيولة في السوق السعودية، التي تعد اكبر سوق للأسهم في العالم العربي. أما بورصات الخليج فقد بدأت تزدهر نسبيا منذ الهجمات على مركز التجارة العالمي، حيث ارتفعت أسعار الأسهم الخليجية بنسبة 15٪ في المتوسط منذ بداية العام 2002، بيد انه لا يمكن عزو ذلك إلى عودة الاستثمارات العربية في الخارج فقط، حيث لعب انتعاش أسعار النفط دورا رئيسيا في ذلك الانتعاش النسبي. تواضع حجم الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية أورد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الاونكتاد» نشرته وكالة الأنباء الفرنسية في 16 سبتمبر 2002 أن الدول العربية مجتمعة تجتذب جزءا هامشيا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، واكد انه «على رغم أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى غرب آسيا قد زادت من حوالي 740 مليون دولار العام 2000 إلى حوالي 1180 مليون دولار العام 2001، فان منطقة غرب آسيا ما زالت متلقيا هامشيا للاستثمار الأجنبي المباشر». سنغافورة تتقدم العرب جميعا! الغريب أن التقرير يذكر أن «سنغافورة تجتذب استثمارات أجنبية مباشرة تفوق تلك التي تجتذبها الدول العربية مجتمعة». يذكر أن مساحة سنغافورة لا تتعدى 650 كيلومتر مربع فقط (اصغر من البحرين)، بينما لا يتعدى سكانها الثلاثة ملايين نسمة فقط. يذكر أيضا أن التقرير يذكر أن البحرين التي تحتل صدارة الدول العربية، تأتي في المرتبة الأربعين لتصنيف الدول، وفق مؤشر أداء الاستثمار الأجنبي المباشر، وذكر أن غالبية الاستثمار الأجنبي المباشر في غرب آسيا في العام 2001 تركزت في مصر (510 مليون دولار) ولبنان (249 مليون دولار) وسورية (205 مليون دولار). لِمَ لَمْ تحظ المنطقة بنصيب أكبر من الاستثمارات ؟ تحلم بعض الأوساط الوطنية في عودة الاستثمارات للداخل، وتوغل أوساط عربية أخرى في تمنياتها العاطفية بعودة الاستثمارات للداخل! فهل أمكن للتمنيات العاطفية والواعز الديني، من جذب رؤوس الأموال للوطن؟ وما هي الدروس التي يمكن الاستفادة منها في هذا الشأن؟. مقومات المناخ الاستثماري في المنطقة يدعو الخبراء إلى عدم التفريق بين رؤوس الأموال العربية وغير العربية، المسلمة وغير المسلمة، عندما يتعلق الأمر بدراسة تدفقات الاستثمارات ورؤوس الأموال، والواقع أن لذلك الموقف مبرراته الموضوعية. تأتي السياسات التي تنتهجها الدول في مقدمة محددات تدفق الاستثمارات الأجنبية التي تعتمدها المنظمات المعنية بتدفقات الاستثمار، بجانب سياسات إرساء الصناعات الموجهة نحو التصدير. يضاف إلى ذلك، الميزات التنافسية للدول المضيفة، والتي من أهمها انخفاض كلفة العمالة، والمهارات المتاحة، والقدرات التقنية، والبنية التحتية بما تشمله من مناطق صناعية وخدمات اتصالات وغيرها. يتوجب على الدول العربية تحقيق قدر كبير من الإنجازات، تأتي في مقدمتها اعتماد تشريعات متقدمة تدفع باتجاه حرية السوق، وتأمين البنى التحتية والميدانية الضرورية، إضافة إلى تحديث الإدارة، وتزويدها بجهاز بشري كفء وذي قدرات تنافسية. بعد مرور عام على هجمات سبتمبر، يظهر الواقع المشاهد حقيقة أن أسواقنا طاردة بالفعل للاستثمار، وان الأحداث لم تغير اتجاه الاستثمارات العربية نحو المنطقة بشكل مؤثر، بل إنها اتجهت حيث البيئة الإستثمارية مشجعة، فرأس المال ينتقل من سوق إلى آخر، أينما ارتفع العائد وقلت المخاطر. إن هذا هو ما فسر «الهروب الكبير» للاستثمارات من الدول الآسيوية (النمور الآسيوية) اثر الأزمة المالية الطاحنة في العام 1997، وهذا ما يفسر اليوم مظاهر هروب الأموال من السوق الأميركية إلى أسواق أوروبا وشرق وجنوب شرق آسيا. الذكي من يستغل الفرصة السانحة هذا يفسر من بين عوامل أخرى تفضيل رؤوس الأموال العربية عند هجرتها من السوق الأميركية أسواقا أخرى غير عربية، فالدول العربية لم تستفد بعد من توافر الكثير من العوامل التي يمكن أن تكسبها ميزة نسبية في قطاعات بعينها، كتوافر النفط والغاز، وتوافر البيئة السياحية الطبيعية وغيرها. بل على العكس من ذلك لعب المفهوم المتحرك للميزة النسبية دورا عكسيا، بمعنى أن كلفة إنتاج وحدة الإنتاج لم تسجل تطورا يحسب لصالحها. وأخشى أن الشروع في تطبيق اتفاقات الجات سيعيد توزيع خريطة الميزة النسبية عالميا في غير صالحها، وعلى الأخص في بعض القطاعات، كدخول الهند وباكستان وبنغلادش كمنافسين لدول عربية كتونس ومصر والمغرب في صناعات بعينها، كالصناعات النسيجية، مما قد يؤدي دورا سلبيا على توجهات الاستثمار الأجنبي فيها. سر جذب الاستثمارات التعليم والتدريب سبق ونشرت مقالا مطولا إن سر جذب دول آسيا للاستثمارات والرساميل الخارجية في الثمانينات والنصف الأول من التسعينات كان ولم يزل النية الجادة في تنفيذ برامج طموحة للإصلاح، ووجود مخرجات مغرية لبرامج التعليم والتدريب، ومن ثم انخفاض كلفة إنتاج الوحدة الإنتاجية التي تعني قدرة تنافسية عالية في الأسواق الخارجية، وهذا ما يلخصه إغراء العائد على الاستثمار. يضاف إلى ذلك، قابلية استرداد رأس المال، ووجود عامل الاستقرار الأمني الداخلي والإقليمي. قدرة الأسواق الخليجية على استقطاب الاستثمارات لم تستفد دول الخليج من تجارب الماضي، فالمناخ الاستثماري لم تطرأ عليه تحولات كبيرة منذ الأزمة الآسيوية، ومعه ظلت قدرة الأسواق الخليجية على استقطاب الاستثمارات محدودة، فضاعت بذلك فرصا أخرى مع هجرة بعض الأموال من السوق الأميركية!. تجارب جديرة بالدراسة إن تجربة دول آسيا تظهر لنا حقائق عديدة يجب التوقف عندها وقراءتها بموضوعية وعمق، وأحد تلك الدروس المسلّم بها أن رأس المال لا يحمل جنسية ولا يتعاطى أو يتعامل بالعواطف القطرية أو القومية. واتجاهاته تحددها بوضوح الفرص الاقتصادية الجاذبة في ظل بدائل عدة متاحة له على خريطة العالم، وهدفه تحقيق افضل عائد بأقل كلفة، مقارنة بحجم المخاطر المحتملة. وعليه، فأمامنا بادئ ذي بدء استيعاب عاملين اثنين، أولهما موضوعي، يتمثل في عامل الاستقرار الأمني والسياسي في عموم المنطقة، والذي يمثل مفتاح جذب الاستثمارات والرساميل، حيث أن المنطقة ما انفكت تعاني من توتر واحتقان أمني شديدين، بفعل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، لذا سيظل المناخ الاستثماري الإقليمي رهناً بالسياسة الأميركية!. أما العامل الثاني فيتمثل في تأهيل المناخ المؤاتي للاستثمار بوجه عام، باستكمال مقومات لازمة وأساسية، كالبنى التحتية، وتطوير الأطر القانونية والإدارية، وتأهيل القوى العاملة، وغيرها، من دون الانصراف نحو استقصاد الاستثمارات الوطنية تحديدا، حيث أن هذه الأخيرة ستأتي من تلقاء نفسها عندما تتوافر البيئة الاستثمارية المناسبة والمجدية. ومن بين أمور عديدة يمكن استخلاصها من التجربة الآسيوية نشير إلى أن الاستثمار الذي ضخته دول آسيا في قطاع التعليم والتدريب أثمر قوة عاملة رخيصة مقارنة بما تتمتع به من كفاءة عالية الجودة، وقد اكسبها ذلك ميزة نسبية أسهمت بشكل فاعل في تدفق الاستثمارات الأجنبية إليها. وليس هناك من شك في أن دول آسيا قد تأهلت بذلك لإنتاج وحدات إنتاجية اكبر بكلفة اقل، مما رفع من قدرتها التنافسية التي أهلتها للصمود في وجه المنافسة في السوق الدولية. في مقابل ذلك، لم نجد تطورا مناظرا في نوعية القوة العاملة في الأقطار العربية التي تمتاز بارتفاع معدلات البطالة، فتحولت بذلك القوة البشرية المواطنة من مورد يعظِّم القيمة المضافة في الاقتصاد إلى «عبء شديد الوطأة»! ثم أن واحدة من أهم دروس آسيا الجديرة بالتوقف تبين أن شكل النظام الأيديولوجي لم يعد قيدا على استقطاب الاستثمار الأجنبي، ومن المفارقة أن نجد أن أكثر واكبر الاستثمارات الأجنبية في آسيا يغريها الوضع الاقتصادي في الصين الشعبية التي استطاعت أن تحقق استقرارا في أسواقها المالية، واستقراراً في سعر صرف اليوان خلال العام 1997 على رغم من تأثيرات الأزمة الآسيوية. بل وأمكن لها في تلك الظروف الحرجة تحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بلغ 8,8٪! مع معدل تضخم لم يتجاوز 0,8٪ وفق إفادات مكتب الإحصاءات الرسمية الحكومية الذي أعلن في 4 مارس/آذار 1998. الجدير بالذكر هنا الإشارة لمفارقة عجيبة، وهي وقوف الصين الشعبية، قلعة الشيوعية العتيدة، كقوة داعمة لنمور آسيا، على رغم التمايز الأيديولوجي، تلك النمور التي وجدت دعما محموما من الطرف النقيض، ذلك الطرف الذي أطلق عليه أيام ايدلجة الأشياء بـ «المعسكر الرأسمالي»، ولمن أراد أن يقرأ في ذلك، تتبع حجم الإعانات والمنح الخارجية التي كان يقدمها المعسكر الرأسمالي لنمور آسيا (تايوان وهونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية) ويقارنها بضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين الراهنة. إن دعم الصين الشعبية التي تستلهم منهج إصلاحات «دينغ هسياو بينغ» الاقتصادية استهدف إخراج نمور آسيا من أزمتها المالية، من جهة أخرى، وقفت النمور المجروحة مؤازرة للصين الشعبية معنويا للحيلولة دون الاستجابة إلى دعوات صندوق النقد الدولي بتخفيض عملتها، بعد أن تحقق انهيار عملات جميع الدول الآسيوية المعنية، أملا في أن يسهم ذلك الموقف في إعادة الاستقرار لعموم منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا التي تمثل «القوة الصفراء»، ومن ثم تعيد الثقة للإستثمار من جديد. أميركا تلعب بالمناخ الاستثماري الإقليمي الأمن هو اكثر ما يقلق رأس المال، أيا كانت جنسيته، وأيا كان الموقع الجغرافي. لذا تعد احتمالات غزو أميركي لبغداد للإطاحة بصدام حسين محددا لنمو الأسواق الخليجية كافة، والأمر هنا يتعلق بمعيار الزمن، بمعنى كم سيستغرق العدوان الأميركي على العراق ليحقق أهدافه، هذا المجهول يدخل في حسابات حركة رؤوس الأموال. ثم أن المخطط الأميركي ذو أبعاد لا تنتهي في بغداد، فحرب الإرهاب التي أعلنتها الإدارة الأميركية أصبحت متغيرا خارجيا لا يمكن السيطرة عليه، بمعنى أن الانتقال من فلسطين إلى بغداد، ومن ثم إلى طهران وسورية ولبنان... يضع المنطقة في اكفٍ من نار، ولامد لا يعلمه الا الله، وهذا ما نعبر عنه بحالات اللايقين التي يخشاها رأس المالّ. إن شبح الحرب يخيم بثقله على المنطقة، والكثير من المستثمرين يحجمون عن إقامة استثمارات طويلة الأجل، ويركزون عوضا عن ذلك على المضاربات قصيرة الأجل. أما التحسن النسبي المرتج في أسواق الأسهم الخليجية فمرجعه ليس عودة الإستثمارات فقط، بل ارتفاع أسعار النفط الذي يصاحب في العادة شبح الحرب في أهم مصدر للنفط في العالم.

العدد 15 - الجمعة 20 سبتمبر 2002م الموافق 13 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً