لا يمكن لأفكار المرجع الإسلامي سماحة العلامة السيد محمد حسين فضل الله إلا أن تبقى في دائرة الضوء... وأن تكون مرتكز النقاش استجابة أو رفضا... كما أنها لا يمكن أن تغادر مكنونات الذاكرة، بفعل الزخم الآخذ بها إلى حيث تريد، أو إلى حيث يريد «السيد»... وهو لا يريد أكثر من «أن نكون نحن، لنعاقب من يعاقبنا»... «وأن نعتمد مناهج النقد التاريخي والثقافي، وحتى نقد المنهج في تفسير القرآن وفي تقويم السُّنة على مستوى التوثيق... وهو لا يريد إلا أن نحرِّك المسلمات التي ينظر إليها الناس كما لو أنها هي الحقيقة... الذي أفسح المجال لكثير من ذهنية التخلف... وذهنية الذين ينظِّرون للدين.
«السيّد» غني في مجلسه، كما لو أن يومه أيام، وسنته سنوات... وفكره الدافق بلا حدود يدعو إلى إطلاق مبادرة إسلامية ثقافية تتحرك على أساس أن ذاتية الإسلام تفرض على المفكرين المسلمين تطوير الواقع، لأن أميركا تريدنا أن نصوغ مناهج المدارس الدينية على الطريقة التي تدجّن العالم الإسلامي.
ويستزيد «السيد» في حواره مع «الوسط» في طرح الكثير من المبادرات والأفكار غير العادية... كما هو.
بعد «المحبة والتقدير والإعزاز لشعب البحرين» كما قال، كان معه هذا الحوار:
بداية، إدارة التحرير في الصحيفة تسأل سماحتكم متى ستزورون البحرين؟
- إنني أحمل لشعب البحرين في وجداني كل الإعزاز وكل المحبة والتقدير، لأنه شعب يملك الحيوية الوجدانية التي تجعله يعيش قلق المعرفة وتطلّع المصير، في الوقت الذي يتميز به أنه شعب قارئ ومتحرّك، لا يعرف الجمود ولا سيما في الطليعة الشبابية منه وهناك علاقات حميمة جدّا تربطني بهذا الجيل الشاب والشخصيات المثقفة والمفكرة وإنني أحب أن ألتقي بكل هذا الشعب الطيّب المؤمن في كل وقت، ولكن التعقيدات والظروف التي تحيط بأعمالي ومسئولياتي قد تمنعني في الوقت القريب، أن أحقّق رغبتي في هذه الزيارة وأن ألّبي الدعوات التي وردت إليّ من مواقع رسمية محترمة، وإنني أرجو أن أوفّق بذلك في أول فرصة ممكنة.
ونقلوا أيضا عن سمو الملك رأيا إيجابيا بسماحتكم.
- نعم وقد وجّه إليّ دعوة أيضا إلى زيارة البحرين.
لقد ذكرت إحدى الصحف العربية منذ فترة، أن مؤتمرا عقد في القاهرة ولم يعلن، وضمّ ممثلين رجال دين عن الأزهر وعن الكنيسة الانجيليكانية، وهم يحاولون خلاله تعديل مناهج التعليم الديني... هل لديكم فكرة عن هذا المؤتمر، ولو كنتم تولّيتم لجنة لتعديل المناهج الدينية الإسلامية، من أين تبدأون؟
- أولا، لقد قرأت في الصحف عن هذا اللقاء الذي عقد في ضمن أكثر من لقاءات دينية في الدائرة الإسلامية، أو في الدوائر الأخرى التي ربما تخضع لرغبة سياسية أميركية، في إطار مشروع الحملة ضد الإرهاب تحت تأثير الفكرة التي حاول الإعلام الأميركي أن يثيرها في أن الإرهابيين الذين قاموا، بما قاموا به، في حدث 11 سبتمبر/ أيلول، كانوا خاضعين لطريقة معينة في منهج التربية الدينية التي ربما تجعلهم يغيبون عن الواقع ليحلّقوا في آفاق الغيب، لينطلق التعليم الديني، ليخلق في نفوسهم الرغبة في القيام بأي عمل عنف ضدّ الآخر، لأن الله سوف يرزقهم الجنَّة التي يعيشون الشوق إليها بين لحظة وأخرى، تحرِّك فيهم هذه السرعة في الاندفاع نحو الهدف الذي يُحدّد لهم ما يقال لهم إنه يمثل رضا الله.
وعلى ضوء هذا، لاحظنا أن الكثيرين ممن يعيشون هذا الخضوع التلقائي للولايات المتحدة الأميركية في كل ما تريد منهم سواء كانوا من الذين يمثّلون مواقع رسمية متقدّمة أو الذين يمثلون مواقع دينية متقدّمة، ولا سيما في الوسط العربي التي قد تملك بعض المواقع الدينية، وقد تعيش بعض المواقع الدينية ضغوطا فوق العادة لأنها تحصل على مواقعها بمرسوم، وتفقده بمرسوم، من دون أية استقلالية في الموقع الديني الذي لا يمكن إلا أن يكون حرَّا في الفكر، في الأسلوب وفي الحركة، ليؤكد القيمة الدينية. لذلك كنت أفكر قبل هذه الحوادث أننا لا بد أن نعيش ما يمكن أن نطلق عليه ثورة ثقافية في المناهج الدينية وربما في الفكر الديني، لا على أساس عقدة التجديد التي يحملها البعض أو يثيرها البعض لمجرد الرغبة في الجديد، لأننا بوصفنا مسلمين، لا بدّ لنا من أن نحرّك كل فكرنا في كل تطوّراته ارتكازا على القاعدة الإسلامية، من أصالة الإسلام في فكره على أساس الكتاب والسنّة، لكنني كنت أفكر بأن القديم خارج نطاق النصوص المعتمدة الأساسية يمثل وجهة نظر علماء عاشوا في الماضي، سواء على مستوى النظرية أو التطبيق أو المنهج. ولذلك، فإننا لا نجد هناك أي فرض ديني على أن نأخذ بما جاء من تراث العلماء الذين لا يملكون أية عصمة في فكرهم بل يفكرون كما يفكر الآخرون من اجتهاداتهم التي قد تخطئ وقد تصيب وعلينا أن نفكّر كما فكروا وربما نتميز عنهم بأن ما عندهم عندنا، وما عندنا ليس عندهم. لذلك كنت أفكر بضرورة تجديد الكثير من الأفكار، وذلك بإعادة النظر في الأسس التي ارتكزت عليها، فلعلنا نوافق ما ذهبوا إليه ولعلنا نختلف معهم، كما أننا نعتقد أن العالم دخل في ثورة تجديدية هائلة في المنهج.
أين اصطدمتم خلال طرحكم الأفكار التجديدية؟
- لقد كنت أفكر أن علينا أن نعتمد مناهج النقد التاريخي والنقد الثقافي وحتى نقد المنهج في تفسير القرآن وفي تقويم السنّة على مستوى توثيق السيد وعلى مستوى فهم النصوص. وهكذا كنت أقول أن نحرّك الكثير من المسلَّمات التي ينظر إليها الناس كما لو كانت هي الحقيقة المطلقة وهي ليست بديهية، ولكنها انطلقت من موقع نظري يسمح للمفكر أو الفقيه أن يحرّكها في الدائرة الفكرية ليفحص الأسس التي ارتكزت عليها هنا وهناك، إنني كنت أقول دائما إن النص ثابت، ولكن المضمون متحرك، ولذلك فإن علينا أن نأخذ الكثير من حركة الحرية في المضمون. لهذا فإنني أتصوّر أن المنهج السلفي في فهم الإسلام الذي يمكن أن نجده عند كل المذاهب الإسلامية، السّنة أو الشيعة هو الذي أفسح المجال لكثير من ذهنية التخلّف التي عاشتها المعاهد الإسلامية، وبالتالي عاشها الجوّ الإسلامي.
وعلى ضوء هذا فقد لاحظنا، أن الكثيرين ممن ينظُّرون للإسلام على مستوى الفتوى أو على مستوى الحركة أو على مستوى المنهج، ليست لهم أية علاقة بالواقع الإنساني الذي يعيش معه الناس. وفي الوقت الذي نعرف فيه أن الإسلام لم يأت لينِّظر للسماء، وإنما جاء لينظِّر للأرض، وأراد أن يحرك الحياة، نحن نقرأ في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا، استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» (الانفال - 24)، فالإسلام إذن هو دعوة إلى الحياة، فإذا كنا لا نفهم الحياة المتجدّدة المتحركة، فكيف يمكن أن نفهم الإسلام، وهكذا نجد أن الله يقول: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (الرعد - 11). إن معنى ذلك اننا لن نستطيع أن نفهم الواقع إلا إذا فهمنا الفكر الذي يعيش فيه الناس والذي ينعكس سلبا أو إيجابا على الواقع. ونحن أيضا عندما نقرأ: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون» (الروم - 41) إننا نفهم من ذلك أن كل ما يحدث في الواقع من تعقيدات ومشكلات وآلام وحروب كلها تنطلق من السلوك الإنساني. فإذا لم نفهم هذا السلوك، فكيف يمكن أن نؤسس للنظرية التي تخرج الإنسان من هذا الواقع السيئ أو تطوّر الواقع الحسن. إن المشكلة التي نعيشها في كثير من مواقع الثقافة الدينية هي هذا التخلف الذي يطبع ذهنية الذين ينظرون للدين. وهذه الحملة العنيفة القاسية التي توجه إلى الذين يحاولون أن يفكروا في الهواء الطلق، وان يتحدثوا في فضاء الحرية على الأسس المنهجية في الكتاب والسنة. لكننا نستعيد على مستوى المنهج وعلى مستوى خطوط الفكر وعلى مستوى حتى الفتاوى، بعض الفتاوى، قوله تعالى: «إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون» (الزخرف - 23) من دون أن يدرسوا الآيتين الأخريين: «أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون» (المائدة 104)، و«لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم» (الزخرف - 24).
وقال: إننا لا ندعو إلى الخضوع للحملة الأميركية ضد المناهج الدينية بشكل عشوائي، لأن أميركا تريدنا أن نصوغ مناهج المدارس الدينية على الطريقة التي تدجن العالم الإسلامي، وتمنعه من مواجهة الاستكبار ومن تغيير الواقع الذي تسيطر عليه أميركا أو غيرها. نحن لابد أن ننطلق بمبادرة إسلامية ثقافية ومن خلال إرادة ثقافية إسلامية تتحرك على أساس أن ذاتية الاسلام تفرض على المفكرين المسلمين أن يطوّروا الواقع من خلال تحريك مفاهيمه في مسيرة الواقع.
مرحلة الجنون السياسي
لماذا لا يصار إلى عقد مثل هذا المؤتمر، ومن هو المدعو إلى كسر حلقة التحدي هذه ولماذا لا تدعون إلى هكذا مؤتمر من مفكرين دينيين من العالمين العربي والإسلامي لمواجهة هذا التحدّي أولا؟
- إن المشكلة هي أن المرحلة الحاضرة التي تتميز بقدر كبير من الجنون السياسي ومن الصخب الأمني ومن الاستلاب الإنساني، تمنع الكثير من الهدوء في الفكر. ولا سيما أن المؤتمرات التي ربما تعقد في مثل هذا الأجواء قد تخضع للمناخ الذي يراد له أن يسيطر على ذلك. إنني أتصور أن المرحلة تحتاج إلى أن نرشد فكرة التغيير في الواقع، إلى أن نثير أكثر من علامة استفهام ضدّ خطوط التخلف، وأن نبادر إلى صدمة الواقع باطلاق فكر يتحدى الواقع هناك ليثير حوله الكثير من الجدل، وفكر يخدم التخلف هنا ليثير حوله الكثير من التكفير والتضليل. وما تعارفنا عليه في المرحلة الحاضرة التي يبادر فيها الكثيرون إلى أن يرجموا الفكر الحر والاجتهاد المنفتح بالكلمات غير المسئولة في تكفير هنا وتضليل هنا وما إلى ذلك. إننا نحاول مع الكثيرين من الذين يحملون الرغبة في تحرير الفكر الإسلامي من الأغلال التي قُيّد بها من خلال عصور التخلّف. إننا نحاول ذلك، ولكنني أعتقد أن المرحلة تحتاج إلى أن تتجاوز الكثير من الظروف الخانقة التي لاتزال تسيطر على الذهنية الإسلامية العامة.
التحديات متنوعة أمام المسلمين والعرب، ولا سيما بعد حوادث 11 سبتمبر، فهل نحتاج إلى حوار إسلامي - إسلامي قبل التحدث عن حوار إسلامي - مسيحي، ونحتاج إلى أن نقدّم أنفسنا كمتنورين أمام الغرب لنحاور، ليقبلنا كبشر، أصحاب فكر، وليس الصورة التي يريدها؟ وأين تبدأ الصورة لمعالجة هذه التحديات؟
- إننا مع بعض المفكرين المسلمين، لانزال نتحرك على أساس إعطاء الفرصة للنقد الذاتي داخل الوسط الإسلامي، سواء على مستوى المعاهد والحوزات الدينية أو على مستوى الحركات الإسلامية.
وتحت مقولة «أن علينا أن نفهم من نحن» و«ما هو الإسلام» و«ماذا هناك»، وأن نتعرف إلى كل الخلفيات التي تكمن وراء هذه الذهنيات المتناقضة التي تعطي العنف تارة كوسيلة من وسائل التغيير، لتقابلها فكرة ذهنية أخرى تعطي الرفق من أجل التغيير ليترجم العنف بالحجارة حتى في مقام المواجهة والدفاع عن النفس أو عن الأرض أو ما إلى ذلك، أو في الإخلاص للقديم أيا كان، حتى لو لم يكن معصوما، وفي محاولة أو في رجم الجديد حتى لو كان منفتحا على الحقيقة. إننا ندعو إلى حوار إسلامي - إسلامي، يحاول أن يخرج الإسلام من كل هذا القمقم الذي حبس فيه، كل هذه الوحول التي أحاطت بمياهه الصافية العميقة. وإننا في مثل هذه المسألة لم يكن تفكيرنا هو أن يعترف الغرب أو لا يعترف، بل المسألة هي أن نعترف نحن بأنفسنا، نعترف بأن لنا وجودا في هذا الكوكب يمكن أن يتحرك ليعرف كيف يخاطب العالم، وذلك من خلال أن يفهم ذهنية العالم، كيف يفكر، ما هي تطلعاته، ما هي قضاياه، ما هي سلبياته وإيجابياته؟ ما هي خطوطه التآمرية أو خطوطه المنفتحة. إننا نشعر أنه علينا في عملية التغيير أو عملية النقد الذاتي أو الحوار الإسلامي - الإسلامي الآ ننطلق من حال رد فعل، لأن رد الفعل يجعلك دائما في موقع المتهم الذي يدافع عن نفسه. إننا نريد أن نكون في موقع الفعل، نحرك الفكرة، لأن الفكرة السابقة كانت خطأ، لا لأن الآخرين ينظرون إليها نظرة سلبية أو إيجابية. ومن خلال ذلك فإننا نشعر أن علينا ونحن نعيش الحوار الذاتي في داخل منظومتنا الإسلامية الثقافية، علينا أن نعمل على إدارة حوار مع الغرب، مع العلمانيين، مع الأديان الأخرى، سواء أكانت مسيحية أو بوذية أو يهودية أو هندوسية وما إلى ذلك، ومع العلمانية تماما، لكن ذلك بعد أن نفهم ذاتنا، لأن ليس من الطبيعي أن تحاور الآخر في ما هو فيه من دون أن تفهم أنت ما أنت فيه.
إن المشكلة التي تواجهنا في العالم الإسلامي هي أن هذه الهزات السياسية والأمنية والسقوط الاقتصادي، وكل ما زحف إلينا من كل الطحالب الثقافية التي جاءت لنا من ظلمات التاريخ، هذه شغلتنا عن أن نفكر في الهواء الطلق، حتى أصبح الإنسان من خلال ضغط كل هذا الواقع يخشى أن يُضبط مفكرا بالطريقة الحرة في هذا المجال، نتيجة ضغط كل هذه العناصر المتخلفة. نحن دعونا منذ البداية ولانزال ندعو إلى أن نفهم الآخرين لنعينهم من خلال فهمنا لهم على أن يفهمونا، ونحن نروي عن رسول الله «ص» قوله «إنّا معاشر الأنبياء، أُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم». إذا لم نفهم عقول الآخرين الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية، فلن نستطيع أن نخاطبهم بطريقة متوازية في هذا المجال
العدد 20 - الأربعاء 25 سبتمبر 2002م الموافق 18 رجب 1423هـ