العدد 20 - الأربعاء 25 سبتمبر 2002م الموافق 18 رجب 1423هـ

لا شيء يعلو على صوت الوطن

في (أقلف) عبدالله خليفة

يقترح عبدالله خليفة في روايته الجديدة التي اختار لها اسما غريبا نوعا ما «الأقلف» إطارا معينا ليدخل منه إلى مسألة لا صوت ولا شيء يعلو فوق صوت الوطن، من خلال يحيى بطل الرواية الذي مر في هذا العمل تكوينيا ونفسيا بثلاث مراحل مركزية.

ويواصل خليفة في روايته بناء منظومته الأثيرة التي بذل من أجلها الكثير، بإضافة لبنة جديدة إلى لبناته الروائية السابقة في بحث مسألة الوعي بالوطن، وحبه من ثم، بشروط جمالية وفنية معينة.

يمر بطل الرواية يحيى بتحولات مختلفة، إذ تبدأ الرواية بسرد عام للفضاء الذي وجدت فيه الشخصية البطلة، وهو فضاء علاوة على اعوجاجه في تفاصيله جميعا، إذ نتعرف على الشخصية إما بوصفها لقيطة أو يتيمة، تعيش وسط جغرافيا مقرفة، غير محاطة إلا بجدة عجوز فقدت ضياء عينيها، تتعامل مع الأشياء ببدائية، وتقتات من المزابل، وتمارس كل ما يتواءم مع هذه الأجواء الغرائبية، فهو يجهل كل شيء إلا حاجاته الأساسية التي تؤمن استمراره بيولوجيا. وفي هذه المرحلة - أي الصفحات الأولى من الرواية - بدا الإيقاع العام قويا، وهادرا، فقد نجح الراوي في حشد مفردات وأشياء، أوصلت المطلوب بامتياز، وبسرعة، وخلقت أفضل هالة ممكنة من تجليات البؤس بكل أبعاده الفيزيائية البادية للعيان، والنفسية التي يبرزها السرد عبر توالي الحوادث.

وتحدث النقلة الثانية حين يذهب إلى مستشفى الإرسالية لتلقي العلاج من ضربات مبرحة جراء إحدى المعارك الجانبية. حيث يتمازج في أجواء مختلفة تبعده عن الحالة البوهيمية المفروضة عليه من ظروف قاسية، أجواء المستشفى، وأجواء الكنيسة بممرضاتها. أجواء مختلفة جعلته يعيد اكتشاف وبناء العالم وتركيبه كما فعل حي بن يقظان، حيث كان قبل هذه المرحلة صفحة بيضاء إلا من شقاوات أولية، ثم بدأ في تلمس ما يفتقده أولا من جوانب روحية، ومن عشق وهيام. أحب إحدى الممرضات وأنجب منها ابنة سرعان ما صودرت، واعتنق المسيحية، الأمر الذي أدى لحدوث غضبة من أعز أصدقائه، وكاد معها أن يزهق روحه.

ويتذبذب الإيقاع هنا ويتناوب سرعة وخفة وبطؤا، أو ما بين دهشة، ثم بروز وعي بأهمية الجوانب الروحية بشكل قد يبدو غريبا لانتفاء الديباجات الأولى لحدوث حركة انتقالية بهذا الحجم، رغم تأكيد الرواي على خلو صفحة يحيى من هذا الجانب المهم كما خلت من كل شيء. ثم تأتي النقلة الثالثة متجسدة فيما تعرض له من نبذ، ومحاولة قتل، ثم محاولاته الكثيرة الفاشلة في البحث عن جذر له، وموت حبيبته، وضياع ابنته، واعتقاله، أسهمت في رفع الغشاوة التي سربلت حياته ورؤيته للأمور، وها هو الأجنبي يسقط برصاص أبناء الوطن، فينسى يحيى ذاته ليتماهى بالوطن، وعذاباته، وتحدث الانفراجة في أسطر قليلة، بعد طول سرد للمعاناة. وهنا يبرز دور الرواي في تغيير دفة الحكي لمصلحة الانتقالة الثالثة المفاجئة بدورها، وكأنه أعاد بناء، أو نسف ما تقدم، فكانت النهاية بمثابة الانفراجة التي مسحت كل العراقيل التي عطلت دفة حياته، ليجد أن الأولى هو الوطن

العدد 20 - الأربعاء 25 سبتمبر 2002م الموافق 18 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً