لم يكن إيزياه برلين من فئة الفلاسفة الأوائل. لم يكن مبدعا ولا متشددا لآرائه، وانما كان للفلسفة كما كان جون بيتجمان للشعر: جيد للغاية ومريح بطريقة كافية لجعلنا نعرف ما إذا كان مكتئبا أم لا. كان برلين لاجئا يهوديا من ريجا، توفي في العام 1997 وهو يعتبر ثروة قومية. كان غير قادر تماما على تصديق وضعه. محاضراته التي تدور حول الحرية وخيانتها تم بثها في الراديو في العام 1952 وذلك بعد 30 عاما من وصوله لإنجلترا. وقد حفظت الأمبراطورية الروسية التي لم يشهد ولادتها نسخة واحدة من مشروع التنوير الذي قام به روسو«مع هلفاتيوس، فيخته، هيجل، سينت سايمون، مايستر، وهو أحد الستة المعارضين لمبادئ برلين حول الحرية» وربما حتى الحرب وعمليات حرق اليهود تركت بصماتها عليه.
هذه المقالات هي مدخل ممتاز الى ايزياه برلين وإلى انشغاله بمشكلة التنوير. ويعتقد العديد من مفكري القرن الثامن عشر أن غالبية الناس مقموعة من قبل النخبة التي يحتاجونها بشدة لتحكمهم من أجل صالحهم. أما باقي هذه المقالات فقد كانت للأسف تاريخية.
وقد افترض برلين وكذلك كانت. إن المسألة هي أن تذكر أن الناس يقررون بأنفسهم. القيمة دائما تنبع من الأشخاص. وقد كان هذا حلا يتسم بالفوضى: الناس لا يستطيعون الوصول الى المستوى المتوقع منهم في تحمّل أعباء الحياة المهمة. والأسوأ من ذلك أنهم إذا فعلوا ذلك فإنه سيتفجر صراع للحريات. (لا أستطيع أن أبني منزلا جديدا لي وأترك منزل جيراني بالمنظر الذي كان عليه مسبقا). ويبدو برلين خجلا من التحقيق في ما يجب فعله بخصوص هذه الألغاز. بدلا من ذلك فإنه مرشد رائع للمعرفة.
في كتاب «الحرية» وهو النسخة الحديثة لأربعة مقالات نشرها في العام 1969 حول الحرية، يتألم بسبب سقوط جزء آخر من أجزاء عملية التنوير. إذا كان الإنسان جزءا من الطبيعة فإن أفكاره وأفعاله تكون مسيّرة. وفي تلك الحالة فما الذي تتكون منه الحرية؟ يقول برلين إن الكثير من الناس الذين يصرون على أن الإنسان مسير (مثل الماركسيين) يحثون الناس على فعل هذا الأمر أو ذاك (الثورة مثلا) وكأن الناس أحرار، في الإختيار. كان يمكنه أن يقول ببساطة: نحن نتصرف وكأن الناس احرار، ولذلك فإنهم يجب أن يتحملوا المسئولية. هذا بند من بنود الإيمان وليس المنطق.
ثم هنالك الجانب المظلم لهذا الكاتب. بما ان المصلحين الاجتماعيين المتحررين ليسوا سيئين بما فيه الكفاية فقد لاحظ ان المعاصرين منهم قد أبتلوا بفهمهم لأنفسهم عن طريق فرويد. في العصر ما قبل الحديث عومل الأشخاص الأحرار على أنهم أشرار. والآن أصبحوا يعتقدون أن الإذعان يمثل نوعا جديدا من الحرية.
برلين ليس مبتهجا بحال المجتمع أكثر من أعدائه الستة، ولكنه ليس متشددا. وبخلاف معظم الفلاسفة فهو يريد منا أن نثبت أنه مخطئ.
خدمة الاندبندنت - خاص بالوسط
العدد 20 - الأربعاء 25 سبتمبر 2002م الموافق 18 رجب 1423هـ