بعد مجموعتين قصصيتين اصدرت الكاتبة السعودية لميس منصور مجموعتها الثالثة «نبتة في حقول الصقيع»، عن دار عالم الكتب للنشر والتوزيع في طبعتها الاولى من العام 2002م، لقد مهدت القاصة لمجموعتها بلوحة فنية تشكيلية للفنانة الاماراتية ميسون القاسمي، وليس بالمستبعد هذا الاختيار فالزوج هو الذي قام بإخراج هذه المجموعة فنيا. اما قصص المجموعة فسبقت بإهداء تميز بمفردات وجدانية ولغة عاطفية دافئة تغازل اثنين من اقرب الناس إلى قلب القاصة، وقبل هذا الاهداء تلفت نظرك إلى الاسم الذي حملته الكاتبة لنفسها، فهي حكيمة الحربي قبل ان تكون لميس منصور أو العكس.
وإذا كان هذا اسم المجموعة الذي يأخذ منحى الحزن والالم، فالقصص كلها تكاد تأخذ الشيء نفسه، بل ان المجموعتين اللتين صدرتا من قبل تحملان الحلم والحزن والالم ايضا، مثل المجموعة الاولى التي تحمل عنوانا هو «حلم في دوامة الانهزام»، اما عنوان المجموعة الثانية فهو «سؤال في مدار الحيرة»، إضافة إلى انها تنوي اصدار رواية بعنوان «هروب من زنزانة الزمن»، ومجموعة قصصية بعنوان «قلق المنافي»، اي ان الزمن وما يحمله من حلم وتطلع عند المرأة هو في الوقت ذاته يحمل الويلات والعذابات التي تحاصر المرء في تكوينه النفسي والاجتماعي لذلك كانت هذه الهموم ولاتزال هي هواجس الكاتبة في كتابتها السردية.
جاء الاهداء إلى الزوج الذي لم تصرح به لفظا وعلانية، إلا ان مفردات الاهداء توحي للمتلقي بأنها موجهة إلى الزوج مباشرة، إذ تقول: «إلى من زرع الضياء في حقول عتمتي... وأضاء قناديل الامل في صحراء يأسي»... أما الثاني فهو شقيقها مشاري المعلن صراحة «إلى شقيقي مشاري ... نهر من بياض ونقاء وغيمة من عطاء وشمس تسكب الضياء».
فالاهداء يكشف عن علاقة متينة بين الكاتبة ومن حولها، علاقة لم تستطع التصريح بها إلا من خلال مفردات الحب والنقاء والصفاء المتمثلة في ضياء الحقول المظلمة وقتل اليأس في الصحراء القاحلة ليكون الامل شامخا مثل شموخ من كتبت له، ومثل شموخ تلك النخيل الباسقات في سماء الاحساء. كما يعطينا الاهداء علامات الانتشار والوضوح والضياء التي تحلم بها الكاتبة في معظم قصصها، تلك العلامات المنتظرة لتتجذر في الارض والسماء، ثم تقوم بعملية الضياء ثم العلو والشموخ لتكسر رتابة العتمة المؤدية إلى اليأس والخنوع.
وحين ندخل عوالم المجموعة نقف عند عشرين قصة، هي مجموع القصص بصفحات لا تتجاوز الاربع والستين صفحة، مما يعني ان كل القصص قصيرة جدا وتأخذ الحديث عن موقف أو لحظة وومضة من هذا الكون الاجتماعي الفسيح، بمعنى أن المجموعة القصصية هذه راوحت بين ما هو سرد قصصي وما هو ينحو تجاه الخاطرة السردية التي تعبر عن بعض المشاعر والاحاسيس.
ومن دون الوقوف عند هذه القصة أو تلك نرى ان جل القصص تتحدث إما عن رجل عانى مر الحياة وصعوبة الفراق وترهل العمر، أو عن ذكرياته عندما كان ميسورا كما تذكر في قصة حزن على خريطة الزمن: «لم يسندني ويقف بجانبي إلا والدي الذي حاول كثيرا ان يرتق ما احدثه من شقوق في ثوب علائقي وصداقاتي» ص 8، وفي قصة «الخريف وزمن السقوط» تذكر ايضا المأساة ذاتها عند الرجل «بدأ الملل ينسج خيوطه في كل ركن من اركان حياته والحزن يطوقه حتى كاد يخنقه» ص13. أو يأتي الحديث عن امرأة كانت تحلم بغد جميل يدخلها عالم الفرح والبهجة، سواء كانت امرأة طالبة في الجامعة أم موظفة في سلك التدريس ام ذات المكانة الاجتماعية المرموقة، ففي الحالات كلها نرى فقد الأمل، والحزن والالم يتغلغل في حياة نسوتها، فتقول في قصة «نبتة في حقول الصقيع»: «اريد ان اتناسى ذاك الذي اضاء جنبات روحي ذات زمن وأشعل البهجة داخل نفسي وأشرقت فضاءات الوجود بفرحي... حلم طوقني بعقود المنى» ص27، وفي قصة «حصار في قبضة الريح» تقول الكاتبة على لسان المرأة «ولكن مكمن تعاستي... ان كل هذا الاحتفاء ليس لشخصي» ص 49.
وهذا يعني ان المجموعة كانت تبحث عن اجابات كثيرة لاسئلة متعددة في حياة الانسان الخليجي، وتحديدا السعودي، بمعنى اي نوع من العلاقات الاجتماعية تربط الابن بوالده والعكس ايضا، وهل البعد الاقتصادي والاجتماعي كفيلان بنظرة المجتمع إلى الانسان أم النظرة تكمن في كون الانسان انسانا؟!.
وكذلك اي حياة تعيشها المرأة السعودية أو ترغب في خوضها بعدما دخل العالم القرن الحادي والعشرين.
لذلك كانت المعاناة الاجتماعية التي تحاصر المرأة قد ابرزتها الكاتبة، ولعدم السيطرة عليها سرديا اثرت على المجموعة في تصنيفها القصصي، حيث هناك بعض القصص لم تصل إلى كونها قصة، بل هي بعض المشاعر والاحاسيس الوجدانية التي ترغب الكاتبة في طرحها، ولم تقدر على الولوج إليها إلا عبر هذا النوع من الحكي.
فهناك رجل فقد تجارته وصداقاته وعلاقاته الاجتماعية، وآخر فقد العمر الذي يتموضع في الكبر والهرم، وهناك امرأة فقدت زوجها أو علاقتها العاطفية أو شخصيتها، والموضوعات التي تطرقت إليها الكاتبة كلها لا تخرج عن هذا الاطار، بل هناك بعض القصص تحمل حياتية لا تستدعي الطرح والمناقشة السردية فيها، مثل الحديث عن المرأة التي اتت من العمل ظهرا متجهة إلى المنزل ومنه إلى المحكمة لتسجيل قطعة ارض باسمها.
وعلى رغم هذا وبعض الاخطاء اللغوية أو الاملائية أو النحوية، مثل: «وفتح امامها ابواب...» ص 32، والصحيح ابوابا لأنها مفعول به، وكذلك في صفحة 41 «لا يكاد يظهر منها شيئا» والصحيح شيء لأنها فاعل، أو عملية الربط بأداة واحدة، مثل: الربط في صفحة 23 بواو العطف «اسرعت إلى غرفة طفلها وطبعت قبلة حانية على جبينه وأيقظت الخادمة كي تنتبه له وتكون بجانبه فترة غيابها عن المنزل. وصلت إلى الكلية وكانت الساعة الثامنة صباحا ودخلت القاعة وتأخر الاستاذ ...» فإن الكاتبة حاولت ان تتعامل في سردها القصصي بضمير الغائب، حيث تبدأ غالبا قصصها بهذا الضمير ان لم تبدأ بسرد وصفي لحال المكان أو الزمان أو حال الشخصية المعنية في السرد، وبعض الاحيان يدخل ضمير المتكلم الذي يأخذ الحوار المونولوجي.
ولأن الكاتبة لها علاقة قربى بالشعر سواء من خلال مفرداتها ام بما صرحت به عن اصدار قريب لديوان شعري ام بعلاقتها الزوجية من شاعر هو صالح الحربي فقد تميزت سرديتها بلغة شعرية كأنما كانت الكاتبة تكتب شعرا نثريا، فهكذا تقول: «وعلى امتداد الطريق تئن الجدران من خواء طويل...» ص 7، «لملمي شتات ذاتك» ص 18، «ترتجف اطراف النهار... وترتعش طرقاته» ص25، «الحلم يقتبس اشعاعات النهار» ص30، «طلول الأمس... نقش على اديم الافول» ص43.
* كاتب بحريني
العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ