عندما تنعدم المواطنة الفاعلة في أي مجتمع فستجد انتشارا لانتهاكات حقوق الانسان يؤدي ذلك إلى عدم التسامح بين الحكومة والشعب وبين أفراد الشعب ذاتهم، وستنتشر اللاأبالية وستنعدم المسئولية، وسينتشر الفساد الإداري والسياسي وسينعدم حكم القانون...الخ. والموضوع الذي نتطرق إليه هنا يتعلق بالمواطنة التي تمنع هذه الظواهر.
المواطنة بمفهومها الحديث لها أساس فلسفي قديم، ارتبطت بالتنظير الفلسفي اليوناني حول تجربة الدولة - المدينة التي تكونت في اليونان حوالي 500 سنة قبل الميلاد. والمواطنة حسب مفهوم بعض الفلاسفة اليونان تحدثت عن مفهوم الــ POLIS وهي الوحدة الأساسية في التكوين السياسي، والمقصود هو نظام علاقات الأفراد الذين يعيشون في تلك المدينة مع بعضهم بعضا.
كما أن مفهوم «الوطن» الذي ورد في الفقه الاسلامي كان يتحدث عن المدينة أو عن المنطقة التي يبلغ محيطها قرابة 44 كيلومترا، وعلى هذا الاساس اعتبر من يقطع هذه المسافة قد خرج من وطنه وتحولت بذلك صلاته إلى «القصر».
وقد عرف الشيخ ميثم البحراني المتوفي في العام 1299م السياسة في كتابه «مائة كلمة للإمام علي «ع» بأنها الفعل الذي «يكون عائدا إلى الانسان مع عامة الخلق»، واضاف ان الحكمة السياسية هي «كيفية المشاركة فيما بين اشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الابدان ومصالح بقاء الانسان». وقد ربط الشيخ ميثم بين السياسة والمدينة بقوله إن للسياسة فرعا هاما يسمى «الحكمة المدنية» وعرف هذه الحكمة بــ «كيفية بناء المدينة وترتيب اهلها».
الا ان المفهوم الحديث للمواطنة قد تطور قبل قرابة مائتي سنة عندما تشكلت الدول الاوروبية. فالدولة القومية تعتبر لنفسها السيادة المطلقة داخل حدودها، وان اوامرها نافذة على كل من يقطن داخل تلك الحدود الجغرافية. ومن اجل منع استبداد الدولة وسلطاتها فقد نشأت فكرة المواطن الذي يمتلك الحقوق غير القابلة للأخذ او الاعتداء عليها من قبل الدولة. فهذه الحقوق هي حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين وحقوق سياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشئون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وقد تطورت منظومة الحقوق على المستوى الدولي من خلال معاهدتين صادرتين عن الامم المتحدة وهما «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية» و«العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية».
ما تشير اليه النقاط المذكورة اعلاه هو اعتبار الموازنة بين سلطات الدولة وحقوق المواطن اساسا للمجتمعات المتطورة، حيث لو انعدمت حقوق المواطن أصبحت الدولة مستبدة وتخلف بسبب ذلك المجتمع.
والمواطنة بهذا المفهوم تختلف عن الأخوّة الدينية. فالمسلم أخ المسلم ويرتبط معه بروابط معنوية فوق الزمان والمكان، أما المواطنة فهي رابطة التعايش السلمي بين افراد يعيشون في زمان معين ومكان معين «اي جغرافية محددة». والمواطنة لا تتناقض مع المبدأ الاسلامي لأن العلاقة الدينية تعزز الروابط الزمنية ايضا، ولا خلاف في ارتباط الانسان المسلم مع غير المسلم ضمن إطار اجتماعي يتم الاتفاق عليه تحت عنوان المواطنة. فهذا ما نجده ايضا فيما فعله الرسول «ص» عندما هاجر للمدينة المنورة وعقد اتفاقا مع المسلمين من المهاجرين والانصار ومع القبائل اليهودية ومع المشركين. اتفق معهم على حماية بعضهم الآخر من اي اعتداء خارجي قد يقع على المدينة واتفق معهم على حرية كل فئة في معتقداتها، ولكن اليهود خالفوا العهد وتعاونوا مع مشركي المدينة ومشركي مكة ضد المسلمين فانتهى ذلك الاتفاق الذي اطلق عليه اسم «صحيفة المدينة». ونلاحظ ان الرسول «ص» وصف المسلمين واليهود وغيرهم ممن دخلوا في الاتفاق بأنهم امة من دون الناس بمعنى انهم جماعة لديها اتفاق يخصها دون غيرها وهذا يتطابق مع مفهوم المواطنة القائم على اتفاق دستوري بين أفراد المجتمع الواحد.
المواطنة الفاعلة تعتمد إذن على الاتفاق والإجماع القائم على اساس التفاهم من اجل تحقيق السلم الاهلي وضمان الحقوق الفردية والجماعية. والمواطنة تتطلب الاعتراف بالقواعد والدستور الذي يقوم عليه الحكم والالتزام به من قبل الحاكم والمحكوم.
والمواطنة أساس شعور وجداني بالارتباط بالارض وبأفراد المجتمع الآخرين الساكنين على تلك الارض. وهذا الارتباط الوجداني تترجمه مجموعة من القيم الاجتماعية التي تربط الناس ببعضهم الآخر وتحضهم على فعل الخير من أجل الصالح العام.
هذه المواطنة لا تتحقق الا اذا عرف المواطن حقوقه كاملة سواء كانت هذه الحقوق مدنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية. وبعد أن يتعلم هذه الحقوق فإن عليه ان يمارس ويسعى لتحقيقها وعدم التنازل عنها، لأن الحق يؤخذ ولا يعطى. المواطنة هي استشعار المسئولية وتحمل الأمانة والقيام بكل ما يتطلبه الصالح العام من أجل حفظ الكرامة الانسانية.
تستلزم المواطنة الفاعلة توافر صفات أساسية في المواطن تجعل منه شخصية مؤثرة في الحياة العامة. والتأثير في الحياة العامة هو القدرة على المشاركة في التشريع واتخاذ القرارات.
ان هذه المواطنة الفاعلة تقوم على اساس الكفاءة وقدرة المواطن على فهم طبيعة المجتمع وكيفية التعاون والتنافس وحل الخلافات على اسس عقلانية تهدف لخدمة الصالح العام ودعم الترابط الاجتماعي
العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ