العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ

التضامن الاجتماعي شرط للنهوض

هناك علماء وباحثون ميدانيون مختلفو الاختصاص والأهداف، يتابعون انعكاسات الشروط المعرفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الاستجابات والتبدلات في السلوك وأنماط العلائق بين الأفراد والجماعات الصغيرة والكبيرة على السواء، أي من الجماعة الأسرية إلى الجماعة السلالية الكبرى، التي حلا ومازال يحلو لأهل التعميم أن يرفعوها إلى مقام الأمة أو القومية، لإخضاعها لإطلاقات تعقد حركة العقل في التعاطي العلمي والمجدي مع إشكالاتها.

وتتوافر للعلماء والباحثين أرقام لا تفتقر إلى الدقة، من رصد الظواهر المصاحبة للتحولات العالمية، أو من استبيان المؤشرات التطورية أو التصاعدية، للسلبي من هذه الظواهر، ومدى خطورتها البنيوية، أي خطورتها على بنية الاجتماع العام، والاجتماع الوطني «المحلي»، وتبلور ذلك كله في السلوك الفردي «سلوك الفرد تجاه الفرد وتجاه جماعته والجماعات الأخرى» وفي السلوك الجماعي «أي» السلوك الداخلي للجماعة وسلوكها تجاه الجماعات الأخرى». غير أن هذه المعرفة النامية على وتيرة متسارعة، طبقا للتوتر المتصاعد، لا يقابلها أو لا ينتج عنها حراك موازٍ بهدف العلاج أو الوقاية من المخاطر المتحققة أو المتوقعة.

ولعل السبب في هذا الفصام بين المعرفة والعمل، أو أحد أسبابه الرئيسة، هو أن التحولات التي حدثت، هزّت في طريقها أطرا أهلية، بقيت على مدى التاريخ، تأخذ دور الطوارئ التي تتجاوز الواقعة المتحققة والمتوقعة، إلى استشراف تداعياتها والاحتياط لوقوعها. ما قد يعني أن الحداثة في إطار العولمة، والمندفعة بصرف النظر عن التكييف النظري لها وقبولها أو رفضها أو التحفظ عليها، قد اصبحت من القوة والاندفاع، بحيث لم تعد الانساق الفكرية وأنظمة القيم والعلائق، ولا الذاكرة الموصولة أو الأحلام، كافية لتلافي انعكاساتها السلبية وتعزيز إيجابياتها المشهودة أو المحتملة، أي أن الحداثة على ايقاع العولمة، تتبلور وتتراكم معطياتها، كما لو كانت إعصارا جارفا أو قدرا لا راد له... وما من عاقل أو مخلص أو متبصر، يدخل في وهمه أن بإمكانه أن يمنعها... ولعل أخطر ما فيها الآن، أنها تتجاوز بمدلولاتها وتعبيراتها، ما عرفناه في مسيرة حداثية سالفة، اكتفينا منها، نحن العرب والمسلمين عموما، بأشكال محدودة مفصولة عن مضامينها الملائمة أو المحايدة أو المغايرة، وتعاطينا مع هذه الأشكال، في لحظة انتهاء مفعولها. ولعل اهم ما يميز هذا المنعطف الراهن والسريع الالتفاف، هو أنه يختلف عن الماضي الحداثي الذي قام على نقد المعايير، في حين ان المنعطف أو المتحول المعاصر يقوم على نقض المعايير، أو على اللامعيارية... وهذا امر أخطر وتحدٍّ أعمق، ويطال هذه المرة أكثر من أي مرة، الرمزية الدينية ونظام الأفكار والمعارف والحياة الدينية، من دون أن يعني ذلك أن العالم، ومنه بلاد العرب والمسلمين وشعوبها مسلمة ومسيحية، مقبل على قرن أو ألفية خلو من الدين، بل ربما كان مقبلا على قرن أو ألفية تتميز بعمومية الدين، ولكن السؤال هو: أي دين؟ قد يكون هو الدين أو الأديان التي تأتي من جهة أخرى، من الحاجة البشرية التكوينية المحض والصرف إلى الاعتقاد بغيب ما... وقد يكون الشيطان بدلا من الرحمن هو هذا الغيب، وهذا ما لم يعد احتمالا بل أصبح الدين الشيطاني واقعا ومشهدا ودعوة تقتحم عالم الأجيال المنفتحة على سلسلة من الخيبات والانسدادات التي زادها الإسلام السياسي تعاظما.

إذن فها نحن قد أصبحنا على شفير احتمالات آخذة في التحول إلى وقائع ومشاهد متسارعة النمو، من دون أن يكون أحد منا في معزل أو منأى عن تأثيراتها وتداعياتها، حتى أكثر الجماعات الدينية المنظمة تنظيما دقيقا وعلى اطروحة دعوية أو سياسية، وحتى لو كانت هذه الجماعات أو الأطر تشهد مدا واتساعا وتحقق تقدما هنا أو هناك، فإن قواعدها مسكونة بقلق التكيف مع نداءات العولمة وأصدائها وما بعد الحداثة، أي تحديث الحداثة وهي تتعرض يوميا لإملاءات وإغراءات ثورة المعلومات المتواصلة وشبكة الاتصالات والإعلام الفضائي الكاشف والواصل بين أقاصي الدنيا وأقاصي الفكر والتجارب والحساسيات والأذواق والأشواق والمخاوف والأسئلة... ولعل الجماعات الدينية المسيسة أو عالية التركيز السياسي هي الأكثر امتثالا لاحتمالات السلب قبل احتمالات الإيجاب، لأن الجاري على المستوى الكوني في المعرفة والحياة يقيد المنطلقات ويخصص التعميمات، بما ينطوي عليه ذلك من انكشافات في الخطاب الشمولي أو الإيديولوجي الذاهب بعيدا في تغليب السلب في الإيديولوجيا على الإيجاب، أي تحويل الإيديولوجيا من رؤية إلى منظار تجعله الإملاءات السياسية قابلا للرؤية الأحادية فقط، أي رؤية الواقع كما نحب أو نكره، هكذا.. إلى أن تناست قيادات الجماعات المنظمة دينيا، على مقتضى الدعوة أو السلطة، ان النشاط السياسي عرضة أكثر من غيره للإحباط والانكفاء واستيلاد الظواهر النقيضة من نقيضها... وقد عرفنا في التطرف اليساري مقدمة للتطرف اليميني وكذا العكس... ولطالما تحول الهوس الديني إلى زندقة وانحلال، عندما كان يقوم على تعبئة مباشرة، تحت ضغط الأحداث أو الوقائع السياسية، كالحروب الصليبية مثلا، وبلحاظ ما أعقبها في الشرق المعتدى عليه، والغرب المعتدي على السواء، من بداية عصر التنوير على حساب عقل الكنيسة وأطروحاتها وأفكارها من دون استغراق في الاستذكار والتفصيل في الوصف، أتساءل عن إمكان وضرورة استنهاض مختلف أشكال التضامن الاجتماعي الموروث منها معدلا، أو غير معدل لأنه مازال ناجعا، والمستجد الملائم، من دون حساسية تأتي من جهة الهوية أو الشعور المتورم بالهوية، والنازع إلى إلغاء نصاب التعدد فيها لصالح الأحادية المغلقة...

أي أنني أدعو إلى استنهاض مختلف أشكال ومضامين التضامن الاجتماعي على مستوى الاجتماع الوطني في البلاد العربية وعلى المستوى العربي عموما.

أي التضامن العربي العربي، الأهلي أو المدني، من دون أن يتم ذلك بالضرورة في الموقع الضد من الدولة الوطنية، بل الأجدى أن يكون مشتركا أهليا ورسميا إذا ما كانت الإرادة في تصحيح مسارنا جدية وغير فئوية.

من دون تفصيل ممل، لو أخذنا العبرة من حال الأسرة العربية مثلا، فإننا نلاحظ أن تضامنها الداخلي قد تحول إلى عداوات بين أفرادها، ولعله من هنا يأتي ويصب العصاب والاكتئاب وغيرهما من الظواهر التي تنتهي بالمخدرات والطلاق والقتل والانتحار! الخ...

إن كوني رجل دين يلزمني بتساؤلات وأسئلة قد تكون محرجة، ولكن إلى متى نهرب من الحرج إلى حرج أكبر؟. أليس من مهمات رجال الدين مثلا، والآن، أن يستفيدوا شيئا من رمزيتهم بعيدا عن الرغبة الجامحة في الاشباع السياسي أو الدنيوي الفردي الجامح، ليعيدوا إلى أنابيب الاجتماع الأهلي حيويتها ودورها الجامع وفاعليتها؟ ألسنا بحاجة ابتداء من الجامع ومن الصلاة ومن الخوف من الله، إلى إعادة بناء المؤسسات الأهلية، التي أخذت في ماضينا دور المانع من تكسير مفاصل اجتماعنا؟ وإلا... فربما يأتي ولعله قد أتى اليوم الذي لا يعود فيه مجال للفني أن يستمتع بفنه، ولا العالم بعلمه، ولا المتدين بتدينه، ولا المسئول بمسئوليته، وقد كنا في الماضي قادرين على الاستمتاع والامتاع والمؤانسة، على رغم أن علمنا وعلماءنا كانوا أقل عددا، و على رغم أن الفقر كان أكثر انتشارا... ولا أزين الجهل والفقر، بل ادعو إلى الحيطة حتى لا تكون ثمرات العلم واليسر أشد مرارة من ثمرات الجهل والفقر... ادعو إلى تضامن اجتماعي منظم يتعامل بحكمة ومسئولية مع الفقر الإضافي الموعود، لأن ذلك سوف يكون شرطا لمعاودة النهوض

العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً