في البحرين يصعب المرور على الثقافي من غير الاحتكام أو الاحتكاك ببرزخ الديني. فالخلفية الدينية لهذه الجزيرة الصغيرة هي موئلها المرجعي في النهاية، وهي التي أسست تاريخها الثقافي ووجودها العلمي المحفور في أقاصي جغرافيا المنطقة المحيطة بها. ومن غير المتوقع أن تنزاح هذه الخلفية عن حضورها المحرك؛ إلا مع افتراض قطيعة يقشعر البدن لهول ما يمكن أن تحدثه من أزمات وفجائع. ويبدو أن محنوية الماضي البحريني الذي أنتج إيقاعا متداخلا على صعيد العلم والدين والسياسة؛ هو أقوى من كل التراكمات الجانبية والمهجنة التي ما فتئت تنخر في الموروث وتتكاتف لبيان شرطيته التاريخية وقصوره عن انتاج وعي مبدع ومعاصر.
الكاتب البحريني علي الديري اختار أن يمارس دوره، أو وجوده، عبر البحث عن روابط وعقد الخطابات والمؤسسات ليُعمل مهاراته - المعاد تصنيعها بمهارة أكبر - في تفكيكها والكشف عن بلاهة الارتياح اليها. انه خيار اشكالي بلا منازع، ومنذ ان كتب مقالته الثأرية في مجلة البحرين الثقافية «ع 22 أكتوبر/تششرين الأول 1999 ص 70»؛ والديري يبرهن كل حين على أن الحساسية الدينية التي استأصلها بمعونة المنهجيات الحديثة ما عادت، فعلا، قادرة على استغفاله مجددا واعادته الى حيث مؤسسات الوصاية وخطاب التلقين. فهل اتقن الديري بهذا الخيار فعل القطيعة مع الديني؟ والى اي مدى من الخلوص والحرية اوكل امره الى صدفة اللقاء بمحمد أركون بعد ان تخوّض علي شريعتي لماما، لتتراجع بعد ذلك وعود الانتظام في الدراسة الدينية نحو ذاكرة التجاوزات؟
المحسوب الى رصيد الديري انه رائد ظاهرة، أتيح لها أن تتكشف وتنزع عنها الأحجبة والمقاسات. فالتكوين الشيعي في البحرين لمّا يشهد بعد خروجات صاعقة، تحاكم أولوياته وتهزأ بمطلقاته وثوابته ورموزه، والاستثناء الغامض الوحيد قد نستوقفه مع الاطار العقائدي المعروف في الوسط الشعبي الشيعي بجماعة السفارة. اما المحاولات النقدية التي مثلتها مقالات الديري ومواقفه في معاكسة الاتجاه؛ فانها تأخذ منحى آخر في ظروف النشأة وتداعيات الانتشار. انجراح الذات وسط تجربة أليمة مع خطاب الدينيين ومؤسساتهم التقليدية من ناحية، وانفتاح قدر الذات المقموعة على سياقات ومعارف جديدة من ناحية ثانية، وثالثا مع استيفاء الذات العالمة لشروط الانتماء إلى معامل انتاج الثقافة وانبساط فاتورة الانخراط والارتباط... ضمن ذلك؛ تحولت كتابة الديري الى انفجارية مدوية، على رغم انها لم تحمل من جديد الا في ممارستها المبدعة للآخر/ المختلف وحضورها الارتدادي عن الذات/الجماعة. ومن هنا كان الديري/ الظاهرة بداية معلنة لانكسارات جيله المتدين، سرعان ما استجلبت اليها الحواريين والغاضبين على السواء. واذا كان مناوئو الديري هم الاكثر وفي تكاثر، فان مناهضيه بالكره والإكراه هم ذوو الفضل الاكبر في اظهاره، وتحويله الى ظاهرة أسيء تأويلها كما بولغ في الترويج لها. وكأني بالديري في هذا الكتاب، ومع اشتداد المعركة وانتفاء اي جدوى للمناورة، يعيد تجميع الموقف الانتقادي بعدما تبين له ان مؤسسات النمذجة والبرمجة غير قادرة حتى الان على احداث جدل «جواني»، او حوارية مفتوحة تنهي حدية العلاقة مع الاقوال المتخالفة والرؤى الخارجة على السائد المعاش. يجمع الديري مقالاته ومحاضراته واوراقه المهنية التي تدور زمنيا بين 1996و 2002، وغالبيتها مؤداة ضمن المؤسسات التربوية «المدارس والمعاهد والجامعة» وذلك بوصفه مربيا من نوع مختلف. واول تأسيساته المهمة هنا ان ينقل ثقافة الاختلاف الى المحاضن التربوية الرسمية، وهي المعروفة بنظمها القسرية العصية على التبدل والتحاور. ولا شك في ان هذا التأسيس يحفل بكبوات البداية المبتلاة عادة بحرارة الاكتشاف وعنادية الخروج، ولكنه يعد فتحا مهما على صعيد اثخان المؤسسة التربوية الرسمية بالمفاهيم الفلسفية المعاصرة «الخطاب، العولمة، الهوية، الانفتاح، التسامح ...» واجراءات النقد والتفكيك الحديثة والاسماء والمشاريع الجديدة، عسى ان تنصاع وتخلع بعضا من قناعاتها المرضية بكلاسيكيات التربية ومفاهيمها الصدئة.
يرتوي الديري من علوم الألسنية الحديثة، والنقد الجديد، وعلوم الانسان والسرد والتلقي والتأويل؛ ويناضل من اجل استنباتها في بيئات تربوية واكاديمية مازالت تعمل على القديم وتعيد انتاجه. وهو اذ يبدو في ذلك دعويا، فان عنايته بالتقديم وادارة العرض واتقانه الكتابي يمنحه أناقة العارف وهيمنته. اما حضوره العام وملامسته لدائرة المجموع، فانه يشتبك بالمأزومية وسوء الحظ. فالمؤسسات المحيطة به والخطابات العاملة فيها، لا تسمح بأي قدر من المقبولية والانسجام المتبادل. وهو مصّر على منطقيته وعلى رغم الحذر من استفحاله؛ فانه بمآله الحالي حتى سيؤلم الديري في مشروعه الساعي نحو اشاعة الغيرية والتعددية في ثقافة المؤسسات الكبرى. ان التورط في صدامية مهلكة وانسحابية تاليا تضعف بالحتم اي مسعى تحرري صادق، وسيصبح من الطبيعي ان نقرن قرن التزامن والتوالد بين استمرار ثقافة القمع وخطابات البرمجة وبين ظواهر تبدو حداثية وقمة في الانفتاح!
التربية ومؤسسات البرمجة الرمزية... كيف تنتج المؤسسات ذواتنا؟
بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002، 184 صفحة
العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ