العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ

تحية إلى المتنبي قراءة بصرية معاصرة

من المعارض المهمة الجادة التي استضافتها صالة الرواق للفنون التشكيلية معرض تحية الى المتنبي للفنان القدير رافع الناصري، الذي نمّ عن أصالة إبداعية حقة تدلل على الذهاب العميق الى تجربة الفنان نحو التجريب الباحث في أغوار الشكل والبحث واللون المتجلي في تلك الحوارية المتصاعدة والملتهبة بين المواد والخامات اللونية وبين الترقيعية المتمثلة في الوريقات القديمة التي دللت في وجودها المتواري... الواضح على سمو العلاقة الزمانية والمكانية والفكرية، بين الشعر والرسم. ها هو يعيد تأليف نص شعريّ بصريّ موازٍ للشعر (لشعر المتنبي) وما الوريقات القديمة - من النص - الوسيط إلاّ شاهد عيان جمالي يدعم هذه التحية الفنية بكل تجلياتها وتقاطعاتها وانطلاقاتها الفنية والتقنية التي ربما اختصرت تلك المسافة الزمنية بيننا وبين المتنبي، حيث استطاع رافع الناصري عبر معالجة بلورة رؤية صامتة تماما غير منطوقة «هكذا تبان للمتلقي من الوهلة الأولى» وأخذنا إلى مناطق ترحال الشاعر وكأنه قارئ أثر يغوي... أو يرشد الآخر إلى تتبع مسارب أو مواقع دون علمه بتقّصد وتقصّي ذاك الأثر في اللاّوعي بحلول جو معاصره اعتمادها العلمي قائم على منتج بصري وثيق الوشاجة بالصحراء وحالاتها، في امتدادها اللاّمتناهي بامتزاج ألوانها بوهج نور الشمس، وكأنه مصور متوارٍ في ذاك الزمن يلتقط الصور ويحتفظ بالأرشيف... يرصد وقائع وتحركات ويسجل الأحداث التي لم تحفظ إلاّ في كتب التاريخ، وأبقت المشافهة جزءا منه، وتصدت الذاكرة الإنسانية بكل تجلياتها وقدراتها للامساك بها ونقلها للمتعاقب من الأجيال. مصور لاقط على غير غرار مفهوم اليوم، مخالف للاصطلاح العام والمتداول المعروف الخارج من رحم آلة التصوير الفوتوغرافي كون عدسته -خيالية - متوثب شاطح وموضوعه ذاكرة متحفّزة كلما حفر فيها طالبته بالمضيّ قدما إلى فعله. والفكرة مرتكزة على استلهام فكر وبناء موقف يتخذ من الطليعة مبدأ للاستيعاب والقراءة البصرية. أخرج كل صوره الذاكرتية من ذاك الواقع (التاريخ) الحاصل في الماضي السحيق وغربلها برؤى تجريدية معاصرة «ألم تك الأحداث والوقائع التي حصلت في تلك الحقب من التاريخ إذا رجعنا بذواتنا ومخزون أرواحنا إلى الوراء الاّ قمة التجويد وهي تسوح في فضاءات الفيافي والصحراء وبين جنات الملوك والخلفاء والامراء». بهذه الحداثة التجريدية التي ترى فيها القصور وهي عامرة رجالاتها وبالمليح من نسائها وجواريها، وهي تمور بسجالاتها الشعرية والفكرية... هي أطلال ننفذ من خلالها إلى حقب غنية بكل مفرداتها الجمالية. يستحضر رافع الناصري أبا الطيب المتنبي بيننا كشاهد عصر ربما بصورة واقعية على هذه الردة في الجمال... حاضر شموخه... وجهه... طلته البهية عبر توظيف وريقات قديمة من ديوانه، نراه ساميا عاليا بصريا بين ثنايا الحروف مندسة بين تكوينات هائم مهووس بفعل العبث والتحطيم بقصد التشييد والبناء وإعادة الصياغة والتركيب وكأنه يحاول لملمة أوضاع هاربة وحالات ضائعة - أو خوفا عليها من الفقد - من تاريخ مرتبطون بها نفسيا وروحيا تفصلنا حقب زمنية بعيدة عنها ربما تعد وهمية اذا ما قيست بما نحن فيه. إن ما رأيناه من أعمال فنية مختلفة الحجوم في معرض التحية هي امتداد لبحث رافع الناصري الفني والجمالي الماضي عميقا فيه وإليه منذ سنوات. نلحظ هذا التقشف في اللون الذي يمثل اختصارا لمسافات زمنية وتقليصا واختزالا لها بوصفها نصا تجريديا مازلنا نتلمس آثاره ونتعايش معه... نحاوره ونرضع منه حتى هذه اللحظة باعتباره حليب الروح. هل وضوح العمل الفني لدى رافع في هذا المعرض المنبثق من اختزالية الشكل وتبسيط التكوين يساوي أجواء الغموض من حياة المتنبي؟ هل وضوح بعض الجوانب والحالات (لدى المتنبي) تقاطع وعوالم الناصري التجريدية، التي ربما يراها البعض تكتسي بصفة الغموض هي أيضا؟ أسئلة مشروعة نقدر من خلالها أن نستشف بعضا من مناحي هذه القراءة... النص البصري «التحية» لرافع الناصري، الذي حاول جاهدا محاورة الشاعر عبر شعره المقروء مبتكرا ايضا... قصائد حداثية معاصرة مصورَّة ملتقطة كما اسلفنا القول من ذاكرة ومخزون. مصاغة تصويريا بتقنيات راقية مشتغل عليها بجدية وعلم ودراية، اعتمدت الاختزالية في اللون بصورة مكثفة بغية التوصل إلى رسم حدود وعلامات ودلائل الأجواء الغرائبية المضمخة بالغموض وبالستر. تقول في هذا الصدد الناقدة مي مظفر في تقديمها للمعرض: لعل هذه الأجواء الغريبة والمريبة التي أحاطت بالمتنبي وكانت سر تفرّده هي التي حركت مخيّلة الفنان رافع الناصري في استلهامه من شخصية الشاعر وشعره، فقراءة الناصري تنزع نحو تصوير الأجواء الغامضة النابعة من صميم سواد الكوفة. كما تقول: إنه لم يسمع من شعر المتنبي صليل السيوف، ولم ير نزيف الدماء وتراشق الغبار من تحت حوافر الخيل بل آثر إن يلمس الوجه الخفي للصراع، ويسلط الضياء على الشيء ونقيضه، فهي اذن قراءة بصرية لشعرية الشاعر. إن الفنان رافع الناصري يكشف لنا بالشفافية والعتمة والدكنة والبناء المعماري القديم «إيحاء فقط» ذاك التواري البعيد والمواربة المتقصدة والطلول وبقايا أثر تعدد الحياة المجتمعية بشكل يجعل تتبع بقايا الرسم وارد مشروع الدخول عبر بوابات غارقة في أتون التاريخ. هذه الأعمال بكل تجلياتها وحكمة بعثها ونشوئها ومفاتن مفاصلها هي مفاتيح الدخول لتلك الجنان بوضع بصري سماته التألق وديدنه البحث الراكز وبلاغة قوله حداثة تصوير غامضة الوضوح. إنها تحية فنية وحسب تحسب للفنان رافع الناصري.

فنان تشكيلي بحريني

العدد 27 - الأربعاء 02 أكتوبر 2002م الموافق 25 رجب 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً