العدد 2137 - السبت 12 يوليو 2008م الموافق 08 رجب 1429هـ

هل آن أوان «سعودة» و«بحرنة» المرجعية في الخليج؟

الشيخ النمر يحذر من «سايس بيكو» للمرجعية... المرجعية المحلية بين رأيين:

يرى الفريق الأول الذي يؤيد العمل على إبراز مرجعية محلية لشيعة الخليج العربي عموما أن في إنجاح هذا المشروع أو التوجه - إن صح التعبير- الكثير من المكاسب، ومنها:

أولا: إنهاء دعاوى الارتباط السياسي لشيعة الخليج العربي بالنظام السياسي في إيران - حاليا - والعراق - مستقبلا - وخصوصا أن أحد أهم الشخصيات المرجعية في إيران يمثل في الوقت نفسه منصب الولي الفقيه، وهو منصب ديني - سياسي.

الكثير من الآراء تتجه إلى اعتبار أن لا طريقة أخرى تستطيع تفنيد ما تذهب إليه الحكومات الخليجية في اعتبار التقليد الديني تمظهرا سياسيا سوى العمل على إعادة إحياء مرجعيات دينية محلية تحل محل تلك القادمة من مناطق أخرى. الذين يتبنون هذا الرأي يصطدمون على صعيد التطبيق الإجرائي بإشكال «الأعلمية» التي تعتبر أحد الاشتراطات في التقليد لدى الشيعة الأصولية، وهو ما يجعل الطرف الآخر يعتبر مثل هذا التوجه مخالفة لاشتراط من اشتراطات المرجعية، إذ لا يكفي أن يكون المرجع مجتهدا إن لم يحظَ بطمأنينة أو شهادة موثوقة بالأعلمية. هذه الإشكالية لاتتواجد لدى المدرسة الإخبارية التقليدية التي تطلق على الفقيه مسمى «المحدّث»، وتطلب تقصي «أخبار» الرسول (ص) والأئمة (ع) من المحدّثين الموثوقين.

القوى التي تدعم التوجه إلى المرجعية المحلية تعتقد أن في البحرين والمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية الكثير من الأسماء التي تحصلت فعلا على الاجتهاد المطلق (او على الفقاهة في الحديث والأخبار بحسب تعبير المدرسة الإخبارية)، وهي تدعو إلى إطلاق رسائلها العلمية، إذ إن مسألة النزاع بشأن الأعلمية غير ثابتة في «قم» أو «النجف» حتى يكون ثبوتها في الخليج العربي عائقا عن البدء في مثل هذا المشروع الذي تسميه حقا.

المحصلة في هذا السياق أن أنصار المرجعية المحلية في الخليج يذهبون إلى ضرورة نفي تلك الدعاوى في الانتماء السياسي لشيعة الخليج العربي لإيران عبر مراجع التقليد، وأن تفعيل المرجعيات المحلية من جديد هو الطريقة الأمثل لذلك.

ثانيا: إعادة الحركة العلمية والدينية ومركزية الخليج الدينية: يرى أنصار هذا الطرف أن منطقة الخليج العربي والبحرين خصوصا، كانت مركزا بارزا في إنتاج رجال الدين الكبار، وأن إعادة تفعيل وإحياء المرجعية المحلية سيعيد إلى المنطقة مركزيتها في هذا السياق، ويشترط أنصار هذا التوجه على الحكومات الخليجية من أجل تحقيق هذا الهدف، زيادة سقف الحريات الدينية وإنشاء الحوزات الدينية ودعمها رسميا حتى تستطيع المضي في هذا السياق وتخريج مرجعيات دينية قادرة على منافسة المرجعيات الحالية في كل من حوزتي «قم» و «النجف»، ويعتقد أنصار هذا التوجه، أن التضييق على الحريات الدينية للطائفة الشيعية كان أحد الأسباب الرئيسية في تراجع حضور المرجعيات الدينية المحلية في الخليج العربي، وأن عودة ظهور هذه المرجعيات ترتبط بالدرجة الأولى بإعادة هذه الحريات الدينية من دون قيد أو شرط.

يقول الشيخ محمد الحرز (رجل دين سعودي) «أعتقد أن منطقتي الأحساء والقطيف لا تختلفان عن غيرهما من الحواضر العلمية الكبيرة في إيران والعراق، فهما يمتلكان التاريخ والرصيد العلمي الكبير الذي يؤهل أبناءهما لتقلد مثل هذا المنصب الكبير، بل هو ليس بجديد على المنطقة أبدا، فهما يمتلكان تاريخا زاخرا من المرجعية المحلية، وإنما المشكلة أنها انقرضت، ومن وجهة نظري تحتاج الفكرة فقط إلى بعث وإحياء وتشجيع من جديد، وخصوصا أن الفكرة معمول بها في الكثير من المناطق والمدن الشيعية في العراق وإيران، إذ يتم تقليد مرجع محلي من المنطقة، وهذا طبعا لا يعني إلغاء المرجعية العليا من المنطقة، ولكن الفكرة أنه في إطار التعددية المرجعية المعمول بها في البلاد، أنا أدعو إلى العمل على وجود مرجعية محلية نابعة من رحم المنطقة، وذلك شريطة أن تتوافر فيها المؤهلات العلمية المعتد بها في الأوساط العلمية، وهذا طبعأ لا يعني بالضرورة أن تحدد فترة محددة لها، وإنما بعث الفكرة لتتحقق متى توافرت الإمكانات».

ويضيف «أنا مع المرجعية متى ما توافرت. لم أقل يوما ترشيح فلان أو فلان، وإنما نستطيع أن نؤهل أشخاصا للمرجعية في المستقبل وهذا قد يتحقق بعد عشر أو عشرين أو حتى خمسين سنة، وأنا أدعو إلى الفكرة بوصفها فكرة من دون الترشيح، لأن الترشيح والتعيين ليس بالانتخابات كما يتوهم البعض، وإنما ملكة ليست مؤهلا لأي شخص، وهي ترجع لأهل الاختصاص فقط من أهل العلم في الحوزات العلمية وليس للمهاترات والتهريج (...) إن المرجعية المحلية لا تتعارض مع مسألة الأعلمية وليست ضدها أو نفيها، ولكن كما يوجد تعدد مرجعيات في العراق وإيران والتسليم بها كأمر طبيعي مع وجود الأعلمية فيها، ولكن بشرط الأهلية العلمية المعتبرة، أقول إن المنطقة لماذا لا يكون فيها بعض من تلك المرجعيات المتعددة إذا توافرت فيها الأهلية لذلك؟».

ثالثا: خلق حالة جديدة على شاكلة فضل الله أكثر قدرة على معايشة الواقع الاجتماعي.

ويقول في هذا الصدد الشيخ محمد علي الحرز «المرجعية المحلية تدرك طبيعة الخصوصية لمنطقتها، بمعنى أنها تمتلك رؤية اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وفكرية للمجتمع من حولها، وبالتالي تكون الفتوى نابعة إضافة إلى الموازين العلمية المعمول بها بين العلماء، وتكون متماشية مع المناخ العام للبلاد، وهذا أمر قد تفتقر إليه الفتوى العامة، التي تتعلق بالجوانب الحياتية غير العبادات». طبعا مع تأكيدهم ضرورة توافر المرجع المحلي على «المواصفات والأهلية العلمية المعتمدة في الحوزات العلمية»

ويضيف: «اننا قد نحتاج إلى فتاوى خاصة وسريعة، لحل أزمة معينة أو مشكلة ما، ولكي تكون الفتوى دقيقة وناظرة لجميع الأصعدة، من الجيد أن تكون نابعة من الوسط والمحيط الاجتماعي نفسه. كما أن المرجعية المحلية ستصرف جميع الخمس الشرعي في بناء وتطوير المنطقة سواء على المستوى العلمي أو المادي. كما أن المرجعية تشيد في المنطقة مركزية دينية عليا في إدارة شئون البلاد يرجع إليها أمام المعضلات المحلية الكثيرة التي تعصف بكل مجتمع. والمرجعية المحلية ستلعب دورا مهما في تنشيط الحركة العلمية ترتقي بمستوى البحث العلمي فيها إلى مستوى يتجاوز السطوح أو البحث الذي لا ينافس الموجود في قم والنجف الأشرف».

ويقول الشيخ حسن الصفار، وهو من المؤيدين لعودة المرجعية الدينية المحلية في السعودية: المرجع المحلي أعرف بظروف بلده ومجتمعه، وبالتالي ستكون آراؤه وأفكاره متناسبة مع الوضع المعاش في بلده ومجتمعه. إن الفقيه حين يفتي رؤيته بشأن الموضوعات فنظرته إلى لأمور لها تأثير في فتواه في حكم، في موضوع، وتشخيصه للموضوع له أثر في نوعية الفتوى أيضا. القرآن الحكيم يؤكد أن كل قوم الله يبعث لهم نبي منهم «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم» (الجمعة 2)، «إنا أرسلنا نوحا إلى قومه» (نوح 1).

«سايس بيكو» المرجعية

وعلى العكس من ذلك، يرى الفريق الثاني أن دعاوى المرجعية المحلية هي أشبه ما تكون بدعاوى «تشتيت الطائفة» وإفراغ الاشتراطات المرجعية من محتواها التاريخي.

وينقل أحد المواقع السعودية عن الشيخ عبدالمحسن النمر قوله إن المرجعية المحلية هي محاولة لخلق «سايس بيكو للمرجعية» وإن من شأنها «التفريط في قدسية الأحكام الشرعية بنحو يقيني». ويشدد النمر على أن هذه الأطروحة من شأنها القضاء على تجربة المرجعية الشيعية التي تشكل ضمانة حاسمة تصون الأمة من الفرقة، باعتبارها امتدادا لدور الإمامة التي وصفتها سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (ع) في خطابها للأمة بـ «صمام الأمان الذي يحول دون فرقة الأمة» (إن الله جعل إمامتنا أمانا من الفرقة).

ويحدد الشيخ النمر اعتراضاته على دعاوى المرجعية المحلية في النقاط الآتية:

«أولا، لابد أن نفرق بين حب الإنسان لأهلة ووطنه ومجتمعه، وأمنيته أن يرى من أهل بلده ومجتمعه من يبلغ أعلى درجات العلم والنجاح في الجوانب العلمية الحديثة كمهندسين وأطباء وعلماء، وأن يبلغوا كذلك أعلى درجات العلم الديني وأعلى درجات الفقاهة وأن يصلوا إلى حد المرجعية، وإننا لا ننسى علماءنا الأعلام في بلادنا الحبيبة الذين أعطوا الأمة الإسلامية وأعطوا الإسلام من المفاخر العلمية ومن العطاء الديني ما سيبقى أثره على مر الدهور، لكن هذا المعنى لا يمت إلى أطروحة المرجعية المحلية بصلة، أو على الأقل يختلف تماما عما يريده أعداء الله وأعداء الدين وأعداء الإسلام. إن المقصود بالمرجعية المحلية التي تطرحها وسائل الإعلام ذات المقاصد غير الشريفة: هو تمزيق هذه الأمة الإسلامية الشيعية إلى مجموعات هنا ومجموعات هناك، وأن يعتبر كل أهل بلد شرائط في اختيارهم للمرجع بحيث يشترط أن يكون مرجع هذا البلد من أهل ذلك البلد ومرجع البلاد الأخرى من أهل تلك البلاد الأخرى، فيتحول التشيع الذي هو مفخرة هذه الأمة ومفخرة الإسلام إلى تشيعات، والمرجعية إلى مرجعيات.

إن هذا المعنى الذي تطرحه بين الحين والحين وسائل الإعلام، وجهات أخرى، يعني إدخال عنصر جديد في عناصر اختيار المرجعية: هذا العنصر هو كون المرجع ينتمي الى البلد نفسه أو الدولة التي ينتمي إليها، إن المرجعية المحلية بهذا المعنى الذي تطرحه وسائل الإعلام إنما هو كالحية ملمسها ناعم وفي جوفها السم الزعاف.

طبعا، تختلف هذه الأطروحة تماما عما يحدث في بعض الفترات من تعدد المرجعية الناشئ من اعتقاد مجموعة من العلماء والمقلدين أن هذا المرجع أعلم أو أقدر على تشخيص الأحكام الشرعية واستنطاق النصوص، وآخرون يعتقدون أنه ذلك الآخر».

أما النتائج المتوخاة التي يأمل هؤلاء الوصول إليها عبر هذه الأطروحة بحسب النمر، فهي:

أولا: هذه الأطروحة تؤدي إلى التفريط في قدسية الأحكام الشرعية بنحو يقيني. الروايات المنقولة عن أهل البيت (ع) تجعل العنصر الأساس للفقيه الصالح للمرجعية هو الحفاظ على الشريعة المقدسة وأحكامها، وصفات الفقهاء كما في التوضيح الصادر عن الإمام الحجة (عج) «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»، وفي المروي عن الإمام العسكري عن جده الإمام الصادق (ع) أنه قال: «فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه» فمن هذه الروايات وغيرها، ومن المرتكزات العقلية القاطعة، استنبط الفقهاء ضوابط للمرجعية، وليس من هذه الضوابط ولا يعتبر منها أن يكون تابعا لبلدٍ معين. إن في التمسك بهذه الأطروحة تضييعا حتميا مقصودا لقدسية الأحكام الشرعية.

ثانيا: إن هذه الأطروحة ستؤدي إلى انقسام في الساحة الشيعية، فإن التاريخ قد نقل إلينا أنه في فترة من الفترات قد حدث انقسام داخل المدرسة الشيعية لاختلاف بشأن مبنى فكري وربما استمر هذا الاختلاف بين حدة وانحسار إلى زمان طويل، كمثال على ذلك الخلاف المعروف بين الإخبارية والأصولية أو غيره من الأمثلة، وإننا اليوم نعتب على بعض أصحاب المدارس الأخرى لأنهم فرطوا في الأحكام الشرعية بسبب بعض الاعتبارات، كأن يكون المرجع من هذه الأسرة أو أن يكون المرجع يحمل فكرة أو اعتقادا معينا، وإن هذا العتاب الذي نحمله على هؤلاء الإخوة قد أدى إلى تقسيم المجتمع والاتجاه الشيعي إلى قسمين. أما هذه الفكرة فلا أدري إلى كم ستقسم الشيعة لأن بلاد المسلمين كثيرة ومناطق الشيعة فيها كثيرة، فربما يأتي اليوم الذي يكون عندنا ستة عشر أو سبعة عشر أو ثمانية عشر تجمعا وانقساما شيعيا إذا نحن صدقنا وانطلت علينا هذه الأطروحة.

ثالثا: إن هذه الأطروحة تؤدي إلى إحياء عصبيةٍ جديدة في داخل الفكر الشيعي، ودخول هذه النزعة كعنصر نفسي في تركيبتنا الثقافية يفقد المرجعية والبحث لتحقيقها طهارة الهدف، والغاية أننا لا نرضى لأنفسنا ولا لغيرنا تلويث غاياتنا الدينية الطاهرة النبيلة بغايات ومقاصد ومكاسب ضيقة. علينا أن نتعظ مما جرى على الأمة الإسلامية العربية.

قبل خمسين أو ستين سنة كانت الأمة الإسلامية والعربية أمة واحدة وبلدا واحدا وإن اغتصبها المحتل، ولكن حينما تم التقسيم المشئوم المعروف بالمعاهدة البريطانية الفرنسية في تقسيم هذه الأمة عبر معاهدة «سايس بيكو» أصبحنا نرى الآن «الشام شام، ومصر مصر، والعراق العراق، وفلسطين فلسطين»، وإن شاء الله لا يصل الأمر إلى تقسيم التشيع إلى هذا النحو من التقسيم. فهل نسعى بإرادتنا إلى «سايس بيكو» للمرجعية؟

رابعا: إن أمل الإسلام في تماسك الأمة وتآزرها هو النواة الحية المتبقية كحصن حصين للأمة. هذا النهج الذي تبنته المرجعية الشيعية هو التجربة الوحيدة التي نأمل أن تنجح لتنضم إليها سائر فئات العالم الإسلامي وتحذو حذوها.

إن القضاء على هذه التجربة هو قضاء على النهج نفسه لعدم وجود ما تبقى للأمة من قدوة غيرها. ألم تقل فاطمة مخاطبة الأمة بأسرها «إن الله جعل إمامتنا أمانا من الفرقة»، إن التمسك بهذه النعمة نجاة لنا أتباع أهل البيت، بل نجاة للعالم الإسلامي بأسره.

خامسا: إن قبولنا هذا المعنى بهذه الطريقة التي سوق لها الإعلام مرة بهذه الكيفية ومرة بتلك الكيفية، هو اعتراف بقبولنا بتدخل وسائل الإعلام ومن يقف خلف وسائل الإعلام، ومراعاة لهذا الذوق وتلك الرغبات، وفتح باب لتوجيه دفة العالم الإسلامي، وبتوجيه حامي الحصن الحصين الذي هو المرجعية.

العدد 2137 - السبت 12 يوليو 2008م الموافق 08 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً