العدد 2140 - الثلثاء 15 يوليو 2008م الموافق 11 رجب 1429هـ

«صدد»... الصادة عن الجادة لاتزال تعانق أشجار النخيل

وقت العصر في قرية «صدد» له ألق عجيب مرتبط بأشعة الشمس الذهبية وهي تشارف على المغيب... أشجار النخيل الباسقات لاتزال تتمايل كلما عانقها النسيم معلنة أنها تموت واقفة على أرضها... طرقات القرية، لها ما لها من كرم مطبوع في نفوس أهلها الذين لا تشعر بينهم أبدا بأنك غريب عن هذه الدار. هناك، خلف الأسوار... ساحل جميل، ارتبط بالقرية وارتبطت به! والسؤال: «كيف تراها عاشت وقد فقدت الأب؟»، فالبحر بالنسبة إلى قرية صدد - كما يقول أهلها - هو الأب، وروحها من روحه، لكنها محرومة منه!

قد يستخدم البعض عبارة: «صدد.. الصادة عن الجادة» لتبيان بعدها عن العاصمة... لكنها مجرد عبارة، فهي لم تصد عن الجادة، والطرق التي تؤدي إليها معلومة، لكن ربما أصبحت بعيدة عن «جدية» الخدمات التي تحتاج إليها القرية من مشروع إسكاني وشبكة مجاري وطرقات حديثة.

على رغم صغرها، لكن «صدد» مترابطة بعوائلها، فتلك البقعة القروية الصغيرة الجميلة، تحتضن عوائل قريش - النعمة - بوحسان - بن عاشور - عبدالوهاب - أحمد بن جاسم - القرامزة - يعقوب - العرادية.

في وقت الأصيل، يجلس بعض أهالي القرية هنا وهناك... مشاغل الحياة كثيرة والمجال واسع لأن يدور الحديث حول شئون وشجون كثيرة، لكن في الحديث عن عراقة هذه القرية، لا يمكن أن يتجاهل المرء قوة هذه القرية الصغيرة منذ القدم، إذ كانت تصد الشر، ولاتزال... فمنذ القدم، كان أهل القرية يتصدون لمحاولات من يحاول سرقة سفن المرفأ بما تحمله من بضائع، ولا تغيب عن ذكريات أهلها، وخصوصا كبار السن منهم، ذكريات بندر «أبو الدود»، وعين «أم الهرمبج» وعين «صخاره» أو «سهاره»... لكن كيف حالها اليوم؟

«صدد»... منسية!

هنا، جلسة للجيران من أهل القرية اعتادوا على اللقاء لتجاذب أطراف الحديث... فردان عباس حسين، ونعمان محمد جاسم، وعيسى علي حسين، وحسن نعمة، بالإضافة إلى صديق من قرية المالكية المجاورة هو سيدعباس الذي يزور أصدقاءه في القرية بين فترة وأخرى. ولعل أكثر ما تود تلك المجموعة الحديث عنه، هو موضوع الخدمات في القرية التي يصفونها بأنها «منسية»! ومن أهم النقاط التي بدأوا بها، ضرورة الإسراع في تنفيذ مشروع للمجاري في المجمع 1037، إذ بدأ المشروع فعليا لكن في المجمع الجديد رقم 1038 ولايزال الأهالي في المجمع القديم ينتظرون الإسراع في تنفيذ المشروع لتنتهي معاناتهم مع مشكلة طفح البلاعات.

ووفقا للأهالي، فإن خدمات الكهرباء تحسنت كثيرا بعد تزويد المنطقة بمجمع جديد لتحويل الكهرباء، ولكن لاتزال هناك خدمات مطلوبة مثل تدشين مشروع إسكاني يخدم أصحاب الطلبات من أهالي القرية، إذ تم تحديد قطعة أرض فعلا لإنشاء مشروع إسكاني، «لكن المشروع توقف ولم نسمع عنه أي أخبار، ونحن في حاجة إلى لقاء عضو المجلس البلدي الممثل للدائرة علي منصور وكذلك المسئولين في مختلف الأجهزة الحكومية للوقوف على احتياجات القرية عن كثب».

الأنشطة الاجتماعية والخيرية

من جهته، يقول نائب رئيس صندوق صدد الخيري فردان عباس حسين: «إن هناك بعض المطالب لأهالي القرية منها توظيف أبنائها العاطلين عن العمل، وإنشاء مرتفعات تخفيف السرعة. ومن الأمور المهمة، إيجاد منفذ للبحر يستخدمه أهالي القرية التي ارتبطت تاريخيا بالساحل، وهو ساحل من أجمل السواحل. والبحر بالنسبة لنا كوننا أهالي هو روح القرية وهو الأب، كما هو الحال بالنسبة إلى النخيل وعيون الماء التي كانت ولاتزال تمثل جزءا من روح القرية، فقد كان هناك ما يسمى بالزج وهو عبارة عن فوهات ينطلق منها الماء، ومن أشهر عيون القرية القديمة أيضا عين صخاره، أو سهاره، التي كان ماؤها يصل إلى القرية من جهة الشرق، وكذلك عين ودع، وعين أم الهرمبج التي لم تكن مشهورة كثيرا كونها تقع في أملاك خاصة».

وفيما يتعلق بالأنشطة الاجتماعية التي يقدمها الصندوق، يقول فردان حسين إن «هناك عدة لجان عاملة بالصندوق تشرف على الأعمال والأنشطة الخيرية الموجهة إلى الأسر المحتاجة، ولجنة الخدمات التي تشرف على الخدمات المطلوبة للقرية عموما، بالإضافة إلى لجنة الإرشاد الطلابي التي يرتكز نشاطها على فئة الطلبة من أبناء القرية، أما لجنة المشروعات فهي المسئولة عن دراسة وتنفيذ جميع المشروعات الخيرية، أما الشئون المالية بطبيعة الحال فهي مسئولية اللجنة المالية». وفي القرية حوالي 4 إلى 5 منازل آيلة إلى السقوط، وينتظر المواطن محمد علي عبدالله الصددي هدم منزله وإعادة بنائه، وخصوصا أنه انتقل إلى السكن في منزل مستأجر بمبلغ 150 دينارا شهريا، ومرت حتى الآن ثلاثة أعوام ولم يتم هدم المنزل، ويناشد المواطن مجلس بلدي المنطقة الشمالية للنظر في مشكلته والإسراع في هدم منزله وإعادة بنائه.

أين «أبوالدود» و«المنكولة»؟

حتى اليوم، لاتزال ذكريات البحر والبحارة ماثلة في ذاكرة الحاج يوسف عبدالله القرمزي، الذي يتذكر أن البحر كان مفتوحا للأهالي في يوم من الأيام قبل أن يصبح رهن السياجات من كل مكان، ويتذكر أيضا مجالس علي بن يوسف ومحمد بن سهوان والحاج علي بن حسين بوحسان وتلك اللقاءات التي يستضيفها ساحل القرية... يقول: «كنا نرى كبار السن ممن يملكون مركبا أو «فرتة» (القارب المصنوع من جريد النخيل)، وكان الحاج عيسى علي حسين بوحسان، وشقيقه أحمد، من البحارة المشهورين في القرية، وكذلك الحاج يوسف رضي، وكان الأخوان أحمد ورضي عبدالوهاب يمتلكان حظورا لصيد السمك مسجلة رسميا باسم «المنكولة»، لكن لا يوجد لها منفذ كما كان في السابق، إذ بندر «أبوالدود» هو الميناء الرئيسي للقرية.

من الذكريات التي يحملها الحاج يوسف القرمزي، استئجار نخيل لـ «الضعن» (المقيظ) فترة الصيف مع الأهل في بستان «الناصرية» و «بديعة الوزير» كما كانتا تسميان، ويضعن مع الأسرة في فترة الصيف وكانت هذه العادة مستمرة حتى فترة السبعينيات.

ذكريات من الماضي

في السابق، كما يقول الحاج حسن القرمزي، كانت قرية «صدد» ليست معروفة بالنسبة إلى الكثيرين، وخصوصا في الماضي، إذ كانت وسائل المواصلات هي الدواب. ولأن القرية بعيدة عن الطرق السالكة، قالوا عن صدد إنها «صادة»... وقالوا إن اسمها فيها، وقبل حوالي 60 إلى 70 سنة، كان الساحل الغربي للقرية بمثابة فرضة أو بندر، وتأتي إليه السفن قادمة من الخبر تحمل البضائع من تمور ومواد غذائية.

والقرية كانت منطقة زراعية غنية في السابق، وربما كانت من أنشط قرى المنطقة الغربية في مجال التجارة وبيع التمور، بل وكانت القرية، لجمالها وطيب هوائها، تستقطب أهل البحرين من مختلف المناطق لـ «الضعن»، أي قضاء فترة الصيف فيها، إذ يستأجرون النخيل ويقضون في البساتين فترة الصيف.

مسجد «الحمّام»... جذوره في «ساب السبت»

هذا المسجد، وهو مسجد «الحمّام» بتشديد الميم... واحد من أقدم مساجد القرية، ووفقا لرواية الحاج يوسف القرمزي، فإن اسم المسجد يعود إلى سنوات غابرة، إذ كانت هناك عين تسمى «عين صخاره» أو «سهاره» كما يقول البعض، وهي عين مشهورة قديما كانت تسقي قرى المنطقة الغربية، ولاتزال بعض آثارها موجودة حتى اليوم على رغم اندثارها، ومنها «ساب السبت» وهو الاسم الذي عرف به النهر الذي يأتي منه الماء من العين إلى القرية.

يقول الحاج يوسف القرمزي: «أتذكر جيدا أن موقع المسجد في السابق كان يضم بعض الحمامات الطبيعية، وفيها كان الناس يحضرون العرسان عصرا لتبدأ مراسيم تحميم المعرس، وهي عادة تراثية قديمة اندثرت وربما لايزال البعض يمارسها في بعض دول الخليج وخصوصا في قرى المملكة العربية السعودية كالإحساء والقطيف. بالنسبة إلى مسجد الحمّام، فقد اكتسب التسمية من هذا النهر وحماماته، بالإضافة إلى ذلك، كان المسجد ولايزال، يقوم بدوره في المجال الديني والاجتماعي كما كان في السابق أيام مختار القرية السابق جاسم بن عاشور رحمه الله، وكان الوالد يعلم أبناء القرية الصلاة في هذا المسجد.

وقديما، لم يكن في القرية الكثير من العلماء... لكن اليوم، هناك الشيخ علي فاضل والشيخ زكريا والشيخ محمود والشيخ عبدالله، ولاشك في أن الكثير من شباب القرية المثقفين والمتميزين ارتبطوا بهذا المسجد، ومنهم الشاعر المعروف عبدالله القرمزي، وهو شاعر مبدع له نتاجه الشعري الراقي».الموقع

تقع جنوب المالكية وشمال شهركان، على شارع زيد بن عميرة الذي يربط غالب قرى المنطقة الغربية، وفي جنوبها تقع قرية الزلاق بشارعها الذي يربط قرى المنطقة الغربية بمناطق المحافظة الجنوبية، ومدينة حمد كجزء من المحافظة الشمالية. أصل التسمية

وفقا لأشهر الروايات، فإن التسمية ترجع إلى أن قرية صدد كانت في السابق بمثابة المرفأ بين جزيرة البحرين والمنطقة الشرقية، وسميت صدد من فعل (صد) إذ كان أهلها يصدون المتسللين الذين يحاولون سرقة السفن، أما الخرائط القديمة فكانت تصف القرية باسم (بندر صدد)، فيما الخرائط الأقدم كانت تسميها (بندر سدّاد).مجمعاتها

تتكون من مجمعين: 1038 و1037.

تشكل مساحتها 2,45 كيلومتر مربع.عدد السكانيقطنها حوالي 1393 نسمة.

مهن القرية قديما

اشتغل أهل القرية في صيد الأسماك والزراعة منذ القدم، ولاتزال بعض المزارع والبساتين قائمة لكنها ذات ملكية خاصة، وبعضها أصبح مهجورا، وفي القرية بعض حظائر تربية الحيوانات، وعلى رغم وجود بعض الصيادين من ملاك الحظور، لكن لا يوجد أبدا أي منفذ من القرية للبحر باعتبار أن المزارع المحاذية لساحل القرية هي أملاك خاصة، ولا يسمح لأهل القرية باستخدام الساحل، وهو مطلب لايزال أهلها يطلبونه لإيجاد منفذ إلى البحر.النشاط التجاري

مدخل القرية عبارة عن شارع تجاري يشمل أنشطة متنوعة منها ورش تصليح السيارات ومواد البناء وبعض المتاجر الصغيرة العاملة في مجال بيع الأغذية، فيما لايزال بعض المواطنين من أهل القرية يمارسون تربية المواشي وبيعها.المرافق الخدماتية

أبرز ما يميز مدخل القرية «هوائي الاتصالات الكبير»، لكن لا توجد فيها مرافق خدماتية حكومية كالمراكز الصحية أو المدارس، إذ يتبع أهل القرية مركز الكويت الصحي، فيما يتوزع طلبتها على مدارس المناطق القريبة.

وفي القرية 5 مساجد، 6 مآتم، صندوق خيري، ومن المقرر أن يتم تخصيص مقر للصندوق الخيري والمركز الشبابي، إذ إن مشروع المبنى المشترك قيد التأسيس.

وأشهر مساجد القرية مسجد جاسم بن عاشور - مسجد الشيخ عبدالحسين (بني حديثا) - مسجد الحمّام (وهو من أقدم مساجد القرية) ومسجد المعتصم.

العدد 2140 - الثلثاء 15 يوليو 2008م الموافق 11 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً