العدد 2145 - الأحد 20 يوليو 2008م الموافق 16 رجب 1429هـ

رسوم العمل المفروضة ليست حلا سحريا و لا وحيدا ويجب تطبيق الإصلاحات بتوازٍ

في ندوة «الوسط» بشـــأن إصلاح «السوق»:

أكد المشاركون في ندوة إصلاح سوق العمل في البحرين أن الرسوم التي تم البدء في تطبيقها بداية الشهر الجاري لن تكون هي الحل السحري أو هو الحل الوحيد لإصلاح سوق العمل وقالوا: «ما لم تسير جميع الإصلاحات التي تتضمن إصلاح التعليم والتدريب والإصلاح الاقتصادي، فإن الرسوم المفروضة لن تعني غير زيادة أعباء إضافية على أصحاب الأعمال».

وأضافوا «إذا أردنا إصلاحا حقيقيا لسوق العمل في البحرين فإنه يجب أولا وضع حد أدنى للأجور وتشكيل مجلس أعلى للأجور من قبل أطراف العمل الثلاثة من أجل دراسة الأجور ومواكبة التضخم وارتفاع الأسعار، كما يجب على البحرين أن تتوجه إلى نمو اقتصادي حقيقي يخلق فرص عمل يقبل عليها البحرينيون».

وشددوا على وجود قلق من قبل القطاع الخاص من أن رفع الرسوم سيضعف القدرة التنافسية للمنشآت في البحرين، مشيرين إلى أن 78 بالمئة من المنشآت الاقتصادية هي من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقالوا: «إن هذه المؤسسات ستتأثر بشكل كبير عند أي زيادة في كلفة الإنتاج، وخصوصا أننا ضمن منظومة خليجية وأننا دخلنا في العولمة والمنافسة الدولية، وإن رفع الكلفة سيؤثر في هامش الربحية لهذه المؤسسات».

وشارك في الندوة التي ناقشت البدء في فرض رسوم إصلاح سوق العمل كل من مدير إدارة الجودة بهيئة تنظيم سوق العمل نضال البناء والأمين العام المساعد للتنظيم الداخلي في الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين محمد عبدالرحمن ومستشار شئون العمل والمنظمات الدولية بغرفة تجارة وصناعة البحرين منذر الخور.

وقال المشاركون في الندوة: «رغم المشاريع السابقة للحد من تدفق العمالة الأجنبية ومحاولة الاعتماد على العمالة البحرينية إلا أن العمالة الأجنبية قد ازدادت في السنوات الأخيرة بشكل كبير، فمن 22 ألف عامل أجنبي في بداية السبعينات وصل العدد إلى 58 ألفا في بداية الثمانينيات وفي التسعينيات وصل العدد إلى 135 ألف عامل ووصل العدد إلى 181 ألفا في العام 2001 ومن ثم وصل العدد إلى 269 ألفا في العام 2004». وفيما يأتي نصّ الندوة:

* يعاني سوق العمل في البحرين من تشوهات عديدة منها وجود أكثر من 60 ألف من العاملة السائبة أو ما يطلق عليهم «فري فيزا» بالإضافة إلى ارتفاع نسبة العمالة الأجنبية بما يوازي 68 في المئة من مجمل العمالة وذهاب أكثر فرص العمل الجديدة للأجانب، فمن بين كل عشر وظائف جديدة تذهب ثمان منها الى الأجانب، في ظل هذه التشوهات هل هناك إمكان لإصلاح سوق العمل البحريني؟

- محمد عبدالرحمن: إن وجهة نظرنا في الاتحاد العام لعمال البحرين هو أن ما يجري من إصلاحات لسوق العمل لا نرى أنه يعمل لتغيير ملموس، وهناك مسببات لذلك، فعندما وضعت شركة ماكنزي ثلاثة أعمدة رئيسية لإصلاح سوق العمل، هي إصلاح سوق العمل والإصلاح الاقتصادي وإصلاح التعليم والتدريب، كان يجب أن تتماشى هذه الإصلاحات الثلاثة بشكل متوازٍ وإلا سوف تكون هناك إخفاقات وعدم حدوث إصلاح حقيقي.

إن شركة ماكنزي وضعت رسوما في حدود 600 دينار ولكن للأسف الشديد أتت قرارات سياسية لتخفض من هذه الرسوم لأكثر من 50 في المئة، وهذه إحدى المؤشرات التي تؤكد وجود تدخلات سياسية من أجل خدمة فئات معينة في سوق العمل، كما أن النمو الاقتصادي الحالي للأسف لا يخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة وهذه إشكالية كبيرة فالنمو الاقتصادي الآن منحصر في قطاع الإنشاءات، وهذا القطاع يخلق فرص عمل ولكنها ليست للبحرينيين. وزير العمل صرح في 2006 بأن هناك 26 ألف وظيفة خلقها النمو الاقتصادي، الناتج من هذه الوظائف كان توظيف 6000 بحريني فقط، معنى ذلك أن 20 ألف وظيفة ذهبت إلى الأجانب.

نحن نريد نموا اقتصاديا يتماشى مع ما جرى في منتصف السبعينيات حينما تم وضع أسس وسياسة اقتصادية فيها قيمة مضافة في الأجر وخلق وظائف يقبل عليها البحرينيون، الآن هناك أزمة كبيرة وهناك عزوف كبير من المواطنين لهذه الوظائف التي تخلق الآن، كما أن الأجور المعروضة في سوق العمل الآن خلقت وضعا لأجور العمالة الوطنية تتقارب مع أجور العمالة الأجنبية. إن الحراك الذي قام به وزير العمل حديثا من أجل الصعود إلى أجور بحد أدنى 200 دينار، هذا المبلغ في ظل ارتفاع الأسعار والتضخم الحاصل لا يعني شيئا، فالدراسات الاقتصادية بينت أن الأسرة المكونة من خمسة أشخاص تحتاج إلى 350 إلى 400 دينار لكي تتعدى مستوى الفقر وهذه الدراسات قد وضعت قبل التضخم وارتفاع الأسعار.

إذا أردنا إصلاحا حقيقيا لسوق العمل في البحرين فإنه يجب أولا وضع حد أدنى للأجور وتشكيل مجلس أعلى للأجور من قبل أطراف العمل الثلاثة من أجل دراسة الأجور ومواكبة التضخم وارتفاع الأسعار، كما يجب على البحرين أن تتوجه إلى نمو اقتصادي حقيقي. نحن نقول إن الرسوم المفروضة لن تؤدي إلى إصلاح حقيقي وإنما ترقيع لبعض المشكلات؛ بسبب أن المعطيات الحالية تؤكد أن النمو الحاصل يصب فقط في مصلحة العمالة الأجنبية وليست العمالة الوطنية.

مساهمة الرسوم في الإصلاح

* كيف يمكن للرسوم التي تم البدء في تطبيقها بداية شهر يوليو/ تموز الجاري أن تساهم في إصلاح سوق العمل؟ وهل صحيح ما يقوله أصحاب العمل إن هذه الرسوم مجرد أعباء إضافية تضاف إلى الرسوم التي تتحصل عليها الدولة من خلال استقدام العمالة الأجنبية؟

- نضال البناء: لا أحد يعتقد بأن الرسوم هي الحل السحري لإصلاح سوق العمل أو هو الحل الوحيد، كما أن هيئة تنظيم سوق العمل ليست الجهة الوحيدة المسئولة عن إصلاح سوق العمل وإنما القضية مسئولية مشتركة يجب أن يساهم الجميع في حلها، فمن الجانب الحكومي فإن هيئة تنظيم سوق العمل تعمل من خلال الشراكة مع وزارة العمل بالدرجة الأولى وصندوق العمل بالدرجة الثانية، وفي المقابل فإننا أكدنا أن هذه الخطوة لن تأتي بنتائج ملموسة وبشكل سريع وبمجرد رفع الرسوم فإن سوق العمل سيصبح منظما.

إن دراسة شركة ماكنزي من البداية قالت إن رفع الرسوم هي إحدى التوصيات التي سوف تساهم في عملية جعل البحريني هو الخيار المفضل لصاحب العمل، أعتقد أن الإصلاحات التي حدثت منذ العام 2001 هي في الطريق السليم ولذلك فإننا نلمس نتائجها الآن.

* ولكن متى من الممكن أن نلمس نتائج رفع الرسوم؟

- البناء: لا يمكن التكهن بذلك في الوقت الراهن، ولكن ستكون هناك عملية إعادة تقييم لذلك بعد سنتين من الآن، يجب على الجميع أن يفهم الغرض من فرض هذه الرسوم، ففي السابق كانت الرسوم المفروضة على جل العمالة الأجنبية توضع في موازنة الدولة، في حين أنه في الوقت الحالي ستذهب 80 في المئة من هذه الرسوم إلى صندوق العمل، وهذه هي الفكرة الأساسية من فرض الرسوم التي يجب على المجتمع البحريني أن يفهمها، هي أن هذه الرسوم ستضيق الفجوة بين أجور العمالة الأجنبية التي اقتصادنا ما زال بحاجة إليها ولا يمكن الاستغناء عنها. كانت دراسة ماكنزي تتحدث عن 600 دينار كل سنتين بالإضافة إلى 75 دينارا شهريا عن كل عامل في حين نحن نتحدث الآن عن 200 دينار بالإضافة إلى 10 دنانير شهريا، نحن متفائلون جدا من أن هذه المبالغ التي ستصب في صندوق العمل الذي هو مشكل بأغلبيته من القطاع الخاص ستصب في نهاية الأمر في سوق العمل من خلال رفع إنتاجية العامل البحريني والشركات المتضررة من فرض الرسوم.

* كانت غرفة تجارة وصناعة البحرين معارضة لفرض هذه الرسوم وطلبت في البداية تخفيضها ومن ثم تأجيل تطبيقها، كما أنها أوكلت لشركة ماكنزي نفسها للقيام بدراسة لتدعم وجهة نظرها في موضوع الرسوم، لماذا تعارض الغرفة فرض الرسوم على العمالة الأجنبية في حين أن المسئولين في وزارة العمل يؤكدون أن الرسوم في البحرين تعتبر الأقل في الدول الخليجية؟

- منذر الخور: لا أتفق مع أن الرسوم في البحرين هي الأقل في دول الخليج بل على العكس.

إن غرفة التجارة رحبت بإصلاحات سوق العمل منذ بداية طرح المشروع، نحن نعرف أن هناك تشوهات كبيرة موجودة في سوق العمل البحريني كما نعرف بان قطاعات كثيرة قد تضررت من العمالة الأجنبية السائبة والتي تحولت إلى منافس لها من خلال تأجير السجلات والمتاجرة بها، وكنا نتأمل خيرا من إصلاحات سوق العمل؛ لأنها سوف تقضي على هذه التشوهات ورحبنا بها لأن هذه الإصلاحات ستجعل من القطاع الخاص المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في البلد.

كانت هناك مساور قلق من قبل القطاع الخاص من أن رفع الرسوم سيضعف القدرة التنافسية للمنشآت لدينا، ونحن نعرف أن 78 بالمئة من منشآتنا الاقتصادية هي من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهذه المؤسسات ستتأثر بشكل كبير عند أي زيادة في كلفة الإنتاج، وخصوصا أننا ضمن منظومة خليجية وأننا دخلنا في العولمة والمنافسة الدولية. إن رفع الكلفة سيؤثر في هامش الربحية لهذه المؤسسات.

كما كان هناك قلق من أن الرسوم المفروضة ستشكل عبئا إضافيا على المنشآت بالإضافة إلى الرسوم الأخرى المتمثلة في رسوم التأمينات الاجتماعية وغيرها، وكنا نخشى أن تختفي الكثير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة من السوق، وعلى الرغم من أن هناك تأكيدات من قبل المسئولين أن ذلك لن يحدث ولكن الشواهد تقول عكس ذلك بسبب أن المنافسة شديدة وأن السوق لدينا صغيرة جدا وأننا مفتوحون تماما على العالم والمنافسة الخليجية فأي عبء إضافي في كلفة الإنتاج سيؤدي إلى أعباء إضافية وضعف القدرة التنافسية، ولذلك كنا غير مقتنعين من فرض هذه الرسوم، نحن نعتقد بأن البحريني هو المفضل لدى القطاع الخاص كما نعتقد بأن المستقبل هو العامل البحريني وأن العمالة الأجنبية هي ظرف طارئ وأنها لن تستمر حتى النهاية ولكن هناك صعوبات كثيرة منها نقص المهارات وأن النظام التعليمي لا يواكب متطلبات سوق العمل.

لهذه الأسباب أبدينا شكوكنا في أن يكون العامل البحريني هو المفضل خلال فترة قصيرة جدا، وقلنا من أن إصلاح سوق العمل عملية طويلة الأمد وطالبنا بترتيب الأولويات، من خلال البدء بإصلاح نظام التعليم ومن ثم الإصلاح الاقتصادي وبعد ذلك يتم البدء في إصلاح سوق العمل وقلنا أنه في أقسى الظروف وإذا تطلب الأمر أن يكون هناك تزامن في التطبيق.

في الواقع عند بدء التوجه في فرض الرسوم وعلى الرغم من أن قياسنا للسوق والوضع الاقتصادي لا يزال هشّا ويحتاج إلى المزيد من التحفيز والجرعات التشجيعية ليصبح اقتصادنا محركا للنمو قلنا بتأجيل تطبيق الرسوم والتريث في فرضها إلى حين وإعطاء الفرصة لأن يعمل بالإصلاح الاقتصادي وتأهيل المواطنين لأن يكونوا بشكل فعلي هم الخيار المفضل لدى صاحب العمل، ومن هنا جاءت المعارضة ليس لإلغاء الرسوم وإنما لتأجيلها لبعض الوقت.

البحث عن العمالة الرخيصة

- عبدالرحمن: مع احترامي لرأي الغرفة إلا أنني أرى أن هذه المقولات هي من اجل مصلحة وحيدة لرب العمل، ومن اجل تحقيق أهدافه في تحقيق الربحية والبحث عن عمالة رخيصة الأجر، وهذه هي أهداف أصحاب العمل في قيمهم الإنتاجية، ولذلك فإنني أقول إن أصحاب العمل في البحرين يمكن أن يعيشوا في بحبوحة أفضل من الكثير من أصحاب العمل في دول مجلس التعاون، أصحاب العمل في بلدنا معفيون من أية ضرائب على استثماراتهم، فهم لا يدفعون ضرائب للحكومة وهذه الرسوم جزء من ضريبة لعملية استثمارهم في داخل البلد، لو كانت هناك ضرائب أخرى لامكن القول إن هذه الرسوم دخيلة، كان من المفترض أن تطبق هذه الرسوم بشكل سريع ويؤمن بها صاحب العمل إن كان لديه حس وطني من اجل النمو الاقتصادي، وخصوصا إن أكدنا ان المواطن العامل الخيار المفضل في سوق العمل، إن هذه المقولة دائما ما تقال ولكن على صعيد الواقع فإنها وللأسف الشديد بعيدة كل البعد عن التطبيق، ولنرجع إلى التاريخ فانه في كل النمو الاقتصادي الذي جرى لو قارنا ذلك بمدى تدفق العمالة الأجنبية لتأكد لنا ذلك أن الاستثمار الوطني والأجنبي يبحث عن العمالة الرخيصة.

لدي إحصائية قديمة تختص بتدفق العمالة الأجنبية إذ كانت العمالة الأجنبية لا تتعدى 22 ألف عامل في بداية السبعينيات، وكان هناك توجه للمواطن بان يكون الخيار الأفضل وكان هناك استقطاب حقيقي للعمالة الوطنية وكانت هناك برامج للتدريب ونجح المواطن بكفاءة واقتدار في دخول جميع القطاعات الإنتاجية من خلال المؤسسات الكبيرة، ويمكن أن تكون» ألبا» و «بابكو» و «أسري» و «بتلكو» و «الخليج للاستثمار» خير دليل على ذلك، إذ استطاع العامل البحريني أن يثبت قدرته في جميع هذه الأعمال ويأخذ المكانة والكفاءة كما استطاع أن يهيمن بشكل مطلق على قطاع المصارف والتامين، ولكن وللأسف الشديد هناك فئات سواء من الحكومة أو أصحاب العمل متنفذة وهي التي خلقت الأزمة واتت بهذه العمالة الأجنبية.

ولنعد لمسألة الإحصاءات، فمن 22 ألف عامل أجنبي في بداية السبعينيات وصل العدد إلى 58 ألف في بداية الثمانينيات، وفي التسعينيات وصل العدد إلى 135 ألف عامل ووصل إلى 181 ألفا في العام 2001 ومن ثم وصل إلى 269 ألفا في العام 2004 والآن من المؤكد أن هذا العدد ارتفع لأكثر من 300 ألف عامل، هذه إشكالية كبيرة تعني أن العمالة الأجنبية صاحبة الأجور المتدنية لا تملك أية مهارة فجميع بيوت الخبرة تؤكد أن منطقة الخليج أصبحت مركزا موسعا لتدريب العمالة الأجنبية، وعندما تتدرب هذه العمالة على وظائفها تهاجر إلى البلدان التي فيها وظائف ذات أجور عالية.

نحن نقول إن عملية الإصلاح يجب أن تكون من خلال إصلاح سوق العمل بشكل سريع ومن خلال وضع هذه الرسوم ومن خلال الإصلاح الاقتصادي والتعليمي أيضا. إن كل ذلك يجب أن يسير بشكل متواز، كما يجب وضع تشريعات وطنية حمائية للعمال. عندما نتحدث عن تشكيل مجلس أعلى للأجور وعندما نتحدث عن مجلس أعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي فان ذلك يأتي في نطاق ما تحدث به الدكتور منذر من دخولنا في العولمة، ففي الكثير من المحافل العمالية يجري الحديث عن أن هذه العولمة من الممكن أن تكون متوحشة إذا لم توضع في مجابهتها قوانين وتشريعات حمائية، فإنها من الممكن أن تؤدي إلى البطالة وتدني الأجور وبالتالي انتشار الفقر، إن مؤشراتنا الحالية تؤكد غياب الطبقة الوسطى من المجتمع البحريني، وأي مجتمع تغيب فيه الطبقة الوسطى فان ذلك يعني انه يعاني من وضع اقتصادي متأزم، ولذلك يجب وضع تشريعات حمائية وبشكل سريع إذا أردنا الرفاه والعيش الكريم للمواطنين وإذا أردنا إن يكون البحريني الخيار الأفضل للوظائف المتوافرة.

ان الفئة المتنفدة ذات الأموال الهائلة والجزء منها حكومي والجزء الآخر من أصحاب الأعمال هم الذين أوصلوا الوضع الاقتصادي في البحرين على ما هو عليه الآن من أن الفئة الكبرى الذين قد تصل نسبتهم لأكثر من 80 في المئة هم أصحاب الدخل المحدود الذين يلامسون مستوى الفقر، والسؤال: أين الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية إن كانت كل خيرات البلد تستحوذ عليها طبقة معينة موجودة داخل الحكومة وداخل غرفة التجارة.

التجارب السابقة والفشل المنتظر

* هناك تجارب سابقة أصابها الفشل أكثر مما حققته من نجاح كمشروع العشرة آلاف متدرب والمشروع الوطني للتوظيف والتدريب، فما الذي يضمن أن مشروع إصلاح سوق العمل سيلاقي النجاح فيما فشلت التجارب السابقة؟

- البناء: لا اتفق مع ما طرحته من أن المشاريع السابقة كانت فاشلة، فكل مشروع حقق ما وضع له من أهداف، يمكن أن يكون في منظور البعض أن هذه المشاريع فشلت، ولكن يجب أولا أن نحدد ما مقياس الفشل.

* صرف ما يقارب من 50 مليون دينار على هذين المشروعين دون أن تكون هناك أية نتائج ملموسة لهما، هل يعتبر ذلك نجاحا؟

- البناء: إنني لم أعاصر مشروع العشرة آلاف متدرب ولا يمكنني الحكم عليه بشكل كامل رغم ما يؤكده المسئولون في الوزارة من انه حقق جزءا من الأهداف الموضوعة له، فهذا المشروع وعلى اقل تقدير نبه الى الخطر على العمالة الوطنية ومن خلاله قامت الحكومة بتوظيف العمالة البحرينية، ولكن مشروع الوطني للتوظيف وبحكم أنني كنت احد الذين عملوا في هذا المشروع يمكنني تأكيد انه حقق نتائج ملموسة جدا من خلال انخفاض نسبة البطالة حسب المعايير التي حددتها وزارة العمل، وكل ذلك يؤكد أننا خطونا خطوات كبيرة في المسار الصحيح. إن فكرة المشروع الوطني للتوظيف تقوم على خلق الظروف الملائمة لدى صاحب العمل لكي يوظف البحرينيين، فصاحب العمل لديه متطلبات يجب توفيرها، وقد قام المشروع الوطني بخلق هذه المتطلبات مما حفز صاحب العمل على القبول بالبحرينيين في ظل وجود عمالة رخيصة، كان من الصعب إقناع أصحاب العمل بتدريب البحرينيين في وقت يشهد كثرة من العمالة الأجنبية التي من الممكن ألا تكون مدربة ولكنها رخيصة. ومن جهة أخرى قام المشروع بتدريب العديد من البحرينيين رغم أن مدة المشروع لم تتجاوز السنة والنصف السنة التي هي فترة بسيطة لا يمكن خلالها تدريب جميع البحرينيين وبشكل جيد، ومن حسن الطالع أن هذا المشروع تزامن مع إقرار مشروع التامين ضد التعطل، وفي الفترة نفسها تم تدشين مشروعي هيئة تنظيم سوق العمل وصندوق العمل، من المهم ذكر ذلك بسبب أن العملية الإصلاحية تقوم على عاتق وزارة العمل وهيئة تنظيم سوق العمل وصندوق العمل. إن الحكم المسبق على المشروع هو الذي يؤثر على أدائه، إن ما نراه من مؤشرات ومن المبالغ الطائلة التي ستدخل في سوق العمل من خلال الصندوق يبشر بنتائج جيدة.

قد يكون تخوف أصحاب الأعمال من تأثير الرسوم على تنافسيتهم مبررا ولكن الفكرة من هذه الرسوم هي مساعدة المنشآت والمؤسسات التي ستتعرض لمخاطر، إن صندوق العمل سيساهم بشكل كبير في معالجة أية مخاطر يتعرضون لها. إن عملية إصلاح سوق العمل تعتبر دائرة يساهم فيها عدة أطراف، وان أخذنا جزئية واحدة من هذه الدائرة فانه يمكن القول اننا فشلنا ولكن يجب النظر الى هذه العملية بصورة متكاملة.

مدى تضرّر المؤسسات

* كيف يمكن أن تكون العمالة الأجنبية عمالة طارئة في ظل تزايد أعدادها سنويا، ولكن قبل ذلك الى أي مدى يمكن أن تتضرر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الرسوم المفروضة وخصوصا ان هذه الرسوم ستضخ في سوق العمل من خلال مساعدة هذه المؤسسات وتدريب العمالة البحرينية؟

- الخور: بالنسبة للأعداد التي ذكرها الأخ محمد عبدالرحمن فان هذه الأعداد ليس مصدرها المؤسسات وأصحاب الأعمال، فمن المعروف ان هناك مصادر أخرى تستقطب هذه الأعداد من العمالة الأجنبية التي هي أعلى من حاجة البلد الفعلية، فلا ننسى أن هناك ظاهرة المتاجرة بتصاريح عمل هذه العمالة وهي موجودة على نطاق واسع، كما أن هناك المتنفذين، كل هذه الأمور ساهمت في تفاقم مشكلة العمالة الأجنبية ووجود العمالة السائبة، إن صاحب العمل لن يأتي بعمالة إلا بقدر حاجته الفعلية وعادة ما يطلب صاحب العمل أعدادا ولا يحصل عليها حسب متطلباته، إن صاحب العمل لا يريد أن يدفع أجورا فوق طاقته ويعمل كلفة اكبر على مؤسسته، إن الأعداد المتزايدة من العمالة السائبة التي وصلت الى 35 ألفا ويقال انها وصلت الى أكثر من 65 ألفا جميعها من مصادر أخرى وهي التي أغرقت السوق دون أن تكون حاجة فعلية إليها.

* ولكن نسبة الـ 65 ألفا لا تشكل نسبة عالية من أعداد السكان الأجانب التي وصلت حسب الإحصاءات الجديدة الى ما يقارب النصف مليون أجنبي؟

- البناء: إن أعداد العمالة الأجنبية في البحرين وصلت الى 337 ألف عامل حتى نهاية العام الماضي حسب إحصاءات وزارة العمل.

* هذه العمالة الأجنبية فقط، ولكن إذا أضفنا عوائلهم أيضا يصل العدد الى ما يقارب النصف مليون وذلك ما أعلنه الجهاز المركزي للمعلومات حديثا؟

- الخور: ان الاقتصاد البحريني يحتاج الى قوى عاملة منها المدربة التي تمتلك مهارات معينة ولديها ثقافة العمل والانضباط على أساس أن تؤدي العمل وتلتزم به، ولذلك هناك عمالة أجنبية وهناك تدفق كبير لهذه العمالة ولا احد ينكر ذلك، وذلك بسبب عزوف العمالة الوطنية عن العمل في القطاع الخاص وتفضيلها العمل في القطاع الحكومي، فاكبر قطاع مولد للعمالة الأجنبية هو قطاع الإنشاءات وهو قطاع يشهد عزوفا تاما من قبل العمالة الوطنية إلا في بعض الوظائف الإشرافية والإدارية وهي قليلة جدا ثم يأتي قطاع النقل والشحن والإمداد، ولو كان هناك مواطنون يقبلون على مثل هذه الأعمال ويلتزمون بها ويمتلكون ثقافة العمل لحلت المشكلة، وأحب أن الفت النظر الى أن قطاع الإنشاءات قطاع محوري بالنسبة للاقتصاد البحريني لأنه ينعش الكثير من القطاعات الاقتصادية الأخرى، المشكلة ليست في خيارات أصحاب العمل في هذا القطاع، فهم لا يحصلون على غير هذه العمالة، كما أن ارتفاع أسعار مواد البناء والتضخم ومن ثم زيادة الرسوم المفروضة يؤدي الى رفع كلفة العمل على رغم أن هامش الربحية في هذا القطاع قليل جدا وهي لا تتعدى 5 الى 10 في المئة، فإن قلنا ان أصحاب العمل هم المسئولون عن الأعداد المتزايدة من العمالة الأجنبية في البحرين فان ذلك مفروض عليهم ولا توجد لديهم خيارات أخرى.

أما فيما يخص الاستثمارات الأجنبية فإنها في الواقع لا تبحث عن العمالة الرخيصة وإنما تبحث عن العمالة الماهرة، في حين أن العمالة الماهرة لدينا قليلة جدا وان وجدت فإنها تذهب الى فرص عمل أفضل في المؤسسات والشركات الكبرى، ولذلك نرى أن مستويات الأجور العالية للعمالة الماهرة هي في القطاع الخاص وليست في القطاع الحكومي، حسبما يتصور البعض.

ازدياد أعداد العمالة الأجنبية

- عبدالرحمن: أحب أن اعلق على بعض ما ذكره الإخوة، فأولا ما يخص مشروع العشرة آلاف متدرب فان الفشل كان كبيرا في هذا المشروع بسبب أن مخرجاته أتت بـ25 ألف عاطل عن العمل، أما مشروع التوظيف والتدريب فمهما كان هناك توظيفا للمواطنين من خلال هذا المشروع فللأسف الشديد فان وزير العمل يتفاوض بشكل ودي مع الشركات لزيادة رواتب البحرينيين، فحسب تصريح الوزير نفسه هناك 65 في المئة من العمالة الوطنية في القطاع الخاص أجورها تقل عن 200 دينار، أجورها الحقيقية كانت تتراوح بين 120 و150 دينارا، فأي رب عمل أو أية حكومة تريد للمواطن أن يعيش على مثل هذا الراتب فالـ 150 دينارا كنا نتقاضاها مطلع السبعينيات وهذه الإشكالية التي نتحدث عنها في مشروع التوظيف والتدريب. فالوزير سعى لتوظيف البحرينيين براتب 200 دينار ونحن نرى ان هذا الراتب لم يعد يتناسب مع مستوى المعيشة ولم يعد يسد رمق العامل البحريني لكي يكون له انتماء وإخلاص في عمله.

أما في خصوص ما ذكره الدكتور منذر، فنحن نريد أن نؤكد ان الاستثمار يحتاج الى عمالة ماهرة وثقافة العمل، إن الاقتصاد البحريني كان في فترة من الفترات يعتمد على العمالة الوطنية ولكن الربحية السريعة والسوق المفتوحة بدون قيود وبدون وجود حمايات اجتماعية أدت الى اتجاه صاحب العمل الى البحث عن عمالة رخيصة لان الأبواب كانت مفتوحة لجلب وتدفق العمالة الأجنبية.

وفيما يخص أن العمالة البحرينية تعزف عن العمل في القطاع الخاص أحب أن اذكر ان العمالة البحرينية كانت تعمل في القطاع الخاص في السابق ولكن جمود الأجور التي وقفت الآن عند مستوى 200 أو 250 دينارا (وهو مستوى الرواتب في فترة الثمانينيات) جعل القوى العاملة الوطنية تتجه إلى القطاع الحكومي بسبب وجود الأمان الوظيفي والأجور ذات القيمة المضافة.

أما فيما يخص احتياج قطاع الإنشاءات إلى العمالة الأجنبية فان اقتصادنا ومنذ عشر سنوات متجه نحو قطاع الإنشاءات من خلال بناء المدن السياحية والعمارات الكبيرة، ما أدى إلى دخول أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية. ليس لدينا اقتصاد حقيقي، من يؤدي إلى نمو اقتصادي حقيقي يدفع بخلق فرص عمل للمواطنين، صحيح أن قطاعي الإنشاءات والمواصلات في أمس الحاجة للعمالة الأجنبية ولكن ما يطرحه صندوق العمل في الوقت الحالي هو انه بدل أن تتجه هذه القطاعات إلى جلب عمالة أجنبية رخيصة وليست ذات مؤهلات وليست مدربة فلتتجه هذه القطاعات إلى إدخال التقنية والمعدات الحديثة ولتدرب العمالة الوطنية على ذلك من اجل سرعة انجاز العمل ومن اجل الربحية، وذلك ما هو معمول به في الكثير من الدول المتقدمة التي تريد أن تعكس نموها الاقتصادي على مواطنيها. وما يقال عن ضعف هامش الربحية في هذه القطاعات نقول ان هناك أرباحا طائلة لمتنفذين في هذه البلد، ونتمنى أن يوجد نظام لتحديد هامش الربحية في جميع القطاعات.

- البناء: ما طرحه الآن الأخ عبدالرحمن يؤكد اننا انتقلنا من خطوة توظيف البحرينيين إلى خطوة رفع معدل الأجور، في السابق كنا نتحدث عن توظيف العاطلين أما الآن فنحن نتحدث عن أعداد متدنيي الأجور، والآن هناك لجنة لتحسين الأجور ضمن مشروع التوظيف والتدريب.

رسوم ماكينزي

* عندما طرح مشروع إصلاح سوق العمل العام 2004 أكد القائمون على المشروع وحينها كان مجلس التنمية الاقتصادية أن الإصلاحات التي من بينها رفع كلفة العمالة الأجنبية إلى 1600 دينار كل سنتين وتدريب البحرينيين لجعلهم الخيار المفضل لدى أصحاب الأعمال وإلغاء نسبة البحرنة ونظام الكفيل، كل ذلك يأتي كحزمة واحدة لا يمكن تجزئتها فإما الأخذ بها جميعا وأما تركها جميعا؟

- البناء: لقد تم طرح هذه التوصيات للعمل بها بشكل تدريجي وليس دفعة واحدة، فيما يخص الحزمة الواحدة فإنها ليست الـ 600 دينار فقط وإنما رفع الرسوم والتدريب وإلغاء القيود المفروضة على العامل الأجنبي من حيث مرونة الانتقال ورفع معايير العمل في مواقع العمل وجعل القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للاقتصاد، وتحدثت التوصيات عن رفع الرسوم بشكل تدريجي ونحن بدأنا الآن في فرض الرسوم بشكل تدريجي.

* ولكن الغرفة رفضت فرض هذه الرسوم وحسب تعبير دراسة ارنست اند يونغ فان «رفع الرسوم إلى 200 دينار بالإضافة إلى مبلغ 10 دنانير شهريا لن يجعل من العمالة المغتربة أكثر كلفة بشكل كبير ولهذا فان القطاع الخاص سيدفع هذه المبالغ ولكنه سيحاول توظيف العمالة الأجنبية على رغم ذلك»؟

- البناء: لذلك فان فكرة المشروع الإصلاحي الجديد هي المشاركة الثلاثية، ففي السابق كنا نتحدث عن أن وزارة العمل هي صاحبة القرار في حين أننا الآن نسعى إلى المشاركة الحقيقية من خلال الحوار مع الأطراف المعنية ومن خلال الهيئة المشكلة حديثا التي تضم جميع أطراف الإنتاج.

- الخور: هناك العديد من الأمور التي قيلت التي هي بعيدة عن الواقع، فأولا ان رجال الأعمال دائما كانوا مع تدريب وتأهيل القوى البشرية في البحرين وما يطرحه الأخ محمد عبدالرحمن من أن أصحاب الأعمال يفضلون العمالة الأجنبية بسبب رخصها فان هذا الأمر غير صحيح تماما، فأصحاب الأعمال يتقدمون دائما بطلبات لتوظيف البحرينيين ولا يحصلون على من هو مستعد للعمل وان حصلوا فان البحرينيين لا يستمرون في العمل.

ثانيا، إن التجني على الحقيقة ومحاولة الإيحاء بان أصحاب الأعمال ضد تأهيل وتدريب البحرينيين غير صحيح فأصحاب الأعمال هم أول من سعى لذلك، وان موازنة مشروع العشرة آلاف متدرب جاء من قبلهم وأموالهم الخاصة من خلال استقطاع 4 في المئة من مجمل الأجور التي في النهاية تذهب إلى معاهد ومراكز التدريب، كما أن لأصحاب الأعمال دورا كبيرا في المجلس الأعلى للتدريب كما أن لهم دورا كبيرا في المجالس النوعية للتدريب بل انهم يرأسون بعض المجالس النوعية، فالتدريب امتياز للقطاع الخاص، إن نجاح صندوق العمل في تدريب وتأهيل المواطنين نجاح للقطاع الخاص.

أما القول بان الغرفة رفضت دفع الرسوم وأصرت على جلب العمالة الأجنبية حتى في حالة فرض الرسوم فان ذلك غير صحيح، وان ما حدث هو أن الدراسة وضعت افتراضات، إن الغرفة رفضت فرض الرسوم لأنها تشكل عبئا إضافيا على أصحاب الأعمال وخصوصا المؤسسات الصغيرة التي كثيرا منها ستختفي من السوق في حالة فرض الرسوم.

* ولكن، لماذا يقبل أصحاب العمل بالارتفاع في أسعار المواد الخام والخدمات وغيرها من الأمور في حين يقفون ضد رفع الأجور؟

- الخور: هم لا يقبلون بارتفاع الأسعار وإنما ذلك يفرض عليهم فرضا.

- عبدالرحمن: إن أصحاب العمل والحكومة يتحملون جزءا كبيرا مما هو حاصل الآن، منذ إصدار قانون العمل العام 1976 كان هناك استقطاع لرسوم التدريب، ولكن أين مخرجات ما تم الصرف عليه من هذه الرسوم، قانون العمل اشترط على المؤسسات أن تقوم ببرامج للتدريب للمزيد من البحرنة، ولو طبقت التشريعات بالشكل الصحيح ومنذ ذلك الحين أي منذ 34 سنة لكان لدينا الآن عمالة مدربة في جميع القطاعات.

العدد 2145 - الأحد 20 يوليو 2008م الموافق 16 رجب 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً