يميل البعض إلى إطلاق تسمية «حلبات الموت» على المضامير التي تستضيف سباقات سيارات فورمولا 1، مستندين في ذلك إلى السرعة الهائلة التي تعتبر لغة هذا النوع من الرياضة الميكانيكية.
السائق الأرجنتيني الأسطوري الراحل خوان مانويل فانجيو، بطل العالم خمس مرات أعوام 1951 و1954 و1955 و1956 و1957، قال في هذا الصدد: «المشاركة في سباقات فورمولا 1 تساوي الحياة. لكن هؤلاء الذين ماتوا خلال تلك المشاركة كانوا يدركون ربما كيف يعيشون على نحو أفضل من غيرهم».
قبل أيام، وتحديدا يوم السبت الماضي، تعرض سائق فيراري البرازيلي فيليبي ماسا لحادث مروع في الفترة الثانية من التجارب الرسمية لجائزة المجر الكبرى، المرحلة العاشرة من بطولة العالم، على حلبة هنغارورينغ. وكشف مدير قسم جراحة الاعصاب في المستشفى روبرت فيريس، إن ماسا أصيب في عينه اليسرى، وتابع حديثه متوجها إلى الصحافيين: «لا يمكننا أن نقول لكم إذا كان سيعود إلى السباقات أو لا. من المبكر قول أي شيء». وان دلت هذه الحادثة على شيء فإنها تؤكد ان ماسا الذي انضم لفيراري العام 2006، تذوق فعلا الطعم الحقيقي لـ «حلبات الموت»، وكان السائق البرازيلي الذي يملك في سجله 11 انتصارا وحل في المركز الثاني في ترتيب بطولة السائقين العام 2008 بفارق نقطة عن البريطاني لويس هاميلتون بطل العالم، قريبا جدا من دخول اللائحة السوداء لـ «ضحايا الفئة الأولى». وعرفت بطولة العالم على مستوى قوانينها التنظيمية الكثير من التعديلات منذ ولادتها العام 1950 في محاولة للحد من سرعة السيارات وتفعيل عوامل السلامة، إلا أن ذلك لم يقف حائلا أمام وقوع ضحايا خلال السباقات إذ دفع 45 سائقا حياتهم ثمنا لهذه الرياضة الميكانيكية، 32 منهم قضوا خلال احد سباقات البطولة، و9 خلال التجارب، و4 خارج إطار البطولة. وقضى 16 سائقا في حقبة خمسينات القرن الماضي و13 في ستيناته و10 في السبعينات و4 في الثمانينات و2 في التسعينات، أضف إلى كل ذلك لائحة طويلة جدا من السائقين الذين تعرضوا لعاهات جسدية مستديمة نتيجة حوادث متفاوتة الخطورة. وكان الفرنسي ريمون سومر أول ضحايا «حلبات الموت» بعدما لقي مصرعه في 10 سبتمبر/ أيلول 1950 خلال سباق جائزة هوت غارون الكبرى في فرنسا عندما كان يقود إحدى سيارات فريق كوبر.
أما آخر الضحايا وأشهرهم على الإطلاق فهو البرازيلي ايرتون سينا الذي افتقدته الحلبات منذ الأول من مايو/ أيار 1994 اثر الاصطدام المأسوي الذي أدى إلى مصرعه نتيجة فقدانه السيطرة على سيارة فريق وليامس عند منعطف «تامبوريللو» خلال جائزة سان مارينو الكبرى. وتعتبر حلبة انديانابوليس الأميركية ثاني أقدم حلبة سباق على الإطلاق بعد حلبة «ميلووكي مايل» إذ أبصرت النور العام 1909، وهي اكبر وأعلى صرح رياضي في العالم إذ تستوعب نحو 270 ألف متفرج. لكن هذه ليست القصة الكاملة، إذ ان حلبة انديانابوليس نفسها هي بمثابة «مقبرة لسائقي فورمولا 1» بكل ما للكلمة من معنى بدليل أنها شهدت مصرع 9، منهم 8 أميركيين. وتتقاسم بريطانيا والولايات المتحدة صدارة ترتيب الدول الأكثر تضحية بالسائقين في عالم فورمولا 1، فقد توفي 11 سائقا من كل من البلدين في مقابل 6 من ايطاليا، 4 من فرنسا، 3 من النمسا، 2 من ألمانيا، وواحد من كل من البرازيل وكندا والسويد وسويسرا وهولندا والمكسيك والأرجنتين وبلجيكا.
أما أكثر الفرق تضحية بالسائقين على حلبات السباق فهي فيراري (7 ضحايا)، كورتيس كرافت (6)، كوبر ولوتوس (5 لكل منهما). ومن المفارقات المسجلة على صعيد ضحايا فورمولا 1 وفاة السائقين البريطانيين كريس بريستو (فريق كوبر) وألان ستايسي (لوتوس) خلال سباق جائزة بلجيكا الكبرى في 19 يونيو/ حزيران 1960 إلا أنهما لم يلقيا حتفهما في حادث واحد بل في حادثين مستقلين عن بعضهما بعضا.
وكان الموت في انتظار بريستو خلال اللفة 19 من السباق عندما فقد السيطرة على سيارته التي رمته خارجها.
أما ستيسي فقد توفي خلال اللفة الرابعة والعشرين بعد اصطدام طير بوجهه ما أدى إلى فقدانه السيطرة على السيارة.
وخلال سباق جائزة ايطاليا الكبرى 1961، لم يكتف سائق فيراري الألماني فولفغانغ فون تريبس، في دفع حياته ثمنا لفورمولا 1 بل إن المأساة امتدت إلى المدرجات إذ راح 15 متفرجا ضحية الحادث المأسوي نفسه.
العدد 2520 - الخميس 30 يوليو 2009م الموافق 07 شعبان 1430هـ