لا يجد المذيع السوري فيصل القاسم أي حرج في التعليق على إعلان ساخر لإحدى القنوات الفضائية التي تسعى إلى تحويله إلى شخصية كارتونية، مثيرة للضحك، ويقول: «على العكس إنها تضحكني أنا أيضا».
يبدأ الإعلان المعني بـ «كرة ذهبية» تغوص في أعماق البحر لتخرج بعد ذلك... كفقاعات، بعدها يظهر القاسم في رسم كارتوني متشنجا وهو يعلن عن حلقة جديدة من برنامجه «الاتجاه المعاكس»، لكنها تتمحور هذه المرة حول مؤامرة غربية يتعرض لها الهامبورغر!
«كلما زاد الانتقاد حولوني من دون أن يدركوا إلى ظاهرة، والدعاية السلبية هي دعاية جيدة على أية حال، يصور البعض الجزيرة كفقاعة ويصف برنامج الاتجاه المعاكس بصراع الديكة، لكن كل ذلك دليل دامغ على نجاح القناة التي ولدت كصاعقة على المفاهيم الإعلامية السائدة في الوطن العربي، الثابت هنا، أن وسائل الإعلام تتحول تدريجيا إلى وسائل تجهيل»، يقول القاسم متابعا حديثه عن القناة الأكثر إثارة للجدل.
ويستبعد القاسم تماما فكرة عمله في قناة حكومية على رغم أنه لا يمانع في الانتقال من «الجزيرة»، ويقول: «أفضل أن أعمل بائعا للفجل على أن أعمل في قناة حكومية، هذه مسألة محسومة بالنسبة لي».
الدوحة - فيصل هيات
بعيدا عن الكاميرا وضغوط الاتجاه المعاكس، ومشكلات قناة «الجزيرة»، فإن المذيع السوري فيصل القاسم، وديع، متواضع، لكنه دائما وأبدا متحمس لآرائه، وبرنامجه وقناته.
في بهو فندق انتركونتيننتال في الدوحة، التقيته عندما أثير بين الإعلاميين العرب، أن قطر ستضحي به من أجل استمرار الجزيرة، لكن تلك الإشاعة التي لم تجد مذيعة لبنانية أي حرج من توجيهها إلى وزير خارجية قطر، سرعان ما تلاشت كفقاعة صابون، فيما نفى الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني أية صلة له بهذا الموضوع!
إجابة القاسم على سؤالي الأول، عن تلك الخصوصية التي تعامل بها الجزيرة من دون القنوات الأخرى كشفت كيف ينظرعدد كبير من مذيعي قناة الجزيرة إلى أنفسهم مقارنة بنظرائهم في القنوات الأخرى، فمذيعو الجزيرة، يتحدثون، يتناقشون، يمشون، كمحاربين، أو ربما هم يمنحون هذا الشعور إلى الآخرين من دون وعي منهم، خصوصا كلما حمل الإعلام الرسمي عليهم وربطهم دائما بخيوط مؤامرة صهيونة، تتمثل في خبر، أو سبق تنفرد به الجزيرة.
عن سخرية بعض القنوات التلفزيونية منه، استقلالية الجزيرة، عن علاقته بالكويتيين، وأمور أخرى طرحت بعفوية ودون سابق إعداد، دار هذا اللقاء:
* كيف ترى تلك الانتقادات الساخرة الموجهة اليك ؟
- «كلما زاد الانتقاد حولوني من دون أن يدركوا إلى ظاهرة، والدعاية السلبية هي دعاية جيدة على أية حال، نعم. يصور البعض الجزيرة مثل الفقاعة ويصف برنامج (الاتجاه المعاكس) بصراع الديوك، لكن كل ذلك دليل دامغ على نجاح القناة التي ولدت صاعقة على المفاهيم الإعلامية السائدة في الوطن العربي. الثابت هنا، أن وسائل الإعلام تتحول تدريجيا إلى وسائل تجهيل»،
ويوضح أنه سعيد أيضا بما قدمه داوود حسين وياسر العظمة في تقليدهما له عبر برامجهما الخاصة، مؤكدا أنه سيصاب بإحباط شديد إذا توقفت هذه النوعية من الدعاية السلبية!
* لكن يؤخذ على برنامجك طابع الصراخ غالبا ؟
يقول: لقد عبر بعض الصحافيين عن هذا الموضوع بـ (صراع الديوك) - في إشارة إلى الطبيعة المتشنجة لضيوف برنامج (الاتجاه المعاكس) - لكنه إحدى أهم العلامات الفارقة للبرنامج والقناة.
مؤكدا أنه الانقلاب الأهم في طبيعة المشاهد أو المتلقي العربي الذي أسس على مقولة: «إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب».
ويتابع: «بالنظر إلى الإعلام الرسمي الذي لا يحب إلا سماع صوته، فإن الصراخ لا يبدو مستساغا أبدا، والمشاهد العربي لم يعتد حتى الآن على ثقافة الكلام لأنه تربى وترعرع على الصمت».
وخلال الأشهر المقبلة، سيطرح المذيع فيصل القاسم في الأسواق كتابا عن ثقافة الصراخ يلخص تجربة السنوات الخمس الماضية من عمره مع (الجزيرة). ويوضح قائلا: «أنا في مرحلة الإعداد الأولى للكتاب، سأركز على موضوع الصراخ من خلال تجربتي الإعلامية في قناة (الجزيرة). الكثير من الصحافيين والإعلاميين وصفوا البرنامج بـ (صراع الديوك)، انتقدوا الصراخ فيه، لكن لماذا يأخذون علينا قليلا من الصراخ أمام هذا التاريخ الطويل من الصمت، هل يعلم هؤلاء المنتقدون كيف تدار جلسات البرلمانات في الدول العريقة في الديمقراطية؟».
ويشير إلى أن الكثير من الأقلام هاجمته واصفة برنامجه بالغوغائية وحفلات «الزعيق»، لكنهم تجاهلوا تأثيراته على بعض الأنظمة العربية وكيف أن برنامجا تلفزيونيا تمكن من «هز» تلك الحكومات.
ويقول: «هل يتمكن (صراع الديوك) من التأثير على الأنظمة العربية بهذا الشكل؟ دول كثيرة سحبت سفراءها من الدوحة بسبب (الجزيرة)... ماذا تسمي ذلك؟ وماذا تسمي وضع أفراد عائلتي على القائمة السوداء في بعض الدول العربية؟».
ويتساءل معترضا على الهجوم الكبير الذي يتعرض له برنامجه: «أليست هناك مطالب دائمة بالاستفادة والرجوع إلى الثقافة الغربية، هم يصرخون في برلماناتهم منذ أكثر من 50 سنة، فلماذا ننتقد نحن على ذلك؟ حرية الفكر وحرية الصراخ موجودتان فقط لدى الغرب، وماذا لدينا نحن؟! تاريخ طويل من القتل والدمار، وكل الذي لدينا في التاريخ ليس أكثر من 18 سنة هي عمر الخلافة الراشدية، لقد تكرس القتل وغياب الآخر دائما في التاريخ العربي».
* ما تأثير الضغوط العربية على قطر فى مهنية برامج الجزيرة؟
يقول القاسم: ان على الجميع أن يعلموا أن القناة تعمل ومنذ انطلاقتها بمعزل عن الدولة المضيفة... مؤكدا أن جميع المذيعين يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية والحرية، وأنهم ليسوا مرتبطين أبدا بالسياسة القطرية.
ويضيف: «بأية حال من الأحوال، فإننا لا نربط مصيرنا بسياسة قطر والوضع السياسي العام، نحن قناة خاصة مستقلة تعمل بمهنية من دون أن تتأثر بالأجواء السياسية».
ويؤكد القاسم أن الإرادة السياسية في قطر لا تتدخل فيما تبثه القناة، وهو أحد أهم أسباب نجاحها، وهو ما لا يتوافر لدى أية قناة أخرى، موضحا أن قطر تعرضت لضغوط كثيرة كي تكبح جماح (الجزيرة)، وخصوصا بالنسبة الى ما يبثه برنامج (الاتجاه المعاكس)، وهناك مئات الاحتجاجات تصل بهذا الخصوص، لكن هذا لم يؤثر أبدا على سير القناة لأنها تعمل فعلا بمعزل عن التوجيهات القطرية الرسمية.
* فى حال فٌرض عليك اختيار غير الجزيرة ... هل انت مستعد للعمل فى قناة حكومية ؟
يستبعد القاسم تماما فكرة عمله في قناة حكومية على رغم أنه لا يمانع الانتقال من (الجزيرة)، ويقول: «أفضل أن أعمل بائعا للفجل على أن أعمل في قناة حكومية، هذه مسألة محسومة بالنسبة إلي».
زميل كويتي تداخل في الحوار ووجه سؤالا إلى فيصل القاسم عن مدى قدرته على تلبية الدعوة إذا وجهت إليه لزيارة الكويت، فأبدى عدم ممانعته هذه الزيارة تقديرا منه للكثير من المثقفين الكويتيين.
وأجاب عن سؤال بخصوص ميله الدائم إلى ضيوف دون آخرين: «دائما ما أواجه بهذا السؤال، أنا أبذل قصارى جهدي في الاتصال بالضيوف، وأكثر ما يحز في نفسي أن يكون في البرنامج ضيف قوي وضيف ضعيف، شخصيا أفضل الحلقات التي تكون فيها الكفتان متعادلتين، وفي هذا المجال يبرز من الكويت - مجيبا الزميل الكويتي - أحمد البغدادي وعبدالله النفيسي وسعد بن طفلة والربعي وآخرون».
* الى متى ستظل تقدم الاتجاه المعاكس؟
يقول: مشكلة المشاهد العربي أنه يتعامل مع الإعلام كما يتعامل مع «المناديل الورقية»، هناك برامج في التلفزيونات الغربية يصل عمرها إلى أكثر من 35 عاما ومازالت تحظى بالشعبية نفسها، كبرنامج (ستون دقيقة) الخاص بمحطة (سي.بي.إس). معيار نجاح برنامج (الاتجاه المعاكس) ليس مرتبطا بشكله الخارجي، وإنما بوجود موضوعات جديدة، هذه المسألة أشبهها بإطار الصورة، الإطار ثابت والصورة تتغير أسبوعيا. هناك كم هائل من الموضوعات التي يمكن أن تطرح في (الاتجاه المعاكس)، فلماذا التفكير في تغيير البرنامج.
واختتم القاسم حديثه إلى «الوسط» بالإشارة إلى أنه سيعد في المستقبل المزيد من الحلقات عن البحرين، وربما يكون موضوع حلقته المقبلة عن البحرين يدور حول «تململ المعارضة البحرينية»
العدد 123 - الإثنين 06 يناير 2003م الموافق 03 ذي القعدة 1423هـ