في تحقيق مثير للجدل كشفت أوساط دبلوماسية وصحية ونقابية الخطوط الرئيسة لقضية الاتجار بالكلى، التي تقول صحيفة «الرأي» الأردنية إن مافيات عراقية تقودها وباتت تشكل هاجسا مقلقا للحكومة الأردنية. فقد تمكنت هذه المافيات من اصطياد مئات الشباب الأردنيين الفقراء، وإقناعهم ببيع كلاهم مقابل حفنة من الدولارات. وعلى رغم مخاطبة السفارة الأردنية في بغداد الحكومة العراقية مرات كثيرة لوقف ظاهرة الاتجار بالكلى فإن الأخيرة لم تضع ـ إلى الآن ـ حدا لتلك المافيات التي تتكون من «سماسرة وأطباء وسائقي شاحنات يعملون على خط عمّان ـ بغداد».
وأكدت هذه الأوساط أن معظم عمليات نقل الكلى التي أجريت في بغداد قد فشلت إثر تجاهل المافيات الطبية إجراء الفحوصات الطبية اللازمة وخصوصا فحص تطابق الأنسجة، ما أدى إلى موت عدد غير قليل من المرضى الذين اشتروا كلى أو المتبرعين الذين باعوها.
ولا يتوقف خطر الظاهرة المذكورة عند المواطنين الأردنيين بل يتعداه إلى مواطنين فلسطينيين وسوريين وإماراتيين وبحرينيين اشتروا كلى وتعرضوا لمخاطر صحية أقلها الفشل الكلوي. ومع ذلك فإن القانون العراقي يحظر على العراقي بيع كليته أو التبرع بها في حين يسمح للأردني ببيع كليته من دون اتخاذ أي إجراء رادع بحق السماسرة والتجار والأطباء، بل على العكس من ذلك تسهل الحكومة العراقية عملية البيع بعدم إيقاف نشاط تلك المافيات.
وكشفت الصحيفة عن قادة مافيا الاتجار بالكلى في العراق، بعضهم من أصول لبنانية ويقيمون في بغداد، وأحدهم أردني الجنسية، وآخر سوري ومكتب أحدهم الخاص بالسمسرة في منطقة الكرادة والآخر مكتبه في الأعظمية، وهم يقودون عصابات صغيرة تحضرة الأردنيين لبغداد وأعلى سعر دفعوه إلى الآن 2500 دولار، إذ يحضرون بائع الكلية الأردني والمشترين الذين تتعدد جنسياتهم (يمنية، سورية، بحرينية...) وبعد الاتفاق على المبلغ الذي يخضع لمساومات كثيرة تجري العمليات في مستشفيات كثيرة تحت أنظار الحكومة العراقية وبتسهيل منها وهي مستشفيات «بغداد، والبشارة، ودجلة، لكن أشهرها على الإطلاق مستشفى الخيال».
وقال السفير الأردني في بغداد فخري أبوطالب للصحيفة: «القانون العراقي يحظر على العراقي بيع كليته أو التبرع بها، في حين يسمح للأردني بيع كليته من دون اتخاذ أي إجراء رادع ضد السماسرة والتجار»، مشيرا إلى أن إجراءات التبرع (البيع) تتم في الدوائر العراقية بكل سهولة، فقد وضع العراق آلية لتسهل على الأردنيين بيع كلاهم. ويقول أبوطالب إن تجار هذه الشبكة لهم مكاتب تحت مسميات وهمية (...).
ويضيف: «الشخص الذي يبيع كليته يتحول إلى سمسار، وكان العدد في السابق حوالي 300 شخص ممن باعوا كلاهم، ولا ندري كم عددهم الآن بالضبط». وفي السياق ذاته رفض وزير الصحة العراقي أوميد مدحت التصريح بهذا الشأن على رغم الاتصال به مرات كثيرة.
وأكدت الصحيفة أن عدد الأردنيين الذين باعوا كلاهم يبلغ مئات الأشخاص، في حين أن الذين اشترا الكلى ينتمون إلى جنسيات كثيرة: يمنية وسودانية وسعودية وسورية ولبنانية وتركية وعُمانية وبحرينية وليبية وفلسطينية، ومن بينها الجنسية الأردنية أيضا.
وعلى رغم أن معظم من يبيعون كلاهم فقراء، ومن يشترونها أغنياء فإن بعض من يشترون الكلى يكونون من الفقراء ويبيعون ما يملكون من أثاث وذهب ويقترضون ويجمعون المال من تبرعات أهل الخير، لكن القاسم المشترك بين البائع والمشتري أن كليهما ضحية مافيا الأطباء العراقيين في المستشفيات المذكورة، إذ أنهم تعرضوا لمضاعفات مرضية شديدة تمكن الأطباء الأردنيون من معالجة معظمها، في حين اصطاد الموت عدة أشخاص منهم بسبب عدم تقيد الأطباء العراقيين بالإجراءات الطبية المعهودة في مثل هذه العمليات وخصوصا التأكد من تطابق الأنسجة لدى البائع والمشتري.
ودعا الأردن إلى إيقاف ظاهرة بيع الفقراء كلاهم لكنه لم ينجح في ذلك تماما، ومازالت الظاهرة مستمرة. وأبرز الجهات الأردنية الداخلية التي سعت إلى إيقاف الظاهرة دائرة مكافحة الفساد في المخابرات العامة، التي يقول مديرها العقيد مصلح الكايد: «منذ عامين بدأت تردنا معلومات من مركز حدود الكرامة تشير إلى أن عددا من الشباب الأردني ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و23 عاما يغادرون العراق بقصد السياحة وبعد فترة أسبوعين يعودون وقد وقعوا في شرك مافيات تجار الكلى».
ويضيف الكايد: «في البداية عرفنا ألقاب تجار غير أردنيين مثل أبوطلال اللبناني، وبعد فترة ترددت أسماء سماسرة أردنيين، لكن أسماءهم غير معروفة لأنهم كانوا يتعاملون بأسماء وهمية».
وعلى رغم أن الذين باعوا كلاهم بالمئات فإن مديرية مكافحة الفساد ضبطت فقط 27 شخصا اتجروا ببيع الكلى وأحالتهم إلى المدعي العام، وبحسب قول الكايد: «نحن نطارد من باعوا، نعمم عنهم الحدود وكل من يُلقى عليه القبض نأخذ أقواله ونحوّله إلى القضاء».
ويلفت الكايد إلى أن معظم الشباب الذين يبيعون كلاهم عادة ما يكونون من ذوي الأسبقيات الجرمية أو ممن يعانون مشكلات أسرية أو ممن يحبون أجواء السهر، وكل من تبرعوا فقراء ويسكنون أحياء شعبية باستثناء شخص واحد كان أبوه غنيا ولم يكترث له فباع الابن كليته بـ 2500 دولار. ويقول: «لا يقتصر الأمر على الأجواء السالفة بل يورطون الشباب بتوقيع كمبيالات وشيكات». ويعتقد الكايد أن هذه الظاهرة ستخف بالتدريج بعد تشديد الإجراءات بالتنسيق مع العاملين في الحدود
العدد 123 - الإثنين 06 يناير 2003م الموافق 03 ذي القعدة 1423هـ