بينما انخرط الآلاف من المتظاهرين ضد الحرب في شوارع الولايات المتحدة في محاولة لوقف الغزو المرتقب للعراق، اقتحمت مجموعة تدعى «شاهد البيان» وسط مدينة سان فرانسيسكو وكونت شكلا يرمز إلى «السلام». في هذه الاثناء قاد سائقو السيارات مسيرة للمطالبة بتقليل الولايات المتحدة من اعتمادها على النفط الخارجي، ورابطت مركباتهم في كاتدرائية جريس.
ولوّح البيئيون بشعارات تحث الأميركان على «استخدام الطاقة الشمسية، وليس القذائف». وتساءل اتحاد العمال عن الحكمة من وراء انفاق 200 مليار دولار على حرب خارجية بينما موازنات الرعاية الصحية تتضاءل وتتلاشى، ويتدنى دخل الاسر العاملة، لأن تخفيضات الضرائب تمنح أكثرها للأثرياء على وجه الخصوص. كما خرج المجلس القومي للكنائس في مسيرة في واشنطن أشعلت فيها الشموع وتليت الصلوات، وتوجهت مسيرة أخرى إلى البيت الأبيض. وذكرت جمعيات السياسيين القدامى الرئيس بوش أن الحرب يجب أن تكون الملجأ الأخير، وليس إجراء وقائيا ومن دون فعل استفزازي.
وعبرت الأمهات والجدات في الريف عن قلقهن على مستقبل اطفالهن وابنائهن، فيما غنى جون بيز أغنيات السلام.
بمعنى آخر: تعتبر المظاهرات العظيمة التي خرجت في واشنطن وسان فرانسيسكو مع عشرات التجمعات الصغيرة الأخرى بين الشاطئين تأسيا بالمظاهرات المناوئة للحرب في فيتنام. وهي أيضا شيئ جديد تماما إذ تعبّر عن اجتماع رأي عام عريض على غير العادة أبعد من كونه جماعة يسارية عادية تظاهرت للاحتجاج على الامبريالية الاميركية.
ومع الأزمة العراقية تظهر الكثير من القضايا المختلفة في لحظة واحدة - الحرب على الارهاب، صورة أميركا في العالم، تهديد أسلحة الدمار الشامل، نظام الضربات الوقائية مقابل الدفاع عن النفس، تناقص الموارد في العالم، الأصولية الاسلامية، النزاع الفلسطيني الاسرائيلي وكثير غيرها- إذ تضع الحركة المزدهرة المناهضة للحرب نفسها بلا حدود وترمي بنفسها وراء كل الاحتمالات المفتوحة.
وكسبت هذه الحركة مطلع الاسبوع دعم مجموعة مؤثرة من المتبرعين للحزب الجمهوري، إذ قالت في إعلانها في صحيفة وول ستريت: «لنكن واضحين، لقد دعمنا حرب الخليج ودعمنا تدخلنا في افغانستان، قبلنا بمنطق حرب خاطفة، ولكن لاتجتاز حربك يابوش على العراق هذا الاختبار».
هذه التعاطفات اعطت منظمي المظاهرات زخما من الثقة بأن اميركا ستشهد اكبر الاحتجاجات ضد الحرب منذ حرب فيتنام. كما تساعد في ردم هوة عدم الثقة بين الولايات المتحدة واوروبا، إذ كان يتم التخطيط لتنظيم مظاهرات أخرى بنهاية الأسبوع في بريطانيا، وخططت مجموعات كثيرة من المتظاهرين سلميا لمحاصرة قاعدة نورثوود العسكرية في هيرتفوردشاير لإحياء الذكرى الثانية عشرة لحرب الخليج وسيهتفون ضد أي حرب في المستقبل.
لقد شاهدنا بعض الشكوك في اميركا بشأن العراق منذ 26 اكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، إذ خرج أكثر من 200 ألف شخص إلى شوارع وا شنطن وسان فرانسيسكو. لكن هذه المرة تشير كل المؤشرات إلى ان التجمعات ستكون أكبر بكثير.
ووفقا ل «انترناشونال آنسر»، فإن مجموعة صغيرة نسبيا من الجناح اليساري تولت القيادة التنظيمية. ويشير عدد الحافلات التي تقاطرت نحو واشنطن للمشاركة في مظاهرة قوامها 150,000. وعلى الشاطئ الآخر، نحو 60,000 الذين تظاهروا في سان فرانسيسكو في اكتوبر من المحتمل أن ينضم إليهم عشرات الآلاف بسبب زيادة مشاركة حركة الاتحادات، إذ حث أكثر من 50 اتحادا أعضاءه للتظاهر، وهو ضعف عدد المظاهرة السابقة. قوميا، تمثل الاتحادات اكثر من مليون عامل، إذ كونت مجموعة تدعى «عمال الولايات ضد الحرب»، وهو تطور واعد بسد الفجوة بين حركات الهبيز (الوجوديين) و«أصحاب القبعات الصلبة» والتي مثلت شوكة في جانب الحركة ضد الحرب اثناء فيتنام.
وتعتبر الاتحادات مهمة لسببين، أولا: بينما شاهد العالم المظاهرات ضد منظمة التجارة العالمية في سياتل قبل ثلاثة أعوام، فإن الاتحادات موحدة تستطيع تحريك أعداد ضخمة من البشر.
ثانيا: تشير مشاركتها إلى شيوع حال من عدم الرضا تمتد إلى ما وراء قضية السياسة الخارجية والأمن العالمي. وتكشف عن قلق الأميركيين على أوضاعهم الداخلية في ظل الرئيس بوش. إذ تظهر الاستطلاعات ان شعبيته انحدرت من 80 - 90 في المئة في العام الماضي إلى 60 في المئة الآن.
وأما بشأن العراق فتوضح الاستطلاعات وجود ارتباك او تشوش كبير وتصورات خاطئة، كوقوف صدام حسين مثلا وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر / ايلول، وان العراقيين من بين خاطفي الطائرات الانتحاريين. ولكنها أيضا تشير إلى رغبة واضحة في الحصول على تفسير اكثر من البيت الأبيض بشإن دوافعه للحرب، وألا يشن الحرب إلا بالتوافق مع حلفائه والامم المتحدة. ويشير آخر استطلاع للرأي نشره الخميس الماضي «مركز بيو للبحوث» أن دعم الحرب يصل إلى 76 في المئة اذا عثر مفتشو الاسلحة على دليل على وجود اسلحة دمار شامل في العراق. وإذا لم يجدوا دليلا فإن الدعم يتراجع إلى 29 في المئة فقط.وربما يجعل ذلك الولايات المتحدة أقل معارضة للحرب من الدول الأوروبية.
في بريطانيا أشارت الاستطلاعات التي أجرتها حركة مناوئة الحرب إلى ان المعارضة ربما تصل إلى 80 في المئة. ولكن هذه الايام تعتبر مبكرة، فحتى الحركة المناوئة لحرب فيتنام لم تنشأ حتى نشبت الحرب وزاد التورط فيها.وقد حدد موعد اكبر مظاهرة مقبلة في لندن ضد الحرب في 15 من الشهر المقبل. و دخل أثنان من سائقي القطارات سجل أول «معارضي الضمير» الصناعيين قبل عشرة ايام، بعد رفضهما نقل ذخائر ستنقل إلى الخليج. فيما حوصر رئيس الوزراء الاسبوع الماضي بالأسئلة من مجموعة متظاهري السلام في اسكتلندا
العدد 139 - الأربعاء 22 يناير 2003م الموافق 19 ذي القعدة 1423هـ