العدد 184 - السبت 08 مارس 2003م الموافق 04 محرم 1424هـ

الحسين والعدالة الاجتماعية

بدأ الإمام الحسين (ع) حركة تصحيحية كبرى من أجل أن يعيد إلى الوضع المعيشي والاقتصادي في ذلك الواقع توازنه. كان في انطلاقته يؤمن بأن الأمة، مجتمعا وسلطة، سقطت في أتون تلك الفتنة التي ذكرها رسول الله (ص) وحذر منها عندما قال: «لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال» ولذلك فإن سوء توزيع الثروة في الزمن الماضي والحالي يعد أزمة حقيقية، فهل يستطيع عالمنا أن يقول: «إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى»؟ وخصوصا في ظل هذا الواقع العربي المليء بالثقوب والشقوق والثغرات، من اقتصادية وسياسية واجتماعية؟ في ظل هذا الواقع الذي رسمه نجيب محفوظ والذي وصفه بضياع القرش الأبيض «تحت وطأة الغلاء الفاحش لا أظن أن القرش الأبيض قد أصبحت له قيمة في يومنا هذا».

وخصوصا بعد انتشار ظواهر اللعب بالمال العام وشيوع ظواهر السطو القائم على الثراء السريع.

الامام الحسين (ع) كان يهدف إلى (الاصلاح) لهذا الوضع، فقد كان يقول في خطبة له: «لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي»...

كانت العدالة في ذلك الزمن عدالة عرجاء، انتقائية تقفز على الفقراء... بعض التجار في ذلك الزمن رحلوا عن الدنيا تاركين وراءهم أموالا تكسر بالفؤوس ويأتي الذهب محملا على 40 بعيرا إلى خزانة واحدة هي خزانة معاوية في حين يموت أبوذر جائعا ليبحث فيها عن نبتة صحراوية فلا يجدها وهذا عينه يتكرر اليوم... الناس تتضور جوعا والسياسيون يزدادون بدانة وكروشا وشحوما.

هناك أكثر من جريمة اقتصادية تقترف بحق المجتمعات، إما ان تقوم على استغلال النفوذ أو عبر غسيل الأموال. وهناك الف تحايل وتحايل. ان أمثال هؤلاء يتحركون - سيكولوجيا - على أساس أن البشر لم يخلقوا بعد، وأن الدنيا لم تنجب أحدا غيرهم.

لقد أسماهم قديما رفعت المحجوب بالبقر السمان تأكل كل شيء أمامها بلا شعور أو احساس.

الامام الحسين - كما يقول الكاتب المسيحي انطوان بارا - كان بإمكانه أن يقبل العرض الأموي بقبول تسلم ولاية هنا أو هناك، لكن كل ذلك لا يمكن أن يقدم عليه الحسين لأنه كان يفكر في تحقيق العدالة الاجتماعية.

اننا نعيش اليوم أزمة عدالة اجتماعية... والأرقام تصيب الانسان بالذعر... لقد كشفت الأزمة الخليجية وجود (47) قصرا لصدام.

نحن بحاجة إلى رقابة حقيقية، ذلك ما دعا إليه الإمام الحسين (ع): عملية التصحيح، وتكون من الجميع لتأخذ العدالة مجراها ولتحاصر كل من يحاول أن يسطو على المال أن تتخذ دولنا ذلك حتى تجد استقرارا سياسيا واقتصاديا. فمن الحسين نتعلم هذه القيم وهذه المثل:

فيا واهبا أعطى الحياة بنهجه

إذا لزها الإعنات نهجا مسددا

وعلّمنا أن الفداء فريضة

إذا افتقر العيش الكريم إلى الفدا

تمجّد قوم بالخلود وانني رأيت

بمعناك الخلود مخلدا

ومجّدت جرحا في جبينك شامخا

يهز الجباه الخانعات ليصعدا

العدد 184 - السبت 08 مارس 2003م الموافق 04 محرم 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً