العدد 184 - السبت 08 مارس 2003م الموافق 04 محرم 1424هـ

المنبر و«المستقلة»

المنبر الحسيني بما له من حضور تاريخي، وما يحتله من مكانة، ويمارسه من تأثير إعلامي، وتوجيه ديني واجتماعي وعقدي وسياسي في حياة المسلمين، لا يحتاج إلى تدليل، فهو موجه للخطاب الديني العام، وصانع له، مؤثر بذلك في تكوين «العقل الجمعي» و«الرأي العام» لجموع «المتدينين»، بل لغالبية الناس الواقعين في البقعة الجغرافية التي يمارس فيها أداءه.

المنبر من هنا، كان لابد أن تكون له اشتغالاته الجادة، القائمة على بنية فكرية ودينية، تنحو لطرح الأفكار التي تلامس حياة الناس وأنماط معيشتهم وتفكيرهم، والأفكار التي من شأنها أن تحدث نهضة اجتماعية وفكرية وسياسية عامة، أي أن يكون بمثابة «الرافعة» الفكرية لبناء «رأي عام» واع وناهض، ذاهبا بعيدا بخطاب مشاكس لما هو «سائد» من دون أن يهادنه، أو يكون حبيس «راهنيته» و«لحظته»، لأنه ليس مطلوبا منه أن يتماهى مع أفكار «المريدين» بغية إرضائهم واستجداء عواطفهم، بل عليه أن يقوم بنقدنة هذه الأفكار وتفكيكها.

إن المنبر عندما يتماهى مع ما هو سائد وكائن، فهو بذلك كمن يهرب إلى «الأمام»، أي كما يقول الشاعر العراقي مظفر النواب «ويكتب عن كل قضايا الكون ويفر من وجه قضيته»، لأن هذا الهروب ما هو إلا عملية «إبراء ذمة»، تحقيقا لنوع من «الأمن الجمعي» الذي هو في حقيقته «ملهاة جماعية»، و«أفينة للمنبر»، تجعل الجميع يعيشون في حال من الاسترخاء النفسي والذهني وحالا من البهجة والفرحة، وكأنهم أخذوا بجميع «ثارات الحسين» ولم يبق ولا ثأر واحد يؤخذ!.

هذه الملهاة المنبرية، تتمظهر في انشغاله ومنذ أشهر بالرد والهجوم على فضائية «المستقلة»، التي استطاعت أن تتبوأ مكانة متقدمة بين الفضائيات، لا لشيء سوى أنها لعبت على التناقضات، وأثارت حوارا «تهريجيا» بين الاخوة/الأعداء «السنة والشيعة»، ليتنفس كل الصعداء منتصرا لفريقه، من دون أن يعوا أنهم يحضرون قداسا جنائزيا لما تبقى من «إسلام محمد بن عبدالله» (ص).

هذا الانشغال المنبري بفضائية «المستقلة» بلغ ذروته في «عاشوراء»، حينما أتت الفضائية بأحمد الكاتب، ليقدم رؤيته النقدية بشأن موضوع الإمامة لدى الشيعة، ما جعل الخطباء يركزون في موضوعاتهم على نقد أطروحاته، منشغلين بها عما سواها من الموضوعات.

أن تكون هنالك قراءة ناقدة لفضائية «المستقلة»، وأن تكون هنالك قراءة ناقدة لأفكار أحمد الكاتب أمر مشروع، ومن حق أي عالم دين أو مثقف أو باحث أن يقدم نقده لهما، ولكن أن يتحول هذا النقد إلى سياق عام، وإلى خطاب موجه إلى عموم الناس، بشكل يوحي وكأن المجتمع يعيش «أزمة عقدية» أمر يظل محل سؤال وتأمل، كونه يتماهى في كثير من مفرداته مع «الرأي الجمعي» الذي من المفترض أن يكون المنبر مشاكسا وناقدا له.

المشكلة أن لا أحد لحد الآن - بحسب علمي وتاريخ نشر هذا المقال على الأقل - حاول أن يفكك خطاب «المستقلة» ويدرسه بوصفه خطابا يؤثر في صناعة سياقات فكرية واجتماعية، وبوصفه خطابا إعلاميا له آلياته و(تيماته) الخاصة التي يشتغل عليها. السؤال يبرز عن مدى الوعي بمفهوم «الميديا» ومفهوم «الخطاب الإعلامي» وصناعة «الرأي» لدى الجمهور، وكلها قضايا مهمة غابت عن المنشغلين بالمستقلة.

أن تضخم المسألة وكأن المجتمع يعيش أزمة «عقدية» هو عين «الهروب إلى الأمام»، لتبقى كثير من المشكلات مؤجلة ومعلقة من دون نقاش، في وقت ومنعطف تاريخي من مصير المنطقة، والحرب الأميركية على الأبواب، والكولونيالية الأميركية التي تدشن لحقبة جديدة من الاستعمار «الكريه»، فيما المنبر يقفز إلى الأمام مستنفدا كل قواه في موضوع يمكن أن يكون مفردة من مفردات خطابه، لا أن يستهلك الخطاب بكامله ويختزل في هذه المفردة.

هو طعم، ومصيدة، وملهاة، قذف به الهاشمي الحامدي من علبة صغيرة بـ «لندن» وتلقفها المنبر ببهجة وحبور وأهمية، فهنيئا للمنبر العم/الكنز، وهنيئا للهاشمي رميته الناجحة!

العدد 184 - السبت 08 مارس 2003م الموافق 04 محرم 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً