العدد 189 - الخميس 13 مارس 2003م الموافق 09 محرم 1424هـ

أيام عاشوراء في مصر... زينات ومواكب وأناشيد

من «سِمَاط الحُزن» إلى «المِيْعَة المباركة»:

من بين أعياد مصرية كثيرة تضرب بجذورها في عمق الثقافة والفكر الديني السائد - لا فرق في ذلك بين سني أو شيعى - يحتل الاحتفال بـ «يوم عاشوراء» موقع الصدارة في نفوس الملايين من المصريين، يوم من أيام الله يستلهم ذكرى من شأنها أن تعمّق الشعور بالتشيع لآل البيت الكرام، الذين يحظون بمكانة ومحبة خاصة في نفوس المسلمين عامة والمصريين على وجه الخصوص.

احتفل المصريون بيوم عاشوراء منذ أكثر من ألف عام، واتخذ الاحتفال به اشكالا كثيرة، ويشير المؤرخ ابراهيم عناني في دراسة مهمة عن الاحتفالات الدينية في مصر إلى مظاهر احتفالات المصريين بيوم عاشوراء في العصر الفاطمي، مشيرا إلى ما اتخذته تلك الاحتفالات حينذاك من شكل رسمي، إذ أصبحت مصر تحتفل به وتعتبره عيدا من أعيادها الرسمية، لكنه على العكس من الأعياد الأخرى، كان في تلك الفترة عيدا للحزن والبكاء، تعطل فيه الأسواق وتقفل الدكاكين ويخرج الناس ومعهم المنشدون إلى الجامع الأزهر إذ تتعالى أصواتهم بالبكاء، لكن عندما نُقل رأس الحسين (ع) إلى القاهرة بات الناس يخروجون إلى المشهد الحسيني بدلا من الجامع الأزهر.

وكان من ملامح الاحتفال في مصر حينذاك أن يحتجب الخليفة عن الاهالي، فيما يركب قاضي القضاة بملابس عادية في أول النهار ويذهب إلى المشهد الحسيني ومعه الشهود، فإذا جلسوا فيه ومعهم قراء «الحضرة» والمتصدرون في الجوامع، جاء الوزير فجلس في الصدر وعلى جانبيه القاضي والداعي، فيبدأ القرّاء القرآن الكريم، ثم ينشد جماعة من الشعراء شعرا في رثاء أهل البيت (ع)، لمدة تصل إلى ثلاث ساعات يُستدعون بعدها إلى القصر فيدخل قاضي القضاة وداعي الدعاة ومن معهما إلى «باب الذهب»، فيجدون الدهاليز قد فرشت بالحصر بدل السجاد، فإذا اكتمل هذا الجمع بدأ القرّاء يقرأون والمنشدون ينشدون للمرة الثانية، ثم تمد موائد تسمى «سماط الحزن»، إذ انها لا تحتوي على الحلوى أو الأطعمة الفاخرة، وإنما تقدّم فيها ألف زبدية من العدس الأسود والعدس المصفى والملوحات والمخللات، والأجبان والألبان وعسل النحل، والخبز والفطير المصنوعان من الشعير، وقد غُيِّر لونهما قصدا، ويُدعى الحضور والناس إلى الأكل على هذا السماط، وفي ذلك الوقت يمرّ النوّاحون بالأسواق وهم يرفعون أصواتهم بالبكاء والنحيب والانشاد.

الأيوبيون على نهج الحَجَّاج

وعندما انتهى العصر الفاطمي وبدأ العصر الأيوبي السني تغيرت طريقة الاحتفال بهذا اليوم، إذ اعتبره ملوك بني أيوب يوم فرح وسرور، فراحوا يوسعون فيه على عيالهم ويكثرون من الأطعمة الفاخرة ويصنعون ألوان الحلوى ويكتحلون، جريا على عادة أهل الشام التي سنّها لهم الحجاج في أيام عبدالملك بن مروان، وظل هذا التقليد على النمط الذي رسمه العصر الأيوبي متبعا في عصر المماليك وفي العصور الآتية، غير أن هذا الاحتفال صحبه خلال العصور المختلفة كثير من الخرافات التي انمحى بعضها الآن، وبقي البعض الآخر متداولا في القرى والأحياء الشعبية.

وكان العامة في مصر حتى تلك الفترة يعتقدون أن الجن يزورون بعض الناس في احدى ليالي العشر من المحرم، ويظهرون أحيانا على هيئة «سقاّء» يسمّى «سقا العشر»، لذلك فقد كانوا يُفرطون «يوم عاشوراء» في اطلاق البخور، بينما يطوف باعته الشوارع وهم ينادون بصوت ملحّن: «يا بخور عاشورا المبارك... يا بركة عاشورا المبارك... أبرك السنين على المؤمنين يا ميع مباركة»، والميعة خليط من أنواع البخور والكزبرة والحبة السوداء، الملح الملون بالأزرق والأحمر والأصفر والشيح، وتراب اللبان. وكان يحدث أن ينادي المشتري على البائع ويطلبه إلى داخل منزله فيضع البائع صينية يحملها على رأسه فوق الأرض، ويتناول طبقا أو قطعة من الورق ويضع فيها قليلا من كل صنف، ويلقي أثناء ذلك نشيدا طويلا يبدأ بقوله: «باسم الله وبالله لا غالب إلا الله رب المشارق والمغارب، كلنا عبيده، يلزمنا توحيده، وتوحيده جلاله....»، ثم يثني على مزايا الملح ويبدأ في رقية أهل المنزل بأقوال لا شيء فيها - باستثناء البسملة - إلا أنها تعتمد على السجع، فيقول مثلا: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن كل عين حاسد، بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل نفس أو عين أرقيك من عين البنت أحمى من الخشت، ومن عين الولد أحمى من الزرد، ومن عين الراجل أحد من المناجل، ومن عين الضيف أحد من السيف ومن عين الجار أحد من النار... إلخ»، ثم يروي الراقي بعد ذلك كيف أبطل سليمان (ع) حسد العين، ويأخذ في تعداد أثاث المنزل ورقيته واحدا واحدا.

المماليك: زينات ومطربون

وفي عصر المماليك بدأت احتفالات المصريين بأيام عاشوراء منذ اليوم الأول في شهر المحرم حتى العاشر منه، الذي كانت تكثر فيه الزينات وتمدّ الولائم وتسير المواكب وتنشد الأناشيد، ويحضر السلطان إلى القلعة ومعه الشيوخ والقضاة وأهل العلم والأمراء، ويبدأ القراء في تلاوة القرآن الكريم والمنشدون في الانشاد ، فإذا ما انتهى كل منهم دفع إليهم السلطان صرّة فيها دراهم من الفضة، وحينما تنقضي صلاة المغرب تمد الأسمطة ويوزع منها على الفقراء، قبل أن يمضي الجميع بقية الليل في سماع المطربين حتى الفجر، أما عامة الناس فكان كل بيت يأتي بمشاهير القراء لتلاوة القران الكريم ثم ينشد المنشدون القصائد بصحبة الآلات الموسيقية.

وما يزال المصريون يحتفلون حتى الآن بيوم عاشوراء ولكن على طريقتهم الخاصة، فمن العادات التي لاتزال متبعة «حلوى عاشوراء»، وهي نوع من الحلوى يصنع من الحبوب أو القمح عادة، ويطبخ على شكل «البليلة» إذ يضاف إليه اللبن والسكر وبعض الياميش والمكسرات مثل الجوز واللوز والبندق، ثم تقوم الجارات بتوزيعه على بعضهن بعضا مع الامنيات بموسم سعيد بأن تتزوج فيه البنت في العام المقبل، ويعود فيه الابن الغائب ويشفى المريض ويعافى.

تأويلات غامضة

وظل يوم عاشوراء يحمل لدى العامة من البسطاء في مصر الكثير من التأويلات بشأن سر الاحتفال به، فهناك من يقول إنه اليوم الذي تقابل فيه آدم وحواء لأول مرة بعد طردهما من الجنة، وقيل إنه اليوم الذي خرج فيه نوح من سفينته، لكن يظل السبب الرئيسي في تقديس المصريين لهذا اليوم الذي استشهد فيه الحسين رضي الله عنه، الذي ينظر المصريون بمزيج من الاعتزاز والفخر إلى أن رأسه الشريف موجود عندهم في مشهده الشهير بمصر القديمة

العدد 189 - الخميس 13 مارس 2003م الموافق 09 محرم 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً