وصف المفكر محمد السماك الحرب الأميركية المحتملة على العراق بانها «استعمارية من نوع جديد ولا علاقة لها بالمسيحية وليست صليبية»، داعيا المسلمين إلى عدم ردات الفعل باستقراب الخصم بان يكون مسيحيا في حين اننا واياه في خندق واحد ضد الفكر المسيحي المتصهين والذي يحرج اليهود انفسهم في أميركا.
السماك الذي أصدر الى الآن 19 مؤلفا وآخر على الطريق يتناول الفكر المسيحي المتصهين الذي استولى على القرار السياسي في أميركا، كان قد حذر في دراسة اصدرها العام 1990 من استهداف الاسلام بعد انهيار الشيوعية . ومعه دار هذا الحديث .
ألا تعتقد ان وصف الفاتيكان للحرب الأميركية المحتملة على العراق بالصليبية انما هو تفسير آخر للكلمة التي نعهدها تاريخيا، ويمكن لها بالتالي ان تضعف معنى الكلمة بالنسبة إلينا من انه صراع اسلامي - مسيحي؟
- ان البداية موفقة لمثل هذا اللقاء، لان عبارة الصليبية التي ذكرها الفاتيكان جاءت في سياق تنديده بالحرب المحتملة على العراق، فالتنديد باستخدام هذه الكلمة انما هو للاعراب عن رفض الحرب، والفاتيكان هنا على قدر كبير من الاهمية، فهو يندد بالحرب وايضا بالروح التي اتسمت بها الحروب الصليبية التي يسميها العرب حروب الفرنجة. وهذا يعني ان الفاتيكان - ولو بصورة غير مباشرة - يدين الحروب الصليبية، ويفصل تطلعات الفاتيكان واخلاقيات المسيحية وقيمها عن تلك الحروب، اي الحروب الصليبية كما نعرفها وحملة الرئيس بوش على العراق. وهذا الموقف له بعدان: الاول بعد آني وزمني من خلال الموقف المبدئي بمعارضة الحرب من خلال القيم والتعاليم المسيحية، والثاني بعد تاريخي، اي ادانة الحروب الصليبية بمعنى استغلال الدين لتحقيق اهداف سياسية واقتصادية وهو ما يجري الآن بالاسلوب نفسه.
لقد تعرض الاسلام ومايزال كفكر وقيم لحملة شرسة منذ ما بعد 11 سبتمبر/ ايلول، قد تعرض هذه القيم والانتماء لدى البعض الى الاهتزاز. كيف يمكن تجاوز هذه الحملة، وما الآلية الأفضل لذلك؟
- ان الحملة على الاسلام لم تكن تنتظر 11 سبتمبر. بمجرد انتهاء الحرب الباردة كتبت دراسة نشرتها في كتيب بعنوان «هل الاسلام هو الهدف؟» وكان ذلك في العام 1990. وذكرت انه في احتفال جرى في بروكسل للامين العام لحلف شمال الاطلسي بمناسبة تغييره، اذ القى الرئيس السابق للحلف خطابا قال فيه انه يجب الآن ان ننتهي من حروبنا وصراعاتنا العبثية وان نتفرغ لمواجهة العدو الحقيقي وهو الاسلام. لم يكن يومها 11 سبتمبر.
هذا من الناحية التخطيطية ، لكن ظهور العداء السافر بهذا الشكل كان بعد 11 سبتمبر...
- ظهرت في الجانب الأميركي وكان اسلوبا فظا وتميز بالغطرسة. اما المواقف الاخرى فتم تغليفها باسلوب آخر. منذ انتهاء الحرب الباردة وبعد ان حققت الولايات المتحدة انتصارها في الحرب الباردة في بداية التسعينات بدأت منذ ذلك الوقت التفكير في وضع السياسة الاستراتيجية للسياسة الخارجية الجديدة، وانه يجب وضع اطار فلسفي لهذه السياسة، وعكف خبراء أميركيون على وضع اسس هذه الفلسفة والبحث عن عدو مشترك يجمع جانبي الاطلسي، وكان هناك اجماع أوروبي أميركي بشأن هذا العدو وهو الاسلام. وهنا برزت نظرية صموئيل هنتغتون كحاجة وليس كدراسة علمية.
بوش رفض مقابلتهم
ألا يخفف هذا الانقسام السياسي الذي برز بسبب الحرب المحتملة على العراق بين ضفتي الاطلسي من نظرية صراع الحضارات، وكذلك ألا يخفف الرفض الكنسي الكاثوليكي لهذه الحرب من حدة هذه النظرية؟
- ان الموقفين الأوروبي والكنسي على درجة عالية من الاهمية وهذا ما يسبب الارباك الأميركي. والموقف الكنسي ديني اخلاقي وايماني، لانه ليست الكنائس الكاثوليكية التي ترفض الحرب وانما الارثوذكسية والانجيلية وتلك التي ينتمي إليها بوش. وهؤلاء أرسلوا وفدا يمثل كنائسهم لكن بوش رفض استقبالهم، وهذا يحصل لاول مرة في التاريخ الأميركي ان يرفض رئيس أميركي معروف عنه تدينه والالتزام بالممارسة الدينية. فهو صباح كل يوم وقبل ان يدخل مكتبه في البيت الابيض يحضر القداس في البيت الابيض مع جميع الموظفين الذين يمنع عليهم ان يدخلوا مكاتبهم قبل حضور القداس. وذكر ذلك كاتب خطب الرئيس بوش الذي ترك عمله الآن وحل مكانه شخص آخر. هذا ليس عيبا ونحن نحترم ايمانه بكل معنى الكلمة، ولكن تسييس هذا الايمان تقع هنا المشكلة. وعلينا البحث عن الكنيسة او الحركة الكنسية التي تسيطر على فكر بوش السياسي الديني.
لقد أشرت من خلال مؤلفات عديدة لك إلى هذا الفكر اليميني المسيحي المتصهين في الادارة الاميركية. هل ان هذا الفكر هو الذي يثير مخاوف الكنيسة الكاثوليكية برأيك؟
- طبعا، هؤلاء يصفون البابا بأنه عدو المسيح، وبالامكانات المادية الكبيرة التي يتمتع بها هذا التيار فانها تغزو اميركا الجنوبية الخزان البشري للكاثوليكية في العالم.
وللفقر ايضا؟
- لذلك تعمل على استغلال الأوضاع الاجتماعية هناك ولديها مؤمنون متفرغون لنشر نظرياتهم، ويقولون إن الانسان باستطاعته ان يحقق الارادة الإلهية، وانهم هم الذين يحملون هذه الرسالة لتحقيق هذه الارادة. نحن امام مجموعة تسيطر على القرار السياسي والاعلام الأميركيين. ان هذه الحركة الدينية غير اليهودية بل المتصهينة تحرج الصهاينة اليهود داخل الولايات المتحدة بتطرفها. انها تملك الجهاز الاعلامي الذي يتحرك على مدار الساعة من الاطلسي الى الباسيفيك. ولها ثروة مالية كبيرة ونفوذ سياسي فأعطت الرئيس بوش 40 في المئة من مجموع الاصوات التي حصل عليها. ولذلك فإنها قضية كبيرة جدا، وعلينا عدم التخفيف من غلوائها. فعندما يقول بوش انه مؤمن بهذه الافكار وملتزم بقراراتها فان القرار السياسي في الشرق الاوسط لم يعد قرارا تمليه المصالح الأميركية وانما قرار ديني يستجيب لايمان ديني له حسابات مختلفة.
ما الذي يمكن ان يردع هذا النوع من التوجه الديني؟
- الذي يمكنه ذلك هو الداخل الأميركي، الكنائس الأميركية بمختلف فئاتها، لان جميع هذه الكنائس ترفض هذه الحركة الانجيلية المتصهينة من حيث العقيدة والسياسة، لكن تحتاج هذه المجموعة الكنسية الى التنسيق والى فهم العالمين العربي والاسلامي، وان نتواصل معها وتنفتح عليها. نحن نعاني من قضية خطيرة جدا وهي اننا نبسط الامور ونعتبر ان اليهود والصهيونين المسيحيين في أميركا يسيطرون على البيت الابيض وعلى الاعلام، ان هذا ليس صحيحا.
ما دور المثقفين العرب وما الذي يقعدهم عن لعب دور تجديد الحوار او التواصل مع الاوساط المعارضة لهذا الفكر اليميني المسيحي المتصهين الذي بات له الشكل السياسي النافذ؟
- ان المجتمع الاميركي مجتمع مفتوح بما يجعل امكانات التعامل معه اذا توافرت الارادة والمعرفة لتأثير هذا المجتمع في القرار السياسي الأميركي أن يحقق المعجزات. نحن نفتقر الى تركيبة المجتمع الأميركي وإلى الجسور التي نعبر منها الى مؤسساته وكنائسه واعلامه، ثم اننا لا نملك الارادة لهذا الامر. الآن ونحن نتلقى هذا السيل من الضربات والاهانات من الولايات المتحدة لابد انها ستوقظ في المؤسسات الفكرية والدينية الاسلامية والمسيحية العربية الضمير وتوقظ فينا ضرورة التحرك الى المجتمع الأميركي، لاننا لا نستطيع ان نغير في البيت الابيض أو الكونغرس، وانما من خلال المجتمع الأميركي عن طريق الكنائس والمجتمع الاهلي ومن خلال مجموعة من المثقفين والشعراء وحاملي جائزة نوبل، اذ ان هؤلاء اتخذوا مواقف زايدت على الموقف العربي والاسلامي من الحرب على العراق. هذه تكشف عن وجود ارضية لتحرك عربي اسلامي ولكن نحن مقصرون ولا يجب ان نلوم الآخرين.
هل باتت عناوين لجنة الحوار الاسلامي المسيحي الذي انت احد اعضائها في لبنان مختلفة عما كانت في السابق؟
- طبعا نحن حذرون جدا من ان تأخذ المرحلة المقبلة طابع الصراع الديني. ان الشعور عند العالم الاسلامي بأنهم مستهدفون لاسيما في ظل حرب على العراق، وبالامس صدرت فتوى من الأزهر تدعو إلى الجهاد، فإن هذا يعطي الطابع الديني للصراع وبالتالي قد يؤثر على العلاقات الاسلامية -المسيحية على المستوى المحلي والعالمي، انها قضية حساسة جدا كأن تنطلق ردات فعل تستقرب ما تعتبره خصما في حين انه في الخندق الاساسي للمعركة معنا. نحتاج الى عمل توعية لاننا قد نتعرض لحملات اعلامية تستدرج البعض لتستكمل المخطط الجهنمي. على المسلمين والمسيحيين لتوظيف المواقف المسيحية التي صدرت عن الفاتيكان وعن الكنائس العربية والعالمية وكنائس الشرق الاوسط لكي نقول اننا والمسيحيين في خندق واحد، وان هذه الحرب ليست حربا دينية ولا هي حرب صليبية جديدة، وانما هي حرب استعمارية من نوع جديد توجب علينا جميعا الوقوف ضدها
العدد 189 - الخميس 13 مارس 2003م الموافق 09 محرم 1424هـ