على مدى عشر أمسيات متتالية استمتع الجمهور المصري بالسيرة الهلالية على لسان راويها الأشهر الشاعر الشعبي الضوي آخر رواة السيرة العظام، وشعرائها الشعبيين المتبقين في صعيد مصر. تألق العم الضوي في «بيت السحيمي» بمنطقة الجمالية، وأبدع شاعر العامية الكبير عبدالرحمن الأبنودي، في تقديمه لـ «الهلالية» وأبطالها ليؤكد من جديد أن اكثر من ثلاثين عاما من سِني عمره طارد فيها الشعراء الشعبيين وروات السيرة في مختلف بلدان مصر والوطن العربي لم تذهب هباء.
ويعتبر الأبنودي السيرة الهلالية «رسالة عمره» التي ينبغي توصيلها إلى جمهور جديد، وفى سبيل ذلك نشر الأبنودي كلما جمعه من نصوص على لسان الشعراء الشعبيين، في مجلد كبير صدر العام الجاري عن مشروع «مكتبة الأسرة» فضلا عن محاولاته الناجحة التي انتهت إلى إقناع العم سيد الضوي، أبرز الشعراء الحاليين بالسفر إلى العاصمة، والتواصل مباشرة مع جمهور غالبيته من الشباب الذين يجهلون السيرة ولا يعرفون من حوادثها سوى النزر القليل الذي جاءهم مشوها عبر الدراما التليفزيونية.
وتعد «سيرة بني هلال» الملحمة الأعظم في التراث العربي، ويعرف دارسوا الأدب الشعبي، أنها لا تروى لمجرد السمر أو الترفيه، وإنما بدافع أنبل وأعظم، ربما لأنها وحسبما يقول الأبنودي «تعبير عن ارتباط المواطن العربي في نفسه وفي أمته كما ينبغي أن يكون» ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تستدعى في أوقات المحن والشدائد التي تمر بها الأمة، فالمصريون على سبيل المثال كانوا أقرب إلى السيرة وقت أن جاءتهم الحملات الصليبية، كما أن محاولة الأبنودي ذاتها لجمع السيرة جديا بدأت في العام 1967.
وتشير مراجع علمية إلى أن السيرة الهلالية اكتملت باعتبارها ملحمة في مرحلة المد الاستعماري الصليبي، وكانت الإشارة الأبرز إشارة للسيرة في كتب التاريخ فى مقدمة «بن خلدون» الذى حاول تتبع أنساب الهلالية وأصولهم، وبغض النظر عن الجدل عن مساحة الواقع والخيال والتداخل بينهما داخل الروايات المتعددة إلى السيرة إلا أن المؤكد أن «سيرة بني هلال» اعتمدت على الواقع التاريخي الذي أنتجته عن وعي، ثم سمحت للخيال فيما بعد أن يعيد صوغه، رغبة في إذكاء روح النضال والمقاومة، وتجسيم الخصائص التي يمتاز بها العرب في نظر أنفسهم عن بقية الأقوام.
ومرت «الهلالية» بثلاث مراحل، أولها تتحدث عن بنى هلال في أرض اليمن، فيما تروي المرحلة الثانية قصتهم في نجد، والثالثة التى تسمى «التغريبة» رحلتهم إلى الشمال الافريقي بحثا عن المراعي الخضراء وهربا من الجفاف والقحط، وتورد السيرة بالتفاصيل الظروف التي خرج فيها البطل الملحمي أبوزيد الهلالي سلامة إلى الحياة، وهو الخروج الذي لم يكن طبيعيا مثل باقي الأطفال، فقد حدث أن تزوج الأمير رزق - والد أبوزيد - عشر نساء، لكنه لم يكن يجمع بطبيعة الحال إلا بين أربع منهن فقط، كما يقضي بذلك الشرع، وما آلمه وحز في نفسه أنه أنجب من زوجاته العشر ابنتين، ولما أتت إحدى نسائه بصبي ولدته مشوها. وتزوج رزق من «خضرة» ابنة شريف مكة التي حملت ففرح الأمير بذلك، وبعث إلى الأمير غانم رأس بني زغبة دعوة ليشاركه الحفل بولادة ابنه من بنات الأشراف، فاستجاب لدعوته، وحدث أن خرجت «خضرة» مع الأميرة «شمة» إحدى زوجات السلطان سرحان سلطان الهلالية، فرأت طائرا أسود ينقض على جمع من الطير من مختلف الألوان، فيتغلب عليه، ويقتل الجانب الأكبر منه، فما كان من «خضرة» الا أن رفعت وجهها إلى السماء تدعو الله أن يمنحها غلاما على شاكلته، ولو كان فاحم اللون، فاستجاب الله لها.
وولد أبوزيد، ولم يصدق الأمير رزق أن الغلام ولده، ولما رأى ضيوفه الغلام، أعلنوا أن بقاءه في دار أبيه، سيجر العار عليه وعلى قومه جميعا، فأذعن الأمير رزق لطلبهم كارها، وأرسل الشريفة «خضرة» مع ابنها إلى أبيها في مكة ولكنها لم تذهب، ونزلت واديا لترتاح، فلقيها الأمير «فضل بن بيسم» وعرف خبرها فاحترمها، و في دياره نشأ الفتى «بركات» - أحد أسماء أبوزيد - الذي بدأت تظهر عليه علامات القوة، حتى إذا بلغ الثانية عشرة استطاع أن يكون فارس القبيلة الشجاع وأكثرها ثقافة وعلما بمعارف عصره.
وتروي الملحمة أن «بركات» عندما طلب إلى الأمير «فضل» جوادا، رد عليه بما يريب بنوته له، فانكفأ إلى أمه، إذ قالت له: إن الأمير فضل هو عمه، وان أباه قد قتل على يد الهلالي «رزق» فأقسم أن يأخذ بثأر أبيه، ثم تصور الملحمة «رزق» الذي اعتزل قبيلته حزنا على زوجه وابنه، وقد نزح كثير من قومه بعد جدب حل في أرضهم، إلى أراضٍ مملوكة لقبيلة الأمير «فضل» لكن بركات تصدى لهم والحق بهم هزيمة منكرة، فأرسل السلطان «سرحان» يستنجد بالأمير «رزق» والتقى الابن بأبيه في أرض المعركة، وكاد بركات أن يقضي على أبيه لولا أن نهته أمه وأخبرته بالخبر اليقين، فأقر الابن بأبيه، واسترد زوجته، واعترف بنو هلال بمكانة «بركات» أو «أبوزيد».
وتصور الرحلة ما لاقته قبيلة أبوزيد الهلالي من عقبات كثيرة، تخلصوا من بعضها بالقتال، ومن بعضها الآخر بالحيلة، وعند أسوار «تونس» حيث فروا إليها هربا من القحط الذي ضرب الجزيرة العربية، سقط الكثير من فرسانهم لأن خصمهم كان هو الآخر مثلهم شجاعا ومقداما وفارسا، ولم ير الوجدان الشعبي بأسا من أن يتنكر «أبوزيد» في زي امرأة تبيع العطور ليعرف أحوال الأعداء ويؤمن النصر لقبيلته.
ويعد الشاعر الشعبي سيد الضوي أحد أهم شعراء السيرة الهلالية في مصر الآن بعد رحيل شاعرها الأول جابر أبوحسين، وولد الضوي في إحدى القرى التابعة لمدينة قوص بمحافظة قنا جنوب مصر في العام 1934 ويصفه الابنودى بقوله «هو أحد شاعرين كبيرين حقيقيين التقيت بهما أثناء رحلة جمع السيرة التي زادت عن 35 عاما، الأول هو الراحل جابر أبوحسين والثاني هو عم الضوي الذي لا تعرف أن كان هاويا أو محترفا فهو يروي السيرة كل مرة بشكل مختلف ويملك الإضافة والقدرة على الإبداع التلقائي المبتكر».
وتعلم الشاعر سيد الضوي السيرة من والده، الذي تعلمها من أخيه، ويقول فى ذلك : كان والدي يحكي أنه نام في إحدى الليالي وترك «ربابه» معلقا فوق رأسه فسمعه يعزف من دون أن يقترب من أوتاره فاعتبر هذه إشارة بأهمية أن يتعلم الهلالية ويرويها
العدد 193 - الإثنين 17 مارس 2003م الموافق 13 محرم 1424هـ