في المناظرة الأخيرة بين خبراء استراتيجيين فرنسيين وأميركيين بشأن المواجهة الفرنسية الأميركية عن العراق، قال الجنرال طوني سميث إنه من غير المعقول ـ بتقديره ـ أن يوجد أكثر من 200 ألف جندي أميركي على حدود العراق، تبلغ كلفة وجودهم ما يقارب 100 مليون دولار يوميا، ورئيس الولايات المتحدة يؤكد أنه ذاهب في سعيه إلى الحرب على العراق حتى النهاية، ثم يقوم المجتمع الدولي بالمطالبة بوقف الحرب. فهذا الشيء من وجهة نظره غير معقول تماما ولا يمكن التفكير فيه أبدا.
يا لها من سفاهة وسخافة في التفكير بهذه الطريقة الإجرامية المجردة من أي حس إنساني تجاه العرب والمسلمين. لم نسمع مثل هذا الكلام من قبل حينما احتدمت المعركة السياسية بين الاتحاد السوفياتي وأميركا بشأن أزمة الصواريخ التي كان الاتحاد السوفياتي يعتزم نصبها على الأراضي الكوبية ومعارضة الولايات المتحدة، لذلك حين حشدت الدولتان النوويتان أكبر آلات القتل والدمار، وكان العالم يقف على فوهة بركان، فإن نذر تداعيات تلك المحنة التي كانت ستمس بشكل مباشر مصالحهم الخاصة حالت دون اندلاع الحرب، إذ عمل الجميع على نزع فتيل المشكلة وانسحبت آلات الدمار من دون إراقة دماء أو إحداث أي خراب لأية دولة من الدول الثلاث. في تلك اللحظة لم يفكر أحد في ضخامة كلف سحب القوات، بل فكروا فيما هو أسمى من ذلك وهو الحفاظ على أرواح البشر وتلافي ما يمكن أن تسببه الحرب من كوارث داخل جمهورية كوبا بؤرة الحدث، أو طرفي النزاع، الاتحاد السوفياتي وأميركا. كان الهلع من ان يطولهم الدمار بشكل مباشر أو غير مباشر هو الهاجس لكل طرف.
أما في وضعنا نحن وفي خضم كل ما يثار من مخاوف نتائج الحرب وتأثيراتها علينا نحن فقط واستحالة أن تطول هذه التأثيرات أميركا بأي ضررش من الجانب العراقي، تراهم يصرون ويصرّحون بأنه لا يمكن ومن غير المعقول وان التزم العراق بجميع شروط وقرارات الأمم المتحدة أن يطالب أحد بوقف الحرب في هذه المرحلة لأن الجند حُشد وآلات الدمار نُصبت ونفقات نقلها ووجودها في أرض المعركة صرفت، لذلك كله لا يمكن لهذه القوات والمعدات أن تعود من دون تسديد فاتورة سبب وجودها، وهي الرغبة التي أفصحت عنها تصريحات المسئولين الأميركيين وتتمثل في الآتي:
- توفير الأمن الكامل والسلام والاعتراف المتبادل بين العراق و«إسرائيل».
- تجريد العراق وأية دولة عربية أو إسلامية من أية قوة تهدد الاستقرار الأمني لـ «إسرائيل».
- تأمين الوجود المجاني للقواعد الأميركية في المواقع الاستراتيجية بالبلدان العربية والإسلامية.
- تأكيد دوران الدول العربية والإسلامية في فلك السياسة الأميركية.
يا لها من مفارقات في التعاطي مع نذر هذه الأزمة من كوارث على النظام العالمي، فبالأمس رفضت بريطانيا العظمى «ونستون تشرشل» منطق القوة والهيمنة الذي كان يريد أن يفرضه هتلر (ألمانيا) على العالم، فقررت بريطانيا دخول الحرب ضد ألمانيا لفرملة اندفاعات رغبة ألمانيا في السيطرة على العالم. وما أشبه اليوم بالأمس، إذ يقوم هتلر اليوم (بوش أميركا) بدور هتلر الأمس في فرض السيطرة على العالم، ولكن بعكس الدور الذي لعبته بريطانيا بالأمس، إذ رفضت ذلك العمل. أما بريطانيا اليوم التي يسيطر عليها المتصهين بلير، فهو يؤيد سيطرة هتلر اليوم ويدفعه دفعا حثيثا إلى إشعال الحرب في عالمنا العربي الإسلامي ليشفي نزاعاته الإجرامية بمزيد من القتل والدمار في هذه المنطقة.
وبعد أن فضح العراق كل الممارسات وتلك المغالطات في التقارير الكاذبة التي أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير ووزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية كولن باول من خلال استجاباته الفورية وتعاونه التام مع طلبات المفتشين الدوليين والتي أشاد بها فريق التفتيش من خلال رئيسها هانز بليكس، تبرز هنا عدة أسئلة تطرح نفسها علينا بصفتنا شعبا عربيا مسلما وخصوصا نحن الخليجيين.
أولا: هل يجوز لقوات جاءت لتفتك بشعب العراق ولتستبيح أرضه وسماءه ومقدراته ان تكون أكثر ترحيبا ووجودا وأمنا في بلدان الخليج العربي منها في البلدان الأخرى؟
ثانيا: هل يجوز أن ندفع بأبنائنا إلى جبهة قتال لا ناقة لنا فيها ولا جمل من دون أن نستأنس برأي ممثليهم الشرعيين في هذه المسألة الخطيرة التي نعرض فيها أبناءنا لخطر القتل من أجل رغبات أميركا في تحقيق أمن «إسرائيل» وتعميق الكراهية والعداء لأجيال قادمة بين العراق والكويت؟
علي محمد جبر المسلم
العدد 195 - الأربعاء 19 مارس 2003م الموافق 15 محرم 1424هـ