تطور البنتاغون الأميركية في العقدين المقبلين استراتيجية حربية جديدة تقوم بالكامل على التكنولوجيا المتطورة والمتوجب عليها التأقلم مع اسلحة الغد لحماية حدود الولايات المتحدة.
وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، الأكثر تأثيرا وقوة في ادارة بوش السياسية، وفرق العمل حوله منهمكون في نقاش مستمر قد يطول بضعة اشهر بشأن افضل الطرق لتخفيض عدد فرق الجيش ومجاميع حاملات الطائرات وعدد الطائرات التكتيكية والاعتماد اكثر على قاذفات الصواريخ البعيدة المدى وانظمة المعلومات والاتصالات. وستتخلى سياسة الدفاع الجديدة عن استراتيجية الفوز في اثنين من الحروب الاقليمية الكبيرة مع العراق وكوريا الشمالية على سبيل المثال، واستبدالها بما بدأ تسميتها بـاستراتيجية 2/11 حرب. اي فوز ساحق للقوات الأميركية في حرب واحدة والدفاع في الوقت ذاته بكفاءة في حرب اخرى في منطقة أخرى من مناطق العالم. وتعتقد الادارة الجديدة ان مبدأ استراتيجية الحربين أخذت أولوية على البشر والمصروفات والنقل. وقد يواجه تخفيض عدد القوات المسلحة معارضة شديدة من قبل الكونغرس، وسيعطي الرئيس بوش قراره النهائي في الشهر المقبل.
ترى سياسة الدفاع الجديدة في واشنطن ان حلها السحري يكمن في التكنولوجيا الرفيعة، وخصوصا تلك المتعلقة بتكنولوجيات المجسّات والضوء والليزر والفضاء. ويرغب مخططو الاستراتيجية الحربية في الابتعاد عن عمل اسلحة صغيرة مع تحسينات وتطورات تدريجية، الفكر التقليدي للجيش، واحداث قفزة هائلة بجيل جديد من الاسلحة التكنولوجية المتطورة للغاية. ولبلوغ هذه الاهداف يعمل مصممو الاجهزة والمعدات العسكرية على توظيف الاجزاء التكنولوجية التي يمكن لها ان تتكيف مع تكنولوجيات الغد. اي محاولة استشراف وجهة سير التكنولوجيا حتى يتم على ضوئها تصميم معدات واجزاء تكون متجانسة مع المستقبل فالمجسّات تحت الحمراء، على سبيل المثال لا الحصر، حذفت من برامج القوة الجوية لطائرة إف 22 (F-22) بسبب كلفتها العالية لكن تم توظيفها فيما بعد في النماذج التجريبية لمشروع الطائرة المقاتلة الضاربة المشتركة (Joint Strike Fighter).
ويوجد اثنان من برامج التسلح الساخنة والباهظة الثمن من الاسلحة التكنولوجية التي ترغب الدفاع الأميركية تطويرها لتجعلها من ترسانة الغد، وهما:
اولا: برنامج الطائرة المقاتلة الضاربة المشتركة. ويعتبر هذا المشروع واحدا من اكبر المشروعات في تاريخ الحربية الأميركية إذ يوجد طلب لانتاج 3000 طائرة لاسطولي حرب الولايات المتحدة وبريطانيا اضافة الى 3000 طائرة اخرى للحلفاء. وعلى رغم الكلفة الخيالية للمشروع الذي يجعله، كما يعتقد النقاد باهظا بشكل لم يسبق مثله من قبل، فانه اعتمادا على المصادر الحربية الأميركية، سيدخر كثيرا من الموارد المالية بسبب استخدام التصميم نفسه من البحرية الى المارينز الى القوة الجوية لأول مرة في تاريخ أميركا.
ويركز البرنامج على مرونة الطائرة وقدرتها على التحمل فضلا عن قابليتها للتبادل بين قطعات الجيش الأميركي المختلفة. والأهم من ذلك ان مكونات أو أجزاء الطائرة تكون مصنوعة مسبقا من التطبيقات التجارية الأخرى كما يقول بيتر شو (Peter Show) الذي يقود الأبحاث للطائرة التجريبية لشركة «لوك هيد مارتن». الأجزاء المركبة للطائرة خصوصا ما يتعلق بتكنولوجيات الضوء والمجسسات جاهزة مسبقا غير أن الجديد في البرنامج هو طريقة تجميعها، ما يقود إلى ملامح فوتونية جديدة كغرفة قيادة زجاجية «Glass Cockpit» اي امكان الطيار رؤية كل شيء حواليه من مقعده. فالطائرة حاوية على نظام عيون (مجسّات) بورية موضوعة استراتيجيا خارج الطائرة والجامعة لكل واحدة من هذه العيون، بشكل منفصل، صور في مدى تحت الحمراء من المناطق المجاورة لها اثناء الطيران. وترسل هذه الصور الى كمبيوتر الطائرة ليطرزها الى صورة واحدة ذات معلومات كثيرة. ويستخدم قائد الطائرة خوذة عارضة مصممة خصيصا تمكنه من رؤية حول وخلال الطائرة. والنظام، بحسب بيتر شو، يسمح للطيار بالنظر عبر جسم الطائرة عند الهبوط العمودي على المدرج تحته ما يمكنه من الهبوط بدقة متناهية.
ثانيا: مشروع الليزر المحمول جوا إذ يمثل آخر الرقي التكنولوجي ويتوقع ان تصل كلفة المشروع عند تطوير سبع طائرات خلال 20 عاما الى 11,3 بليون دولار (Photonicc Spectra, July 10). فالطائرة مصممة لاسقاط صواريخ نووية فجاجة من نوع سكود في بداية مسارها المنحني وتدميرها بالكامل بعد مغادرتها قواعد انطلاقها بفترة قصيرة.
تستخدم الطائرات سلسلة من الليزرات كليزر ثاني اوكسيد الكاربون لتحديد المدى العام للصاروخ فضلا عن ارتفاعه وسرعته. وليزر Yb:YAG يستخدم للانقضاض على الصاروخ بينما ليزر Nd:YAG يبحث عن اي تغيرات او تشوهات جوية فيما يقوم ليزر كيماوي بحرق ثقب في مخزن وقود الصاروخ.
والمشروع هذا قائم على جهود جماعية لعدة شركات إذ تطور شركة «بوينغ» في مدينة سياتل الاميركية نظام ادارة المعارك فضلا عن ادخالها تحسينات على طائرة 747-400، اما شركة لوك هيد مارتن في كاليفورنيا فتقوم بحوثها على تطوير انظمة السيطرة على الاشعة. اما شركة «تي ار دبليو» فهي مسئولة عن تطوير ليزر كيماوي بطاقة ميغاواط باستخدام اجهزة ايودين الاوكسجين المنبعثة بطول موجي 13 مايكرومتر (مايكرو جزء من المليون من المتر). وتشرف على برنامج الليزر الجوي قيادة السلاح الجوي الاميركي.
وبعض البحوث العلمية تعتقد بحساسية مشروع الليزر الجوي لذرات الغبار وجعل المشروع غير عامل او فاعل لوجود الجسيمات الدقيقة من التراب، المعروفة باسم Aerosols، في الجو.
ويرى بعض العاملين في هذا المشروع صعوبة تطبيقه الآن بحسب قدرات العمل المتوافرة.
كما توجد اولوية كبيرة في الاستراتيجية الجديدة لفعاليات الدفاع في الفضاء. فيرى رامسفيلد والعسكريون من حوله قدرة التكنولوجيا الرفيعة والمتزايدة، في المعلومات والاتصالات والليزر، في الفضاء لتوجيه المعارك التقليدية على الأرض. وتوجد فكرة إمكان احياء مفهوم التصدي الفضائي باعتبارها خطة دفاع المضادات المعروفة بـ «الراجمات العبقرية Brilliant Pebbles» ضد الصواريخ العدائية. وتشكل هذه التكنولوجيا كما يرى العسكريون، خط الدفاع الأول ضد «الارهابيين» وربما اكثر «الدول المارقة» في استخدام صواريخ «غير بارعة» عند ضرب أهداف على اراضي الولايات المتحدة.
والتصورات الاساسية لمفاهيم الليزر الفضائي هو تكونها من شبكة من الارصفة الفضائية في المدارات الفضائية كل واحد منها مجهز بطاقات عالية من ليزر فلوريد الهيدروجين. ويتوقع ان يبلغ الطول الموجي لليزر حده الاقصى للانبعاث خلال فراغ الفضاء ولا يشكل في الوقت عينه اي خطر على البشر او الطائرات في الجو.
ولاتزال العقبات التقنية تجابه الباحثين خصوصا فيما يتعلق بالتقنيات الملحقة، كانظمة التبريد لازالة الحرارة الفائضة الناتجة من انعكاسات الليزر ذات الطاقة المتزايدة من مزايا كثيرة.
ويبدو ان التطور في مواد السليكون ذات البلورة الواحدة المستخدمة في صناعة المرايا الفضائية لا تحتاج الى تبريد اضافي فضلا عن التحسينات المدخلة على طلاءات المرايا لاغراض الانعكاس العالي يقدم فرصا افضل.
وهناك استثمار كبير في التكنولوجيات المتطورة ومنها التصوير الحراري تحت الحمراء «Infrared Thermal Imaging» وتطبيقاتها الناضجة كتلك المستخدمة في رشاشات M61 وانظمة القذف للدبابات والطائرات. وتطوير اكبر لاستخدامات الالياف الضوئية في الطائرات العسكرية للمستقبل لمزاياها الايجابية المتضمنة عن عدم احداثها تدفقا مفاجئا في التيار كما في موصلات النحاس والتقليدية الاخرى. والالياف الضوئية ذات مناعة للومضات او الشرارات الكهربائية او التأثير المغناطيسي او دارات القصر الحادثة في الموصلات المعدنية والتقليدية. واستبدال النحاس بالالياف الضوئية يعطي ايجابية اضافية وهي التخلص من طنين من الوزن غير المفيد.
ونضج تكنولوجيا بلورات المائية العارضة «Liquid Crystal Displays» يجعلها ضرورية لانظمة الطائرات عند استخدامها بدلا من انابيب اشعة كاثود على الواح ومكونات غرف قيادات الطائرات العسكرية. ويوجد طلب متزايد لانظمة رادارات تحت الحمراء لتوظيفها في الطائرات والمروحيات فضلا عن الاستخدامات الواسعة للاتصالات بشقيها الالكتروني والضوئي.
العالم العربي
من الضروري توفير خدمات وصناعات نظم اتصالات ومعلومات حديثة تسهم في زيادة ترابط النسيج الاجتماعي فضلا عن دورهما في احداث النمو والنضج المطلوب في التكنولوجيا. وفي هذا السياق توجد في بلدان الخليج كالامارات والبحرين والعربية السعودية وغيرها قاعدة خدمات اتصالات ومعلومات صغيرة لكن متطورة وحديثة تكون مثالا جيدا للبلدان العربية الاخرى.
والأمر الثاني، وربما الأهم، هو التركيز على خلق مراكز تعليم متخصصة في الاتصالات والتقنيات المتطورة كتقنيات الضوء والليزر في الجامعات والمعاهد الفنية فضلا عن مؤسسات البحوث ومراكز التدريب المتطورة. والتكنولوجيا المتطورة باهظة الكلفة ومن الصعوبة لبعض البلدان اقامة مشروعاتها بمفردها ما يتوجب التجمع في كونسورتيمات (Consortiums) محلية لتوفير الموارد المالية وتوزيع الادوار في المشروعات المشتركة. وهذا سيخلق اللغة الضرورية للتعامل بين العرب ناهيك عن تبادل المعلومات وتلاقح الخبرات والافكار
العدد 200 - الإثنين 24 مارس 2003م الموافق 20 محرم 1424هـ