وتكرم المركز وأمدني مشكورا بصور للصفحات المطلوبة من مخطوطة عندهم تحمل الرقم 211، وهي بخط أحمد بن يوسف، ويعود تاريخ نسخها إلى سنة 1885 وتتألف من 236 صفحة مقاسها 33 × 21 سنتيمترا، وعنوانها مكتوب بخط مختلف وهو «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر عبدالرحمن بن محمد بن خلدون». وكتابة هذه المخطوطة جيدة وواضحة لكنها مليئة بالأخطاء، وهذا بلا شك عائد إلى أن تاريخ نسخها متأخر.
وسأرمز لهذه المخطوطة بالحرف B. كما أمدني قسم المخطوطات في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بصور لصفحات من ميكروفيلم لمخطوطة عندهم تحمل الرقم 1026F. وتوجد النسخة الأصلية لهذه المخطوطة ضمن مجموعة أحمد الثالث Ahmad III الكائنة في مكتبة طوب قابوساراي في اسطنبول تحت الرقم 3042، وتتألف هذه المخطوطة من 297 صفحة كبيرة، كل منها يحتوي على 25 سطرا مكتوبة بالقلم العريض، ولم أعثر فيها على تاريخ النسخ. وكتب عنوانها بخط مختلف وهو "المجلد الأول من تاريخ ابن خلدون المسمى بالمقدمة". كما كتب على صفحة العنوان أن ملكية المخطوطة آلت إلى محمد بن عبدالرحمن الضارب في سنة 818. وهذه من المخطوطات التي اعتمدها روزينثال في مقدمته وقال عنها: إنها "المخطوطة الوحيدة الباقية من بين المخطوطات القديمة التي تتضمن أقدم نصوص المقدمة". وسأشير لهذه المخطوطة بالحرف E. كما أمدني قسم المخطوطات بمكتبة جامعة الملك سعود بصورة لمخطوطة عندهم تحمل الرقم 589S، وعدد صفحاتها 273 صفحة، لكن الصفحة الأخيرة منها مفقودة، وهي الصفحة التي يكتب عليها عادة تاريخ النسخ واسم الناسخ. وكتب عليها المسئول عن قسم المخطوطات: أنها تعود إلى القرن التاسع الهجري. وخطها جميل، لكن تصويرها غير واضح، وكتب الرقم 888 مرتين على الصفحة الأولى. ولما قارنت الصفحة 266 من هذه المخطوطة مع الصفحة المصورة على صفحة 434 من الجزء الثالث من ترجمة روزينثال وجدتهما متطابقتين تماما، ما أكد لي أن هذه الصورة من مخطوطة ييني جامع إحدى المخطوطات التي اعتمد عليها روزينثال في ترجمته ووصفها بأنها تتألف من 273 صفحة ونسخها عبدالله ابن حسن بن الفخار ويعود تاريخها إلى 10 جمادى الأولى 799 هجرية (1396م)، لكن رداءة تصوير هذه المخطوطة المهمة لم يمكني مع الأسف من الاستفادة منها كما هو مأمول، وسأرمز لها بالحرف F. والمخطوطتان الأخيرتان كلتاهما تحملان على صفحة العنوان ختم وقف السلطان أحمد خان بن غازي سلطان محمد خان.
وبمقارنة هذه المخطوطات وجدت المخطوطة A تحتل المرتبة الأولى من حيث القيمة ووضوح الخط، إضافة إلى أنها المخطوطة الوحيدة التي تتضمن قصيدة الشاعر الهلباوي التي لا تظهر في النسخ المطبوعة إلا عند Quatremere. ولا تقل عنها قيمة المخطوطة F لولا أن تصويرها الرديء لا يسمح بقراءتها بسهولة. وخط المخطوطة E واضح دقيق، لكنه ليس بجودة المخطوطتين السابقتين، كما أن التنقيط وعلامات التشكيل غالبا ما تحذف في هذه المخطوطة وفي المخطوطة A. والمخطوطة B كتبت بخط نسخي جميل، لكنها تفتقد إلى دقة المخطوطات الثلاث المذكورة آنفا والكثير من الكلمات فيها إما ساقطة أو أخلفت عن الأصل. والمخطوطة D كتبت بخط مغربي صغير الريشة، وهو خط مقروء لكن الكثير من الكلمات سقطت. أما المخطوطة C فهي الأسوأ بين هذه المخطوطات. إجمالا، يمكننا القول: إن المخطوطات الثلاث: A وE وF تشكل قاعدة جيدة يمكن الاعتماد عليها للتحقيق. أما المخطوطات الثلاث الأخرى فيمكن الرجوع إليها كمصادر ثانوية خصوصا D وC.
وقد تأكد لدي بعد فحص هذه المخطوطات أن معرفة ابن خلدون بلغة الشعر البدوي وأساليبه لم تكن عميقة كل العمق، أو من المحتمل أن ذاكرته لم تسعفه، إن كان اعتمد في نقل الأشعار على ذاكرته، أو أن المصادر الخطية التي اقتبس منها هذه الأشعار، إن كانت مصادره خطية، لم تكن جيدة، أو أن النساخ الذين اعتمد عليهم لم تكن لهم دراية بهذا الشعر. وقد وجدت الكثير من الأبيات لا تستقيم وزنا ولا معنى، ما يدل على أنها دونت بطريقة خاطئة. وهذا مما يجعل مهمة تصحيح هذه الأشعار وتحقيقها مهمة في غاية الصعوبة، إذ إن المشكلة لم تعد مشكلة تصحيف أو تحريف بقدر ما هي أخطاء في الأصل. ليس امامنا في مثل هذه الحال إلا أن نوظف معرفتنا في الشعر النبطي لشحذ إدراكنا وتوجيه إحساسنا في محاولتنا لترميم النص واستعادة الشكل الصحيح للكلمات المدونة خطأ وإرجاعها إلى أصلها المفقود ومعناها المقصود. وكلما كان المحقق ضليعا ومتمكنا من لغة الشعر النبطي وأوزانه وصوره ومجازاته واستعاراته كان أقدر على النهوض بهذه المهمة نظرا إلى العلاقة التي تربط بين هذين الموروثين.
باختصار، فإن تحقيق الأشعار الهلالية والبدوية التي وردت في مقدمة ابن خلدون يتطلب الرجوع إلى المخطوطات الأصلية والتمرس في لغة الشعر النبطي/ البدوي ومعرفة لهجة عرب الشمال الافريقي (بحسب اقتراح روزينثال). وأنا شخصيا ينقصني الشرط الثالث. ولكن مع ذلك فإن توافر الشرطين الأولين يمكن أن يؤدي إلى نتائج لا بأس بها. ولا يسمح المقام هنا بتطبيق هذا الإجراء عمليا على كامل النصوص الشعرية، ولذلك سنقتصر في المعالجة على ثلاثة نصوص فقط هي: قصيدة المرأة الحورانية، وقصيدة الشاعر الهلباوي، وخصوصا أن هاتين القصيدتين هما أقرب النماذج للشعرالنبطي وقصيدة الهلباوي لم تنشر إلا عند Quatremere. والنص الثالث هو مطلع القصيدة التي وجهها خالد بن حمزة بن عمر إلى شبل بن مسكيانه بن مهلهل. وهذا المطلع يعاني من بعض الأخطاء التي يمكن تصحيحها بسهولة لمن يعرف لغة الشعر النبطي، وهي تصحيحات بديهية حالما تنصح للقارئ يقبلها من دون تردد.
يقدم ابن خلدون مقطوعة المرأة الحورانية قائلا: ومن شعر عرب البرية بالشام ثم بنواحي حوران لامرأة قتل زوجها:
تقول فتاة الحي أم سلامه
بعينٍ أراع الله من لا رثى لها
تبيت طول الليل ماتالف الكرى
موجعة كن السفافي مجالها
على ما جرى في دارها واعنا لها
بلحظة عينٍ غير البين حالها
فقدتوا شهاب الدين يا قيس كلمأنا
ونمتوا عن أخذ الثار ماذا وفالها
نجد في المخطوطات الأصلية أن كلمة "السفا" في عجز البيت الثاني كتبت صحيحة لكنها تغيرت في المخطوطات المتأخرة، وخصوصا إذا نقلت عن أصل غير منقط، إلى "الشفا"، لأن النساخ المتأخرين لا يعرفون كلمة "السفا". ومن الواضح أن "السفا" هي المقصودة، بمعنى أن عينيها تؤلمانها من قلة النوم لحزنها على فقد زوجها، كما لو أن سف سنابل القمح سقط فيها، وهذا تعبير لايزال شائعا عند شعراء النبط وبالمعنى نفسه. العبارة الأخيرة في صدر البيت الثالث غير منقطة في المخطوطات الأصلية، وإذ إن النساخ فهموا أن المرأة تبكي زوجها المقتول، أبا أولادها، فإن المتأخرين منهم وجه المعنى بطريقة تتفق مع هذا الفهم، وخصوصا أن العبارة تأتي بعد عبارة "في دارها"، فكتبها بعضهم "وأبوعيالها" والبعض الآخر كتبها "وعيالها" لكن الصيغة اللفظية، تعني العناء والشقاء.
وترتيب الكلمات في عجز البيت الثالث ورد في المخطوطات الأصلية كما اثبتناه هنا، وهو الترتيب الصحيح من حيث الوزن والمعنى (إلا أن كلمة "عين" سقطت في المخطوطة C)، لكن هذا الترتيب يختل في المخطوطات المتأخرة فنجده مثلا في B يصبح "بلحظة عين البين غير حالها". العبارة الأخيرة في البيت الرابع كتبت "ماذا مقالها" في كل النسخ المطبوعة ما عدا Quatremere وكتبت في المخطوطة B "ما لي وما لها" لكن يبدو لي أن المعنى المقصود هو التبكيت كما لو كانت الزوجة تؤنب قومها قائلة لهم "ما هذا بوفاء منكم لها" والضمير في "لها" يعود إلى مآثر زوجها وكرمه وأعماله الجليلة تجاههم. وقد فهم معظم النساخ مصراع البيت الخامس على أنه يشير إلى "كتاب" أو "مكتوب" (ربما من قبيلة قيس يعدونها بأخذ الثأر لزوجها أو يخبرونها بأنهم أخذوا بثأره فعلا). لكنني في تحقيقي للقصيدة وجهت المعنى وجهة أخرى وفهمت أن الكلمة لا تشير إلى "كتاب" وإنما إلى "كتائب" الخيل المغيرة التي كان يقودها زوجها ضد أعدائهم فسقط في ميدان المعركة فهرب عنه قومه ولم يثنوا خيلهم دونه لإظهاره والدفاع عنه. فالمرأة، وفق هذا المعنى، تقول لو أن كتائب خيل قومها "ردت"، أي ارتداد وحاولت إنقاذ زوجها، لسرها ذلك. هذه القراءة، وكذلك قراءة "ماذا وفا لها" في البيت السابق، تتفق مع الكثير من المرثيات في الشعر النبطي التي تسجل حوادث مماثلة من أشهرها مرثية عبطا التي ترثي فيها مقتل أبيها بنية الجربا على يد فرسان عنزة بعدما هرب عنه قومه، تقول:
جمع حباله ثم لمه وشاله
وتقنطرت من كثر الاقفا والاقبال
عزاه ياذيب السبايا جفاله
يا نعم والله ياهل الخيل خيال
يا ما عطى من كل قبا سلاله
سباقة الغاره من الخيل مشوال
ياما شربتوا من حلاوي دلاله
وقت القسا يرخص لكم غالي المال
ياما نحا بالسيف من صعب قاله
وياما لطم من دونكم كل من عال
ما أحدٍ زرق رمحه ولا احدٍ ثنى له
ماحصل عنده عركةٍ تسمح البال
العدد 1606 - الأحد 28 يناير 2007م الموافق 09 محرم 1428هـ