العدد 1624 - الخميس 15 فبراير 2007م الموافق 27 محرم 1428هـ

تغير المناخ... تهديد يوحدنا جميعا

تطالعنا الأخبار بموضوعات يطغى عليها في غالب الأحيان أنباء عن الصراعات والخلافات ثم يبرز تهديد بهذا الحجم يذكرنا بكل قوة بإنسانيتنا المشتركة. وبمعنى آخر، يذكرنا بمدى الأمور التي تشترك بها جميعنا، بغض النظر عن خلفياتنا أو أصولنا أو ألوان بشرتنا يتمثل هذا التهديد في جيلنا الحالي بتغير المناخ حيثما ذهبت في أي مكان بالعالم، يواجهني واقع أن غالبية المواطنين العاديين يطمحون الى تحقيق الأشياء في هذه الحياة ان يتمكنوا من العيش بسلام، وأن يشعروا بأنهم يمتلكون زمام حياتهم، وأن يتمكنوا من بناء مستقبل أفضل لعائلاتهم وأبنائهم. وتغير المناخ يهدد كل واحد من هذه الطموحات.

نشر الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ في نهاية الأسبوع الماضي الجزء الأول من تقريره الرابع يتناول هذا التقرير العلوم الأساسية لتغير المناخ، وهو يؤكد - كما كان يخشى الكثيرون - بأن التهديد الناجم عن تغير المناخ أكثر خطورة وأكثر إلحاحا مما كنا نعتقد فيما سبق فالأطفال الذين يولدون اليوم قد يشهدون خلال حياتهم ارتفاعا في درجات الحرارة على مستوى العالم يتراوح مابين 3-5 درجات ان لم تتخذ إجراءات مشتركة وفورية. ربما لايبدو هذا الارتفاع بدرجة الحرارة ارتفاعا كبيرا، لكن حين كان معدل درجات الحرارة أقل فقط 5 درجات مما هو عليه الآن، كان العالم كله في قبضة العصر الجليدي وبالتالي فإن تأثير هذا النوع من تغير الماخ على العالم الذي نعيش فيه سيكون كارثيا بكل تأكيد فالكثير من أوجه حياتنا اليومية تعتمد على التنبؤ بمناخنا واستمراريته ولدى استحالة هذين الأمرين ستتعرض جميع أوجه مجتمعنا المعاصر للتهديد.

سيؤثر ذلك على قدرتنا على تلبية احتياجاتنا الأساسية كالغذاء والمياه والصحة إذ تشير الدراسات الى ان ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 2-3 درجات سيؤدي الى انخفاض المحاصيل الزراعية في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا بمعدل 30 الى 40 في المئة وكما اتضح حديثا لممثلي الخاص حول تغير المناخ في إفريقيا لدى زيارته للمنطقة، فإن ذلك يحدث الآن فعلا، وأمام بعض الدول الإفريقية مخاطر متزايدة بأن تواجه المجاعة وفي هذه الأثناء من المرجح أن يعاني مليار مواطن في جنوب آسيا للحصول على المياه لأنفسهم ولري محاصيلهم مع ذوبان الجليد على الهيملايا وتغير أنماط الأمطار الموسمية وفي الكثير من أجزاء العالم بدأنا نشهد انتقال البعوض الى مناطق جديدة - بما فيها المناطق التي تضم كثافة سكانية عالية - جالبة معها أمراض كالملاريا.

كما أن المناخ غير المستقر يؤدي الى عالم أكثر اضطرابا، إذ انه يشعل التوترات ويغذي الصراعات فالصراع في دارفورد له جذور عدة، لكن من بين هذه الجذور التغير في سقوط الأمطار الذي أدى الى مفاقمة التنافس على الموارد مابين القبائل الرحل رعاة قطعان البقر في المنطقة ومربي الأغنام والأبقار في المراعي المستقرين هناك ومع اتساع الرقعة الصحراوية وانكماش مساحات الأراضي الخصبة يمكننا أن نشهد المزيد من الخلافات ضمن وعبر الحدود.

وفي الشرق الأوسط يتشارك 5 في المئة من سكان العالم 1 في المئة فقط من موارد المياه في العالم وتغير المناخ يعني أن تكون المياه المتوافرة حتى أقل من ذلك فالأنماط الحالية لتغير المناخ توحي بأنه مع حلول نهاية القرن الحالي سيصيب الجفاف الشديد - على مستوى العالم - نحو ثلث مساحة الأراضي، وهذا يمثل عشرة اضعاف المساحات التي تعاني من الجفاف في يومنا هذا وستشهد المملكة العربية السعودية وإيران والعراق أكبر انخفاض في معدلات سقوط الأمطار والاختلافات بشان الاستفادة من موارد المياه على طول حوض نهر الأردن كانت في مناسبات كثيرة الدافع الأساسي للتوترات بين إسرائيل وجيرانها من الدول العربية، وخصوصا في السنوات التي سبقت حرب العام 1967 فالمياه في حوض نهر الأردن أصلا مستهلكة بإفراط، وتغير المناخ قد يؤدي الى مفاقمة هذا الوضع وفي هذه الغضون قد تعاني مصر من ضربة مزدوجة انخفاض كبير في تدفق مياه نهر النيل من الجنوب، وارتفاع في مستوى البحر في الشمال يؤديان مجتمعين الى تدمير قلب البقعة الزراعية في دلتا النيل وتشير احدى الدراسات الى ان ارتفاع مستوى البحر بمعدل 50 سنتيمترا فقط - وهو ضمن التقديرات الحالية - سيؤدي الى تشريد مليوني شخص من سكان الدلتا.

وبالتالي يجب ألا يعتقد أي أحد بأن تغير المناخ هو قضية «بيئية» بحتة - بل إنها قضية تتعلق بالفقر والصراعات والأمراض والهجرة تماما كونها قضية بيئية لكن غن كان حجم المشكلة جليا، فهل هناك أي شيء يمكننا أن نفعله حيالها؟ الجواب هو نعم بالتأكيد إن كنا سنتحرك الآن ونعمل بشكل حاسم، وربما كذلك - وقبل أي شيء آخر - إن كنا سنعمل معا على خفض انبعاث الكربون فالجميع سيخسرون التسخين الحراري على المستوى العالمي، وهي مشكلة ليس باستطاعة أي دولة أن تحلها منفردة هناك واجب علينا جميعا بأن نتعاون بهذا الشأن.

بعض الدول التي ستتأثر أكثر من غيرها هي الدول الأكثر فقرا في العالم لكن الاقتصادات في الدول المتطورة هي المسؤلة عن غالبية انبعاث الغازات الحرارية وبالتالي يتعين على هذه الدول - أي علينا نحن - أن نمسك بزمام المبادرة فشعورنا بالقلق في المملكة المتحدة حيال مايعنيه تغير المناخ بالنسبة لنا جميعا كان بدرجة جعلتنا نضع تحقيق الأمن المناخي ضمن اولوياتنا الاستراتيجية الدولية. وكان تغير المناخ - الى جانب إفريقيا - أحد أهم موضوعين نوقشا خلال فترة رئاستنا لمجموعة الثمانية وطلبنا إعداد تقرير عن هذه الدراسات تفصيلا حتى الآن بشان اقتصادات تغير المناخ وصدر هذا التقرير في نهاية العام الماضي، وساعد في تعزيز الحجة لاتخاذ إجراءات فورية يبين هذا التقرير بأن كلف معالجة تغير المناخ تقل بدرجة كبيرة عن الكلف التي سنواجهها في حال عدم معالجتنا له.

يبدو أن بعض الدول المنتجة للنفط يساورها القلق بأن الاستجابة لمعالجة تغير المناخ قد تهدد اقتصاداتها لكن لاداعي لأن يساورها أي قلق حيال ذلك فبداية هناك مؤشر ضعيف للغاية بأن السوق العالمية للنفط ستنكمش في المستقبل المنظور وموارد الطاقة البديلة والمتجددة التي الغرض منها تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة هي بكل تأكيد جزء كبير من الصورة التي أمامنا، ولكن هناك أيضا التكنولوجيا الحديثة كالمصانع التي تدار بالمحروقات النظيفة وجمع الكربون وتخزينه.

بالطبع، وكما بين لنا نيك سترن، فإن التهديد الأكبر الذي تواجهه اقتصاداتنا جميعها ياتي من الفشل في اتخاذ أي إجراءات على المستوى العالمي - حيث انه يتنبأ باحتمال تدهور إجمالي الناتج المحلي عالميا بمعدل 20 في المئة تقريبا. كما وصف أحد انجح أصحاب رؤوس الأموال، جون دور، الاستجابة العالمية لتغير المناخ بأنها «أكبر فرصة اقتصادية بالقرن الحالي» ومن المفارقة أن أسعار النفط المرتفعة حاليا تعني بأن دولا في الشرق الأوسط قد تكون في أفضل وضع يتيح لها الاستفادة من هذه الفرصة فلدى هذه الدول رأس المال حاليا للاستثمار في تكنولوجيات المستقبل وهذا يتيح لها فرصة تنويع مواردها الاقتصادية وتحفيز الابتكار ونمو المشروعات في المجتمع كما أنها هناك فوائد سياسية ممكنة كذلك فإذا ما نجحت استجابتنا لمعالجة تغير المناخ، باستطاعتنا أن نحول التوترات التي سببها الموارد المتناقصة الى تحفيز على التعاون عبر الحدود.

الواقع هو ان تغير المناخ هو حقيقة وأمر حاصل ومما يبشر بالخير هو أن لدينا التكنولوجيا ورأس المال والمعرفة لمواجهة هذا التحدي تحتاج الحكومات لأن تحدد الإطار السياسي لتشجيع الاستثمار، وتحتاج الشركات لأن تطرح تكنولوجيا جديدة في السوق، كما يتعين على المستهلكين والمواطنين أن يختاروا ما يحافظ على الزخم تجاه التغيير.

إن الخيار الذي يواجهه مواطنو العالم هو ما إذا كان يتعين علينا أن نقر بإنسانيتنا المشتركة وأن تتضافر جهودنا لمعالجة هذه المشكلة، أو أن نسير مغمضي الأعين وبشكل منفرد تجاه مستقبل كئيب من وجهة نظري هذا ليس خيارا أبدا.

*وزيرة الخارجية البريطانية

العدد 1624 - الخميس 15 فبراير 2007م الموافق 27 محرم 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً