العدد 1624 - الخميس 15 فبراير 2007م الموافق 27 محرم 1428هـ

حوار ساخن بين القرضاوي «العالم» ورفسنجاني «السياسي»

القاهرة - إسلام أون لاين.نت 

15 فبراير 2007

مواجهة ساخنة عن أسباب الفتنة بين السنة والشيعة وسبل مواجهتها شهدها لقاء تلفزيوني جمع - على الهواء - رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين العلامة يوسف القرضاوي ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران الشيخ هاشمي رافسنجاني، غير أن المرجعيتين اتفقا من حيث المبدأ على أهمية الوحدة بين المسلمين من أجل درء الفتنة المذهبية والتصدي للأخطار التي تحيط بالأمة.

وخلال مجريات اللقاء الذي نظمته قناة الجزيرة بينهما مساء الأربعاء الماضي عبر الأقمار الصناعية، اتبع الشيخ القرضاوي أسلوب المصارحة والمكاشفة المنطلق من «العالم» الغيور على أمته الذي يسعى إلى «مس موضع الجروح»، في الوقت الذي كانت معظم إجابات وتعليقات رافسنجاني (الرئيس السابق لإيران) تحمل مواقف ضمنية أو دبلوماسية تعكس صورة «السياسي أو رجل الدولة»، كما رأى المفكر الإسلامي فهمي هويدي.

«يجب أن نحرص ثُم نحرص على وحدة الأمة ونقف ضد محاولات التفريق... فالإسلام فوق المذهب والوطن فوق الطائفة»، نداء أطلقه الشيخ القرضاوي في ختام اللقاء الذي استمر نحو 90 دقيقة، رافضا أن يتم تصنيف المسلمين على أساس عرقي أو مذهبي إلى «صفويين وعرب». وتساءل: «إذا كنا نرحب بالحوار الإسلامي المسيحي فكيف لا نرحب بالحوار الإسلامي الإسلامي؟».

أما رافسنجاني فقد أبدى في بداية اللقاء الرغبة نفسها قائلا: «أحد المبادئ المهمة للحفاظ على الأمة الإسلامية هو الوحدة... ونحن بعد الثورة الإسلامية 1979 حرصنا على الدعوة لتوحيد صفوف الأمة».

وما بين بداية اللقاء ونهايته، جرت مناقشات ساخنة وتعقيبات أكثر سخونة... القرضاوي استهل مداخلته بمطلب محدد لكي يثمر اللقاء عن نتائج عملية تساهم في التقريب بين أتباع المذهبين السني والشيعي، فدعا رافسنجاني للتطرق إلى «النقاط الثمانية» التي أثارها لهذا الهدف وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خلال زيارته الأخيرة لطهران، محذرا من أن مؤتمرات التقريب يؤخذ عليها دوما أنها «تجتمع وتنفض ولا تنجز شيئا عمليا لأنها لا تمس موضع الجروح».

سب الصحابة

وأثار القرضاوي الذي كان يتحدث من مقر إقامته بالدوحة عددا من هذه النقاط خلال المناقشة وفي مقدمتها قضية «سب الصحابة» التي يتهم بها الشيعة، وقال: «لا أستطيع أن أضع يدي في يدك إذا كنت أقول عن الصحابة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم وأنت تقول لعنهم الله». كما أشار إلى بعض المصنفات لمراجع شيعية تسب الصحابة، مطالبا رافسنجاني بفتوى صريحة من المراجع الشيعية، «تحرم سب الصحابة وتدينه».

وحمل رد رافسنجاني رفضا ضمنيا لتحميل الشيعة المسئولية وحدهم عن هذه القضية قائلا: «إنني أتصور أنه على السنة والشيعة أن يصدروا هذه الفتوى التي تحرم الانتقاص من الصحابة». وأضاف «لا يمكن أن نتطرق لبعض الأقوال التفسيرية (للمراجع الشيعية) ونجعلها هي المعتمدة... إننا في إيران نبدأ خطبنا بالحمد لله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وآل بيته»، في إشارة ضمنية منه إلى أن ذلك يعني رفض الشيعة سب الصحابة.

الوضع في العراق شكل محورا ساخنا آخر في اللقاء الذي أداره من مكتب رافسنجاني في طهران رئيس غرفة الأخبار بقناة الجزيرة أحمد الشيخ، إذ أشار القرضاوي أيضا إلى ما يجري في العراق من أعمال قتل على الهوية وتهجير قسري لأهل السنة واغتصاب مساجدهم، مشددا على أن إيران تمتلك من المفاتيح ما تستطيع به وقف ما يجري في العراق من حوادث طائفية بقوله: «الجميع يقر بأن إيران تستطيع أن تفعل الكثير في العراق وهي تملك المفاتيح هناك... إيران تستطيع أن تفعل الكثير لحل المشكلة».

وتساءل مرة أخرى عن أسباب عدم إصدار المراجع الشيعية فتوى واضحة وصريحة تجرم القتل الطائفي وتوجب مقاومة الاحتلال قائلا: «لو صدرت فتوى واضحة بتحريم فرق الموت من مرجعيات إيران لانتهت (المشكلة)... ولماذا لا تصدر فتوى توجب المقاومة بوضوح؟».

وكالعادة، جاء تعليق رافسنجاني مغلف بلهجة رجل الدولة: «أوصي القرضاوي أن يقرأ الأخبار وتوصيات المسئولين الإيرانيين وعندها سيعلم أن الأمر تغير بالنسبة إلى إيران... كم من المرجعيات أدانوا ورفضوا ما يحدث... ولابد أن نشير إلى من بدأ العنف الطائفي من قتل المرجع الشيعي السيدمحمد باقر الحكيم» بعد عودته من إيران إلى العراق في أعقاب الغزو الأميركي.

وعن مسألة الفتوى قال: «يبدو أنه يجب أن أكرر أننا حرمنا ذلك، جميع العلماء والنظام في إيران يعتبر هذه الجرائم حراما وهي من المعاصي... إننا أيدنا المقاومة ضد المحتل وكررنا هذا عدة مرات».

التبشير المذهبي

ومضى اللقاء مجددا في اتجاهين اتجاه «العالم» واتجاه «السياسي» عند الحديث عن قضية التبشير المذهبي. وتعليقا عليها قال رافسنجاني: «إن أفضل السبل للتعريف بفكر جيد أو عمل جيد هو العمل الصالح... فإذا كان المقصود ألا تقوم بأعمال صالحة فهذا غير صحيح... أتصور أن التبليغ من حق الجميع أما إذا كان الأمر يتعلق بإثارة عيوب الآخرين فنحن لا نعتقد ذلك».

وبدا أن القرضاوي لم يقتنع بهذه المقولة التي لم تتطرق بشكل مباشر للقضية فعكس تعليق ذلك. وقال: «ليس المقصود هنا هو عمل الخير ولكن المقصود هو تغيير مذهب الآخرين... ونحن أهل السنة لا نفعل ذلك فأنا على اتصال بالكثير من جمعيات الدعوة السنية الكبرى في العالم الإسلامي ولا أعلم لها نشاطا من هذا القبيل». وحذر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن عمليات التشيع في الدول ذات الغالبية السنية التي لا تستقطب سوى أعداد محدودة جدا من السنة، ولا تؤدي في النهاية إلا لإثارة مشاعر الغضب والكراهية وتباعد بين المسلمين.

وعند التطرق إلى مسألة التكفير المتبادل بين السنة والشيعة، دعا القرضاوي إلى التوقف عنها من الجانبين قائلا: «هناك من يكفر السنة أو الشيعة... لا أريد أن نتتبع المرجعيات الشيعية المغالين... نحن نرفض التكفير، وأستطيع أن أقول بلسان أهل السنة نحن لا نحمل الشيعة أخطاء أسلافهم التاريخية»، كما شدد على أن الفتاوى التي تصدر عن الجانب السني قليلة جدا، مذكرا بموقف أهل السنة شبه الجماعي المناصر لحزب الله خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006.

في المقابل، حمل رافسنجاني السنة المسئولية عن فتاوى التكفير فخاطب القرضاوي قائلا: «أنتم تعلمون التكفيريين العرب (في العراق) من أين يأتون ليشاركوا في عمليات القتل في العراق»، فعقب القرضاوي مبتسما: «أنا لا أعلم حقيقة من أين يأتون... ليس لدي جهاز مخابرات»، ليعكس رده مجددا أنه يتكلم من منطلق «العالم» الغيور وليس «السياسي» المطلع على ما يجري في دهاليز السياسة، كما أشار المفكر فهمي هويدي في تعقيب سريع على اللقاء لقناة الجزيرة.

وكان لافتا عندما أثار مدير الحوار مسألة التقية عند الشيعة، (التي تعني إخفاء ما لديهم من معتقدات خوفا من ضرر هالك، والمعاشرة الظاهرة للعدو المخالف فيما يكون القلب محتفظا بالعداوة له، ما يثير الهواجس لدى السنة مما يكنه الشيعة لهم) أن دافع عنها بقوة رافسنجاني من منطلقين، الأول ديني إذ قال: «هذه القضية نابعة من القرآن وهو يحثنا على عدم طرح كل ما لدينا أمام الآخرين... وأعداء الأمة هم الذين يحاولون طرح مثل هذه القضايا»، فذكره القرضاوي بأن هذه قضية فعلا «مذكورة في القرآن ولكنها استعملت مع غير المسلمين وعلى سبيل الاستثناء». أما منطلق رافسنجاني الثاني للدفاع عن مبدأ التقية فكان سياسيا بامتياز، فقد ذكر أن الدول تعمد لإخفاء بعض من أسرارها حفاظا على مصالحها، ما يعني منطقية هذا المبدأ.

أمنية المسلمين

وإزاء هذه المحصلة، ذكر القرضاوي في نهاية اللقاء بضرورة إطلاق خطوات عملية على طريق التقريب المذهبي، فقال: «نريد شيئا ملموسا على أرض الواقع من هذا اللقاء... المسلمون في مشارق الأرض ينتظرون من هذا اللقاء أن يؤدي لعمل، ويريدون شيئا في العراق... وقف الميليشيات وأن يعود المهجرون والمساجد التي اغتصبت وأن يقف التشيع إذا كنا نريد معالجة الأمر حقيقة (...) فالإسلام يجب أن يكون فوق المذهب والوطن فوق الطائفة».

ونظمت قناة الجزيرة هذا اللقاء استجابة لطلب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أعرب في وقت سابق على لسان أمينه العام المفكر محمد سليم العوا عن أمله في أن يشكل «هذا اللقاء بداية لإنهاء الأزمة القائمة بين السنة والشيعة والمحنة الدائرة رحاها في العراق».

وكان العوا أوضح أيضا أن هذا اللقاء يعد باكورة «الخطوات البناءة» التي توصل إليها وفد «اتحاد العلماء» خلال مباحثاته مع المسئولين الإيرانيين في أثناء زيارته لطهران قبل نحو أسبوعين من أجل «إطفاء نار الفتنة»، و «رد الجمهور السني والشيعي إلى أصل الاخوة الإسلامية».

كما يأتي هذا اللقاء بعد أقل من شهر على الدعوة التي أطلقها العلامة القرضاوي خلال مشاركته في حوار المذاهب الإسلامية بالدوحة لإجراء حوار مكاشفة ومصارحة بين المذهبين السني والشيعي لسد فجوة الخلافات التي من شأنها إشعال الفتنة الطائفية بين أتباع المذهبين.

العدد 1624 - الخميس 15 فبراير 2007م الموافق 27 محرم 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً