برأت المحكمة الكبرى الجنائية المنعقدة يوم أمس (الأحد) برئاسة القاضي الشيخ محمد بن علي آل خليفة، سيدة هندية من تهمة الزنى مع متهم قيل إنه شقيقها. وحكمت المحكمة ببراءتها مما هو منسوب إليها.
ووفقا لتفاصيل القضية فإن زوج المتهمة تقدم بشكوى يتهم فيها زوجته بممارسة الزنى مع المتهم، متبرئا من بنوّة البنات الثلاث اللاتي أنجبتهن له زوجته المشكو في حقها ونسبتهن إليه.
الوسط - عادل الشيخ
برأت المحكمة الكبرى الجنائية المنعقدة يوم أمس (الأحد) برئاسة القاضي الشيخ محمد بن علي آل خليفة وعضوية القضاة طلعت إبراهيم محمد عبدالله ومحمد راشد عبدالله الرميحي وعلي أحمد جمعة الكعبي، وأمانة سر ناجي عبدالله، متهمة هندية بتهمة الزنى مع متهم قيل إنّه شقيقها.
وقضت المحكمة في منطوق حكمها بقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف الذي يُدين المستأنفة وحكمت المحكمة ببراءتها مما هو منسوب إليها.
يأتي ذلك بعد تقدم زوج المتهمة بشكوى يتهم فيها زوجته بممارسة الزنى مع المتهم متبرئا من بنوة البنات الثلاث اللائي أنجبتهنّ له زوجته المدعى عليها ونسبتهنّ إليه.
وكانت النيابة العامّة قد وجهت إلى المتهمة أنها ارتكبت جريمة الزنى مع المتهم الثاني، بأن سمحت له بمواقعتها جنسيا على رغم قيام زواجها، فيما وجّهت النيابة العامة إلى المتهم الثاني أنه اشترك بالاتفاق والمساعدة مع المتهمة الأولى في ارتكاب جريمة الزنى، بأنْ اتفق معها على أنْ يواقعها جنسيا على رغم قيام زواجها من الغير، ووقعت المواقعة بناء على ذلك الاتفاق وتلك المساعدة.
وتشير تفاصيل القضية إلى إحالة المتهمين إلى المحكمة الصغرى الجنائية لمحاكمتهما، وبعد تداول القضية بالجلسات قضت المحكمة بحبس المتهمين مدة سنة واحدة لكلٍ منهما وقدرت كفالة 200 دينار، إلا أنّ المتهمين لم يرتضيا الحكم وتقدما باستئنافه لدى محكمة الدرجة الثانية، التي قضت حضوريّا بالنسبة إلى المستأنفة بقبول استئنافها شكلا وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف (الحبس مدة سنة واحدة وكفالة 200 دينار)، في حين قضت غيابيا بالنسبة للمستأنف الثاني بسقوط الحق في الاستئناف.
إلا أنّ المستأنفة لم ترتض الحكم أيضا وتقدّمت بالطعن لدى محكمة التمييز، وقضت محكمة التمييز بقبول طعنها شكلا وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية إلى المحكمة الكبرى الجنائية للنظر فيها من جديد.
وبعد تداول الدعوى أمام المحكمة الكبرى الجنائية برئاسة القاضي الشيخ محمد بن علي آل خليفة، من جديد بجلساتها، حضر محامي المستأنفة، وقرّر أنّ زوج الشاكية تنازل في إحدى الدعاوى المنظورة أمام المحكمة الشرعية والمتداولة بين الطرفين عن شكواه ضد المستأنفة، فأمهلته المحكمة أجلا لتقديم الدليل على ذلك بيد أنّه لم يقدّمه.
وتعود تفاصيل القضية إلى أنّ الشاكي وهو زوج المتهمة الأولى المستأنفة، شكّ في بنوة البنات الثلاث اللائي أنجبتهن له زوجته ونسبتهنّ إليه، متهما إيّاها بارتكاب جريمة الزنى مع المتهم الثاني، وطلب اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد المتهمين، وبسؤال أحد جيران زوج الشاكي، قرّر أنّ زوجته أخبرته بأنها علمت من المتهمة الأولى أنّ زوجها (الشاكي) لم يعد قادرا على إنجاب الأطفال منها بعد ولادتها ابنتها الكبرى، وأضاف أنّ المتهم الثاني أقام بذات الطرفين منذ وصوله إلى المملكة قادما من الهند، بعد أنْ ادعت المتهمة المذكورة أنه شقيقها، وبيّن أنّه وبعد وصول المتهم الثاني حملت المستأنفة وأنجبت 4 أطفال، وقد علم أنّ زوج الشاكي طرده من منزله، وعلى رغم ذلك فقد ظل يتردد عليها بمسكن الزوجية في أوقات متأخرة من الليل، مستغلا كبر سن زوجها الشاكي.
وأردف قائلا: بعد تقديم الزوج الشكوى حضر المتهم الثاني إليه وطلب مساعدته ووعده بأنه سوف يقر ببنوة جميع ما أنجبتهنّ المتهمة الأولى ماعدا ابنتها الكبرى، وذكر بأن أهالي المنطقة جميعهم يعلمون أنّ أبناء المتهمة الأولى لا ينتسبون إلى زوجها الشاكي وإنما ينتسبون إلى المتهم الثاني، وخصوصا أنّهم قريبوا الشبه منه.
هذا، وقد أورد تقرير فحص عينات الدم المأخوذة من كلّ من الزوج الشاكي والمتهمين الأولى والثاني والأبناء، بأنه قد تم فحص الصفات الوراثية لكلّ منهم وأنه يستبعد أنْ يكون الزوج الشاكي أبا بيولوجيا لكلّ من الأبناء الأربعة، ولا يستبعد المتهم الثاني كأب بيولوجي لهم جميعا.
وبسؤال المتهمين الأولى والثاني أنكرا ما نُسب إليهما، وقررا أنهما شقيقان، وقالت المتهمة إن جميع أبنائها من زوجها الشاكي.
أمّا المحكمة الكبرى الجنائية فقالت في حيثيات حكمها: إنه من المقرر أنّ الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين، وأنه يكفي أنْ يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي يقضي له بالبراءة، إذ ملاك الأمر كلّه يرجع إلى وجدانه وإقناعه، وإلى ما انتهى إليه في تقدير الدليل، ما دام الظاهر من الحكم أنه إحاطة بالدعوى عن بصرٍ وبصيرة، ومحّض واقعتها ووقف على ظروف وقعها.
وأضافت «لما كان ذلك، وكان من المقرر أيضا أنّ القانون اشترط في جريمة الزنى أن يكون الوطء قد وقع فعلا، وهذا يقتضي أنْ يثبت الحكم وقوع هذا الفعل بدليل يشهد عليه تتخلص من المحكمة ما يقنعها بأنه لابد وأنه وقع، ويجب التفرقة في هذا المقام بين الإدعاء بوقوع جريمة الزنى التي يشترط للقول بتوافرها وقوع الوطء بالفعل وبين الإدعاء ينبغي نسب الأبناء، إذ لا يشترط فيه وقوع الوطء، وخصوصا بعد أنْ استحدث ما يسمى بالحقن المجهري وأطفال الأنابيب، وتأجير الأرحام، وكل ذلك من الحالات التي يتصوّر فيها حدوث الحمل والولادة من دون حدوث وطء، ومن ثم فلا يجوز للقاضي في دعوى الزنى التي تتعلق بحسب طبيعتها بالعرض والشرف أن يكتفي بدليل فني مثل تحليل الصفات الوراثية، كما هو الحال في الدعوى الماثلة، من دون أن يتحقق من سائر الأدلّة المطروحة عليه من وقوع الوطء فعلا».
وتابعت المحكمة «ومن غير أنْ يؤول الوقائع تأويلا في مصلحة الاتهام، بل يجب عليه الشرح الشديد في قبول أدلّة تلك الدعوى في استنتاج النتائج من وقائعها وظروفها والأخذ بها (قاعدة درء الحدود بالشبهات)، وذلك حماية لأعراض الناس وصونا لأنسابهم، ولهذا فقد ذهب جمع من العلماء المعاصرين في الفقه الإسلامي إلى أنّ الزوج إذا طلب الاحتكام إلى البصمة الوراثية في تقصي نسب الأبناء لم يستجب له؛ لأنه يفّوت على المرأة ما يوفره لها اللعان من الشرعية وعلى ولدها، وهذا الشرح مقصود للشارع لما فيه من مصلحتها ومصلحة ولدها، وقد أقر المجمع الفقهي برابطة العلم الإسلامي عدم جواز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، فلا يجوز تقديمها على اللعان، كما لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكّد من صحة الأنساب الثابتة شرعا، ونادى الجهات المختصة بوجوب منعها حماية لأعراض الناس وصونا لأنسابهم، ذلك لأنّ الشارع الإسلامي يطلب جارا السلامة والبراءة من الزنى وأنهما هي الأصل، ولهذا صان عرض المؤمن والمؤمنة وحرّم القذف، وجعله فسوقا ورتب عليه الحد».
واسترسلت المحكمة في تبيان أسباب تبرئتها المتهمة من تهمة الزنى «كما أنه يغلب جانب الاحتياط في باب النسب، بحيث لو وجد احتمال ولو ضعيفا لإلحاق الولد بمن كان زوجها لمن أنجبته ألحقه به ونسبه إليه حتى ولو أقرت المتزوجة على نفسها بإنجابه من الزنى، فإن ذلك وحده لا ينفي نسبه لأبيه صاحب الفراش، ما لم يدفعه هو بلعان معجّل لقوله (ص): «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وخلصت المحكمة إلى القول: «لما كان ما تقدم، وكان تقرير فحص الصفات الوراثية المرفق لملف الدعوى لم يشر إلى حدوث وطء بين المتهمين، فضلا أنه لم يستبعد أن يكون المتهم الثاني أبا بيولوجيا للابنة والابن، رغم أنّ الشاكي نفسه لم يشك في بنوتهما».
وأضافت المحكمة «كما أنّ الثابت من أقوال شاهدي الإثبات أنّ المتهم المذكور حضر من الهند بعد ولادة الابنة، ومن ثم لا تطمئن المحكمة لهذا التقرير، كما لا تطمئن إلى ما شهد به كلّ من زوج المتهمة الأولى وشاهد آخر، إذ بينت شهادة الأوّل عن مجرد الشك في وجود علاقة جنسية بين المتهمين، فضلا عن شهادة الثاني التي كانت سماعية نقلا عن زوجته». وقالت هيئة المحكمة: «هذا إلى أنّ المحكمة تطمئن إلى شهادة شاهدي النفي اللذين استمعت إليهما محكمة أوّل درجة، إذ قررا أن المتهم الثاني شقيق المتهمة الأولى، ومن ثم لا يتصوّر ارتكابه لهذا الجرم معها، الأمر الذي اتضح معه أوراق الدعوى خالية من ثمة دليل يقيني يشير إلى ارتكاب المستأنفة للجريمة المسندة إليها، وتكون الواقعة غير ثابتة في حقها، ومن ثم يتعين إلغاء الحكم الصادر بإدانتها من محكمة أول درجة، والقضاء مجددا ببراءتها مما نسب إليها، عملا بنص المادة 255 من قانون الإجراءات الجنائية»
العدد 2250 - الأحد 02 نوفمبر 2008م الموافق 03 ذي القعدة 1429هـ