العدد 1655 - الأحد 18 مارس 2007م الموافق 28 صفر 1428هـ

رماد الوراقين...!

(1) الحواس الحديدية...!

اقترب منه في بحثه عن ناجين... لمس كتفه وسأله...

( هل أنت بخير...؟)

رفع رأسه لسائله... نظر له وهو يجلس على الأرض... سُحُب الدخان الأسود والرمادي تتصاعد... تعلو... تغطي السماء شيئا فشئيا... وجه سائله مغبر ويعلو شعره رماد... بياض عينيه تشوبه حمرة... قميصه مبلل... بنطاله شبه ممزق... ساعده عليه دمٌ تجلط... بعض الخدوش والكدمات على ساقه... بعض الدماء المتجلطة على ثيابه وجروحه... أصابع كفه بلون الفحم الممزوج بالدم...

***

اتكأ بيده على الأرض.. مد ساقه اليسرى... ثنى ركبته اليمنى... رفع جسمه النحيل من على الأرض بتثاقل يساعده سائله الذي أمسك ذراعه الأيسر وأسنده... نهض واستوى واقفا... شرد ذهنه من هول الخراب... جحظت عينه وهو يرى المكان... دمار...!

ابتعد خطوات وهو ينظر للسوق من حوله... الوراقين... شارع المتنبي...!

لهبٌ يشتعل في حديد السيارات المتفجرة... دخانٌ يتصاعد من المحلات التي التهمتها النيران ولم تشبع بعد...!

الأجساد تحترق... تتفحم... تتقطع... ساقٌ هنا... ذراعٌ هناك... أصابع... أحشاء تُداس دونما وعي... وأحشاء يقتات عليها الذباب...

أجساد فاقده الوعي كالجثث... أُخرى حاضرة الوعي والروح... أفواه مفتوحة... عيون غارقة... أشلاء ودماء هنا وهناك...

الأرض حوله أوراق متفحمة... كتب تأكلها النيران بنهم وتزفر دخان أسود... أخرى غارقة في رمادٍ ودخان أسود... أخرى غارقة في الدم وتغطي بعض الأشلاء والأجساد... بقايا أوراق ممزقة هبت الريح عليها فحملتها مع الغبار والدخان... شظايا زجاج النوافذ... بقايا المتفجرات... دماء... رماد...

كل شيء صامت... وغير صامت...!

أذنه لا تسمع شيء من هول الانفجار...!

***

(هل أصابك شيء...؟!)

عاد ينظر لسائله وهو واجم... عيونه تنظر دون أن تعكس وجه سائله من هول الصدمة...!

عيونه حمراء جاحظة... عروق وجهه بارزة...

اقترب السائل منه... أمسك السائل ذراعيه... تفحص جسده...

ساعده الأيسر حديدُ موصول بكف اصطناعي...!

فخذه الأيمن موصول بساق وطرف اصطناعي...!

ساقه اليسرى حديد موصولة بطرف اصطناعي...!

***

(أنا هنا لمساعدتكَ.. أتشكو من شيء..؟ تكلم...!)

لم ينطق بشيء... أشاح بوجهه عن سائله... ابتعد خطوات وهو يترنح ناظرا للأرض حوله...

سقط حديد ساعده الأيسر... ارتطام بالأرض... صرخ دون وعي منه وهوى على الأرض وهو يصرخ ويصرخ بشكل هستيري... هرع سائله إليه يحاول تهدئته... وسرعان ما فقد وعيه وهدأ...!

ساعدوه في حمله ونقلوه للمستشفى...

***

جسده على فِراش في زاوية صغيرة من غرفة فيها سريرين لمن هم في حالة حرجة... وثلاث مرضى على فراش فوق الأرض وهو رابعهم... بعض معارفهم وذويهم يعودونهم من حين لآخر... جهاز المغذي موصول بذراعه الأيمن و يمسك به سائله الذي يجلس إلى جوار فراشه على أرضية الغرفة ينتظره حتى يُفيق...

يده تحمل حديد ساعده الأيسر... وكفه الاصطناعي تمزق وخرجت الأسلاك منه وبعضها تقطع... وإلى جوار فراشه وضع محفظته وساعة يده...

فتح عينه بتثاقل... أدار رأسه ببطء... بدأ يُفيق... انتبه سائله وقال له:

(كيف تشعر الآن...؟)

أدار رأسه الجهة الأخرى... أدرك بأنه في المستشفى... نظر لذراعه الأيمن... رفع يده بثقل وأخذ يُقلبها كمن يتأكد من وجودها...! تحسس مكان ساعده الأيسر بثقل وخوف... رمق سائله بنظرة خوف وانكسار... أخبره سائله بأن ساعده الحديدي معه ولم يفقده... وكافة حاجياته التي وُجدت معه في الجهة اليمنى من فراشه... تغيرت ملامح وجه... جحظت عينه وهو ينظر لفم سائله وهو يتحدث... أغمض عينيه... سقطت دموعه... تسارع خفقان صدره... أجهش يبكي وينتحب...!

حاول سائله تهدئته...

وضع يده على ذراعه الأيمن...

فتح عينيه الغارقة في الدموع... نظر لسائله في انكسار وهو ينتحب... يشهق... يئن وقال:

لعن الله الإرهاب...!

متفجرات... قنابل... وألغام بشرية... أسلحة...

كلها لا تحصد إلا الجسد وأعضاءه...

ماذا بقى مني غير الحديد...؟!

أطرافي فقدتها...

مرة يُسمونها عبوات ناسفة طائفية...

مرة هجوم على إرهابيين...

مرة قوات احتلال...

مرة جيش وكتائب وخلفاء...

إه... وكلها...

كلها حصدت أطرافي وأعضائي وأهلي...!

فماذا بقى لي بعد...؟!

إه... إه...

كل مرة أفتح عيني في المستشفى... أتفقد أعضاء جسدي... ما بقى وما بُتر وما قُطع.. وما وما وما...

كنت أتوقع أن أفقد يدي اليمنى... أصابعي أو ساعدي أو ذراعي...

.......... إه...

ما عادت تَشبع الألغام من الأطراف... من يد... قدم... ساق أو ساعد...

ما عادت...!

ما عاد نهم القنابل تسده الأجساد...

وملت المتفجرات من الأجسام... والحديد والخشب والحجر...

تحتار ماذا تأكل وماذا تقتات...؟!

...آآآه... آآآه...

هذا الانفجار فجَّر طبلة أذني...!

أنا أصـ... ـم...!

أجهش يبكي ويتمتم... وغاب عن الوعي فترة...

***

أفاق... مسح عينيه بيده اليمنى... فتح عينيه... نظر حوله... وجد سيدة تتشح بالسواد المغبر... رأسها شج وآثار الدماء تبدو على جبينها تحت حجابها... تجلس خائفة... جسمها يرتجف... عيونها غارقة في الدموع... بياض عينها أحمر... أنفاسها تتلاحق...

دخل الغرفة سائله ورآه ينظر للمرأة... اقترب منه وكتب على ورقة:

(المرأة ليست عراقية...

جاءت مع الزوار...

وفقدت أهلها و...

فقدت بصرها وسمعها أيضا...!).

العدد 1655 - الأحد 18 مارس 2007م الموافق 28 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً