ها هي أناملي قد حملت قلما ليخط فيكِ ما قد تعجز الأنفس عن كنهه ومعرفته، بل ووصفه... إليكِ ولا إلى مخلوق سواك أهديكِ سطورا يشع سناها تلألؤا وبريقا، وعبقا وأريجا، ولكن هل ستكفي تلك السطور حقك؟! أو هل ستفي بعض قطرات بحر جودك وكرمك؟! لا وألف لا، فقد عشنا وترعرعنا في كنفك، وتدغدغنا من لبن عطفك ورأفتك، تعلمنا منك الحب الذي لم نعرفه من غيرك، والتهمنا منك الصبر الذي كان شعارك، تعلمنا منك ما رسخ في أذهاننا كيف أن نعتد بأنفسنا ولا نشتكي إلا لخالقنا مهما كانت الظروف حالكة، وكيف نجعل البسمة دوما ترتسم على شفاهنا في أقسى الظروف. لم تبخسي أحدا منا حقه في العطاء والتربية الصالحة على رغم الخطوب والمدلهمات التي واجهتك ونحن في كنفك صغار قد حُرمنا من عطف وحنان الأب الذي لم نشعر به منذ وفاته... فما وجدنا سواك ظلا نتفيأ تحته متى ما اشتدت بنا المحن، وما أدفأه من ظلٍ امتلأ حنانا ورحمة وعطفا لو وزّع على العالم كله لما عرف القسوة.
والآن، وبعد كل هذا... أين نحن؟ أين نحن من عبق جنانك، وزفرات رياحينك، وبركات دعواتك الدائمة لنا ولأحفادك؟ هل فقدنا كل هذا؟! هل أيتمتنا؟! هل فقدنا الحياة؟ أم هل فقدنا الهواء الذي لا حياة لنا من دونه؟! أم هل أذن الرب لملائكته بأنه حان موعد رحيلك لجنان الخلد، مخلفة وراءك كؤوسا تجرعنا منها المرارة والحسرة واللوعة التي ما بعدها لوعة؟! حقا، ما أجله من مصاب، وما أقساها من صاعقة حلت على أبنائك وبناتك... الآن نحن شعرنا حقا بأننا يتامى، نحترق بلهيب شمس تسلطت علينا بلا رحمة، وغدونا نبحث عن ظل نحتمي به من ذلك اللهيب، ولكن... هيهات أن نعثر عليه بعدك يا أعظم أم في الوجود، فقد غمر الوجوم أنفسنا، كل منا ينظر إلى الآخر نظرة دهشة وحسرة، وارتفعت صرخات العويل والبكاء على خبر انتقالك إلى الرفيق الأعلى في فجر يوم الأربعاء... ذلك اليوم الذي أضحى اسمه راسخا في أذهاننا بأنه اليوم المشئوم، حقيقة هي أمر من العلقم... فراقك ووفاتك. لابد أنه حلم، لم نصدق ما حدث، ولم نستوعب الخبر، صرخات أختي الكبرى بنا مازالت عالقة في ذهني - بعد أن رأت أخواتها وقد أغمى عليهن واحدة تلو الأخرى من شدة البكاء وارتعدت فرائصهن من شدة الأعباء أثناء رؤيتهن لوالدتهن وقد لفت بلباس الإحرام استعدادا لدفنها - (أنا أمُكُنّ منذ الآن، سأغدق عليكن حنانا وعطفا مما كانت أمي تسقيني إياه)، فارتمينا في أحضانها نلتمس منه بقايا ذاك الحب العظيم.
مكثتِ يا أمي ثلاثة أسابيع في المستشفى، تصارعين فيها المرض، وعلى رغم ذلك كنت هادئة صبورة مؤمنة، لا تطلبين من هذه الحياة الفانية شيئا سوى رؤيتنا حولك، فقد كان هذا هو بلسمك ودواؤك، احتواؤك أبناءك وبناتك وأحفادك، وأنت في وسطهم يلهج قلبك المؤمن بالدعاء لهم، لا أنساكِ وأنتِ في أصعب لحظات مرضكِ كيف كنت ترفعين أكفك إلى السماء للدعاء لنا إلى آخر لحظة في حياتك، على رغم عدم قدرتك على الكلام، لن أنسى نظراتك الثابتة لنا وهي تنطق عنك: أبنائي عليكم بالتكاتف وتوثيق أصر المحبة بينكم دوما وأبدا.
ارتسمت على وجهك ملامح الإيمان واضحة، فما من شخص عرفك إلا وتعلق قلبه بك، وأثنى على سمو خلقك. جارتنا من إحدى الدول المجاورة تقول: «مكثت سنين طوال في البحرين لكنني لم أصادف في حياتي سيدة تحمل صفات مثلما وجدته من دماثة خلق أمكم»... وهذا ما كان مرتسما حتى على وجه من باشر علاجك من أطباء، فقد أبدوا دهشتهم منك ومن رسوخ إيمانك وكيف كنت تحرصين على صلاتك وأنتِ في لحظاتك الأخيرة... نعم لم تتركي الصلاة لأنها كانت نبراس حياتك، دعواتك المباركة لم تبخلي بها قط على كل من عرفتيه من القريب والبعيد، حتى الجيران نزل خبر وفاتك عليهم كالصاعقة فقد كانوا لا ينادونك إلا بلقب (شيخة الفريق).
لقد رحلت عنا يا أمي إلى الرفيق الأعلى لتقابليه بوجه مبيض، يكفيك في ذلك زادك... زاد الإيمان والتقى، وكم نال منا فراقك ومن كل من أحبك، فلا خسارة أكثر من أننا حُرمنا من بركات دعواتك لنا، ولكن ما أعظمه من فخر أن تكوني أنت أمنا، وها نحن نعاهدك يا أعظم أم بأننا على نهجك سائرون، لن نفترق ولن نبتعد عن بعضنا بعضا، سنكون كما أردت يدا وقلبا واحدا، ولعلنا نحظى ببعض ما غمر قلبك من إيمان وصبر وتقى وحب وحنان تعجز الألسن عن وصفه.
فإلى جنان الخلد يا أم علي، ولتنامي وأنت آمنة مطمئنة وحشرك الله مع الأنبياء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ابنتك المفجوعة برحيلك والمحبة لذكراك الخالدة
رجاء آل رحمة
العدد 1657 - الثلثاء 20 مارس 2007م الموافق 01 ربيع الاول 1428هـ