في قريته المتمددة على ضفاف البحر، عاش أيام صباه الأولى يستنشق أنفاس البحر المحمَّلة برائحة السمك النفاذة. بين الأزقة الضيقة وضفاف البحر المفروش بالرمال الذهبية الناعمة قضى "حمد" تلك الأيام من عمر الطفولة القصير اللذيذ.
بعد العبور إلى مرحلة الشباب تتسرب الذكريات إلى رأسه الصغير تحمل في شريطها حنينا شفافا إلى أيام صغره الحافلة بما تحن العين إلى استعادة صوره مرة أخرى، وبما يتمنى القلب بكل ما أوتي من خفقان أن يباشر مشاهده الماضية.
تلك الأيام تبهج "حمد" وتضخ النبض المتسارع في قلبه من لهفة الحنين الجارف إليها، غير أن هناك لحظات صغيرة كانت تدس الكدر ببقائها عالقة في جيوب ذاكرته.
أترابه كانوا يملأون أسماعه بمرويات تبرز ما يدعونه من شجاعة وشقاوة لا تعرف للخوف لونا ولا طعما. أعينهم كانت تلاحقه عقب كل بطولة تسطّرها ألسنتهم. نظراتهم تطالبه بمضارعة أقرانه في إبراز ما تتمكن منه بسالة الإقدام لديه، وأنّى له أن ينسج لهم أثواب بطولاته وهو الفاقد لقدرة النسج. هم يستطيعون النسج من خيوط الهواء بإبر ألسنتهم. هم يبتكرون خيوط بطولاتهم من الخيال، وهو لا يقوى على الخوض في بحر الخيال العميق.
كلما عاد به الزمن إلى تلك الزاوية من طفولته راح الضجر يقرعه بمطرقته بموازاة خفقان دماغه. حتى بعد أن ارتوى بدنه من طراوة الشباب وقطع ثلاثين عاما من حبل عمره وناهز يفعان الرجولة مازالت أولى أعوامه تزاحم بكدرها أعوامه اليافعة هذه وتلقي في صفائها ما ينغصها.
البحر ذلك الامتداد الغامض والهدير المتلاطم المشبع بالأخطار والغرائب. مع هذا البحر بكل ما يصاحبه من متاعب ربط "حمد" مصيره، واتخذه صاحبا يبوح له في فترات خلوته به بكل ما يجيش في أعماق نفسه من خواطر، يبوح بها فيلتقمها البحر بأمواجه وتختفي في باطنه من دون رد أو حرف مواساة.
ومازال الخوف قابعا في طوابق نفسه السفلى وكامنا في أغوار ذهنه وأحراشها، يقلّم أظفار المبادرة عند كل اندفاعة ويشطب ضوء كل جرأة يسطع في فكر لسانه, وكما قال العبد الصالح في سالف ما مضى: الخائف من لم تدع له الرهبة لسانا ينطق به، أزال الخوف أحرف الهجاء من لسانه.
البحر يحرز محاولات في انتزاع الخوف من إرادته وبقايا الطفولة تضيف من بذور الخوف مزيدا. يستولي البحر على إرادته لساعات، ويستعيدها الخوف ثانية عند عودته إلى ساحل قريته وتمشيه في أزقتها الحبلى بعقدة الطفولة.
تحكي له زوجته عما يستجد في القرية أثناء ركوبه البحر. يحكون عن أسد أفلت من القفص فارا إذ لا يعلم في أي مكان من البلاد يختبئ. الكبار وجلون ولا يعلمون ما سيواجهون، خائفون على صغارهم المنتشرين في ممرات القرية. يخشون من خطر لا يعرفون موقعه منهم.
"حمد" يسمع ورأسه يعلو ويهبط في سكينة المنصتين. الخوف لم يضغط جرس الإنذار لديه. يتملكه خوف الإقدام ولا ينتابه الخوف من القادم مادام في حكم المجهول.
عبر الخبر أسماعه كخبر آتٍ من بلاد نائية، لا يعنيه ولا يحرك في هواجسه قلقا يستدعي الحذر، وكأن الخبر كان وهما ومحض إشاعة عبث النقل بها حتى أصبحت بما هي عليه تشكل خطرا يهدد كل من يكون في متناول فم الأسد.
صباحا والشمس تبرز جلال ضوئها فوق قريته الوادعة بجانب الساحل تزود "حمد" بمؤونته من الطعام وتأكد من حضور كامل عدته البحرية، وانطلقت أقدامه يحثها الشوق إلى مياه تتلاطم في هدير أمواج لجية. انطلق يحدوه الأمل في رزق وفير تفيض به السماء عليه.
استقل قاربه المستلقي على ضفاف الساحل وراح يتوغل في عرض البحر، يبحث عن المكان المناسب لإلقاء خيوطه وانتظار الوفير من الصيد. قاربه يقطع اللجج عبورا والهواء المحمّل بعبق النقاء يلفح بشرة وجهه المتوجهة تلقاء التيار الهوائي.
لم يكن قاربه كبيرا، كما لم يكن صغيرا، كان يتسع لقفزاته السريعة أوقات الحاجة، وخيوطه ملقاة في قرارة البحر تنتظر فم سمكة يغرر بها القدر إلى سن "ميداره" المختبئ خلف الطُعم، ترك الخيط متوجها إلى المخبأ المتداري في أقصى الخلف.
تجمدت الدماء في جسده المرعب لمّا رأى من منظر استنفد آخر قطرة عقل في رأسه. دارت الأرض بقاربه وأدارت البحر من حوله لمرات، وعيناه مسمرتان فيما يرى بلا إرادة منهما مثل الضفدعين الناتئين على ضفة نهر، لا يقوى الطرف منهما على الانقباض والموت بارز له وجها لوجه.
رأى أسدا يبرز من المخبأ مع أول خطوة خطاها نحو المخبأ. الدهشة أخرست جوارحه، والخوف المتقوقع في دفائن أعماقه ضج عويله في صدره وكادت ضربات قلبه تصم آذانه.
كيف ركب الأسد البحر؟ أيكون الخوف هو ما يخدعني بمثل هذا المشهد؟ ألهذا الحد بلغت بي العقدة من الإقدام؟ كلا! وبدا زئير الأسد خافتا ينذر بتأهبه، كلا ليس هذا توهما! إنه الموت الماثل في لباس القدر المشؤوم.
قدماه أصبحتا كعمودين صخريين لا يقدر على حملهما بكل ما أوتي من محاولة. يبدأ محاولة رفعهما ولا جدوى وكأنما وضعت فيهما السماوات والأرضون من ثقلهما. الموج المتلاطم صفع القارب بموجة بعثها القدر إليه فأسقطته على سطح القارب، وما هبطت يداه إلا على سلاح الإسهام المستخدم للتصويب على الأسماك.
كما شاءت الأقدار، بعث الأسد من الغابة للبحر! شاءت الأقدار كذلك أن يكون السلاح معبأ جاهزا. رفع الخوف من الموت وحب الحياة السلاح بيديه. صوبه نحو وجه الأسد المتوثب برأسه الضخم. كلاهما يدرك الخطر المحدق بحياته. اللحظات كانت لحظات مصير.
صار صوت الأسد يبتلع الأمواج ويصبغ كل ما يحيط "حمد" بالعتمة، وفي لحظات لا تتجاوز لمحة طرف في حقيقة مقدارها، ولكنها عبرت على قلب "حمد" بخفقات قلب أكثر عددا من قطرات ماء البحر المحاصر به. في لحظات لا يسبقها البرق حلقت جثة الأسد بمخلبين يتسابقان إلى رائحة اللحم البشري.
حب الحياة الساكن في أنفاس "حمد" ثار من فوره ضاغطا على زناد تحديد المصير. قفز السهم قفزة طائر فتحت له أبواب الحرية. الاثنان يتباريان لنيل المرتبة الأولى في الوصول. السهم ومن خلفه يد "حمد" ضاغطة على الزناد بأقصى ما في الحياة من حب لمعاشرتها، والأسد وغزيرة الفتك بالأحياء.
أخيرا التقى الاثنان في الفضاء الساخن بلهيب الموقف. استقر السهم في لب صدر الأسد. حين كان السهم الفولاذي يغور في أحشاء جسد الأسد كانت رجلا "حمد" يفر بهما الخوف ذعرتين نحو البحر، تاركتين للسهم بقية المهمة. أعطى "حمد" لذراعيه راحتهما في السباحة بعيدا أقصى ما يتمكنان، يمدهما الرعب بنفطه وبوقوده، تشقان الأمواج العصية مثلما تقطع الأجساد الهواء من دون عناء تكابده.
بات الآن بعيدا عن فكي غريمه الأسد، ليأخذ إطلالة على ما يجري فوق سطح قاربه. ها هو الأسد يبدو منكفئا على مخالبه من دون حراك ينبئ عن حياة كامنة في أعضائه. يداه تراوحان العوم وعيناه هناك تجاه القارب مبعوثتان. دفعه الاطمئنان المتسرب إلى أعضائه المشغولة بالتحليق في طبقات الماء إلى الاقتراب من قاربه قليلا قليلا.
لا يبدو أن السهم ترك للحياة منفذا في جسم الأسد. تبدو الرمية متحالفة مع الحظ والتوفيق البليغ. دنا من مقدمة القارب والتردد يعبث في داخله بين الصعود أو سلوك بحر الأمان. لا، إن تسديده بالسهم كان تسديدا لا يوفق له أمهر الرماة وكأنه الطير لا يحل إلا بوكره لا يساوره اشتباه بين ألف وكر حول وكره.
بلى ها هو رأس الأسد ملقى على جسده من دون بقية من حياة. بعد إتمام مواثيق الاطمئنان من رحيل أنفاس الأسد بعيدا عن الحياة قفل "حمد" راجعا إلى قريته يجر في مخيلته تسطيرا ولسان راوٍ يسرد حوادث بطولته الأسطورية. إذا حكاية زوجته عن الأسد الهارب لم تكن مجرد إشاعة، إنها الحقيقة، الحقيقة المتوسدة سطح قاربه، وفي أعماق ذاته عنفوان يزمجر في فلول الخوف المترسبة فيها.
ولن يمر وقت طويل حتى تصبح أسطورة "حمد" قاتل الأسود أسطورة لا تبارح ألسنة القاصين والراوين لأطرف ما لازم قريتهم من غرائب الحوادث وأندر البطولات لرجالاتها، وبعد أن كان "حمد" حبيس الخوف من الطفولة حتى أكل ثلاثين عاما من عمره أصبح بطلا أسطوريا لا تجوز به المقارنة، فسبحان مغير الأحوال.
العدد 1669 - الأحد 01 أبريل 2007م الموافق 13 ربيع الاول 1428هـ