العدد 1681 - الجمعة 13 أبريل 2007م الموافق 25 ربيع الاول 1428هـ

ثقافة من نوع آخر!

مادامت عينك تنظر إلى الجسد... فإنها لن ترى إلا الغريزة فقط!

ومادام بصرك يرنو إلى الروح... فإنك تبصر الفكر!

زوبعة تمت إثارتها، كان لها أثرها في الترويج لـ «مجنون ليلى» وإعطائه زخما ثقافيا وأدبيا وفكريا، وكان أشبه بالدعاية المجانية لهذا العمل... كما وكان لها أثرها السلبي في مجتمع تحكمه تارة النظرة الضيقة المحسوسة والملموسة لا النظرة التي تتجاوز فيها العين حدود الرؤيا إلى البصر والبصيرة... وتارة أخرى تحكمه المعرفة والوعي والإدراك الذي يستطيع التعامل مع العمل باعتباره جانبا فنيا، ويضعه في إطار يناسبه ويحكمه ويحده.

لست هنا في معرض الحديث عن العمل، وثقافة العمل، والرأي السلبي وتحليله أو الإيجابي وتفنيده... أنا هنا في معرض الحديث عن «ربيع الثقافة» ومفهوم الثقافة والفكر الإنساني بشكل مجمل.

مقولة كثيرا ما كنت أسمعها فيما مضى وكنت أحاول فهمها وإدراك أبعادها وتطبيقها لكن (من دون جدوى) في معظم الأحيان... المقولة هي: «إذا اقتنعت بشيء فحاول تطبيقه، القناعة شيء والتطبيق مقياس القناعة ودرجتها».

«ربيع الثقافة» في مملكة البحرين هو مبادرة للنهوض بالثقافة المحلية واستعراض بعض الجوانب الثقافية الأخرى التي تُعد ثقافة عالمية وخصوصا ونحن في زمن العالم أصبح فيه قرية واحدة، وفي المقابل كثرة الجاليات وتنوعها في أرخبيل البحرين أحضر معه ثقافة أخرى وهي ثقافة المغتربين عن أوطانهم الذين يحملون معهم ثقافتهم المتوارثة إلى المكان الذي يستوطنونه.

«ربيع الثقافة» شمل ثقافات كثيرة في طرح حاول أن يُسلط الضوء على الجانب الإنساني، في حين لا يمكن فصل الثقافة عن العرف الاجتماعي والعادات السائدة في البحرين والخصوصية التي يتميز بها مجتمع البحرين، الذي يقبل بيسر كل ما يتوافق مع فكره ووعيه ويكون ضمن ما هو متعارف لديه، حتى وإن طُرح بطريقة جديدة فيها نوع من التحديث الذي يرتقي بالثقافة المحلية إلى الأعلى. لكنه، من جهة أخرى، يرفض فكر ونهج الثقافات الدخيلة ولا ينفتح عليها إلا بعد تأكده من أنها تنفعه ولا تضره، ترتقي به حضاريا وفكريا وتاريخيا. ولا تحط من قدره أو تستصغره وتنتقص من قيمه ومعتقداته وأعرافه الاجتماعية. مجتمع البحرين له خصوصية مميزة فهو منفتح على كل ما يصب في خدمته ومنفعته، ومنغلق ومتحفظ أمام كل ما من شأنه أن يتسبب في ضرره.

معرفة المجتمع هي التي تقود إلى معرفة الثقافة التي يجب تقديمها (إلى هذا أو من هذا) المجتمع... والتي تتسم بإيجابية القبول والمشاركة الفعالة في الأنشطة الثقافية... وهنا يأتي السؤال: هل كانت هنالك مشاركة من جميع فئات المجتمع البحريني في «ربيع الثقافة»؟ أم أن هذه الثقافة موجهة إلى فئة محددة ومخصصة فقط؟ وهل ما تم عرضه يُمثل ثقافة المجتمع البحريني صاحب الخصوصية المذكورة سابقا؟ أم أن هذه الثقافة هي ثقافة العولمة التي يفرضها تيار الحداثة والتطور والمعايشة الاجتماعية؟ وأين هي ثقافة المجتمع البحريني الشاملة؟

أسئلة قد تكتفي بعض إجابتها بنعم أو لا... دونما الحاجة إلى فتح تحليل أو نقد لـ «ثقافة» المجتمع البحريني، ينقسم في تمجيدها ويتباين في انتقادها... وتُعدها بعض فئاته نوعا من الترف المعرفي... ونوعا من زيادة الكلفة المعرفية في مجتمع يعاني من خط الفقر الذي يطارده صباح مساء! في حين يراها البعض من هذا المجتمع لا توازي تاريخ المجتمع البحريني الحافل بالكثير، والغني بالثقافة المعرفية الإنسانية البحتة، التي لم تجف عيونها بعد، على رغم ما تعانيه من إهمال يتسبب في سدها لكثرة الغبار والأتربة التي تأتي عليها، لكنها لاتزال تحاول تفجير الحجر وشق الأرض والخروج في زمن يُطمر فيه الكثير، ويُنتقص فيه من الكثير.

السؤال الذي توقفت عنده في البداية وكانت نتيجته النهائية (من دون جدوى)... لم يأت من هباء... ولم تكن نتيجته فارغة من المعنى والمضمون وداعية إلى الانكسار أو العودة إلى الوراء... على العكس... فما الثقافة إلا نتاج قناعة تم تطبيقها بإصرار حتى شقت طريقها على رغم كل العثرات... وواجهت إيجابياتها كما وتحملت تبعات سلبياتها. وفي كل الحالات... قناعة لا يوافقها تطبيق هي قناعة كتاب كبير مداده ماء... والعين لا تُبصر من الكتاب إلا أوراق بيضاء مبللة فقط لا غير!

أما القناعة التي يوافقها التطبيق فإنها قناعة مرمر. تم نقشه ونحته حتى يُصبح رمزا ونصبا، كل عينٍ تراه تُبصر شيئا ما يجعلها تتوقف ساعات وهي تنظر إليه، أو تأخذ له صورا تذكارية من عدة اتجاهات. تارة يعجبها، وتارة تتفاعل معه، وتارة أخرى تنتقده وتستنكر كونه «مرمر». وهكذا هي الثقافة التي تترك أثرا في نفس المتلقي لها.

كلمة (من دون جدوى) هي وليدة واقع معاش لثقافة تحاول أن تظهر وتبرز وتكون... في حين أن غالبية محاولاتها لا يتم تبنيها من المسئولين والمعنيين... كما ولا يتم الأخذ بها بشكل جاد... فيعلوها الغبار تارة، أو تقوم هي ذاتها بنفض الغبار وتجديد الحياة في أعماقها تارة أخرى، في محاولاتها لأن تكون شيئا.. وفي أسوأ الأحيان تُصاب بالإحباط وتصبح القناعة فكرا لا تطبيق أو سلوك وفعل... وهذا يترتب عليه أن تكون ثقافة المجتمع مظهرا لا جوهر!

ثقافة من نوع آخر نحتاج إليها حتى لا يتم تمجيد كتاب مبلل، ولا يتم تجاهل مرمر منقوش ومنحوت بعناية... كما ونحتاج إلى تبني الثقافة المحلية التي تستحق الرعاية من قبل المسئولين حتى تصبح قناعاتنا مطبقة، ولا تكون كالكتاب الذي بلله الماء ويحتفظ به المسئولون في المتحف كمخطوطة ثمينة! في حين أن قطعة مرمر منحوتة بإتقان لم تلق العناية اللازمة، قام صاحبها بأخذها إلى الخارج حتى تكون ذات قيمة... وفعلا... قام «الخارج» بتبني القطعة الفنية وصاحبها أيضا... وها هو يعود بعد سنين إلى هنا وهو رمز من رموز الثقافة الذي يحتفى به... ويُمثل ثقافة مملكة البحرين!

ثقافة من نوع آخر... هذا ما نحتاج إليه فعلا في كل الفصول وليس في الربيع فقط.

زهرة عبدالله أحمد

العدد 1681 - الجمعة 13 أبريل 2007م الموافق 25 ربيع الاول 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً