العدد 1694 - الخميس 26 أبريل 2007م الموافق 08 ربيع الثاني 1428هـ

الخلافات التي تعصف بالمجتمعات... ما أسبابها؟!

إن التعامل مع المشاعر الإنسانية من أصعب الأمور، والواحد منا لابد له أن يتريث قليلا قبل أن يتفوه بكلمة واحدة يقصد من ورائها التوجيه أو المشاركة في عمل ما، علينا أن نتعرف على المفاتيح التي من خلالها نستطيع فتح قلوب ونفوس لتقبل ما نريد قوله لهم أو ليتفاعلوا مع كل عمل نطلب منهم القيام به.

أسلوب التقريع والاستخفاف بالآخرين من أفشل الأساليب التي مقتها الرسول الأعظم (ص) عندما قال «النصيحة أمام الناس تقريع»، وهذا الأمر ينطبق حتى على الأب إذا أراد نصح ابنه، بأن لا ينصحه أمام الأخوان والأقران والناس، بغية الحفاظ على كرامته أمام الآخرين، لابد أن تكون النصيحة بينك وبينه ولا يسمح لثالث أن يتواجد معكما، هذا إذا أردت النصيحة حقا، أما إذا أردت الفضيحة فذلك أمر آخر!

هكذا علمنا إسلامنا العظيم الذي لو تقيدنا بتعاليمه سنكون في الصدارة في كل المجالات، يكفينا فخرا بديننا الحنيف الذي يدعونا لاحترام المشاعر الإنسانية لدرجة أنه يرشدنا إلى ألا تكون حركاتنا مع من أريد نصحه توحي للآخرين البعيدين بأننا ننصحه ختى لا يصاب بالحرج أمام الناس... هل رأينا دينا يحترم مشاعرنا كديننا الإسلامي؟ وإذا ما نجح الفرد منا في اختيار الأسلوب الأمثل الذي يوصله إلى قلوب الناس، وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى لنا إلا إذا قمنا بدارسة وافيه للمشاعر المراد التعامل معها، ولابد أن أضع في ذهني أن لكل إنسان مفتاحا خاصا لمشاعره.

ما هذه الخلافات التي تعصف بالمجتمعات إلا نتاج طبيعي لجهلنا لنفسيات بعضنا بعضا وبالمتطلبات المعنوية والنفسية التي توصلنا إلى قلوب بعضنا بعضا، والأمر الذي لابد لنا جميعا أن نعلمه عندما نريد أن نتحدث مع الآخرين أن أسلوب النقد والتجريح في كل الحالات غير مستحسن عند العقلاء من الناس، ولا يعني ذلك أننا لا يسمح لنا أن ننتقد، ولكن ما نقصده أن النقد لا يكون بناء إلا إذا بعد عرض المسألة ودراستها من جوانبها المختلفة بموضوعية من دون تأثيرات نفسية، وأقصد أن أي عمل يقام في هذه المؤسسة أو تلك، عملا فرديا كان أو جماعيا، لابد وأنه يحوي جوانب إيجابية وأخرى سلبية، فيجب علينا أخلاقيا وأدبيا أن نذكر إيجابيات ذلك العمل قبل ذكرنا للسلبيات، فالخطأ الكبير الذي نقع فيه عند تقييمنا لأي عمل في أكثر الأحيان أن نبدأ بعرض السلبيات ونسهب في التحدث عنها لدرجة أن هذا الأسلوب يجعل فاصلا نفسيا بين الناقد وصاحب العمل، لدرجة أن النقد يتحول إلى وسيلة هدم وإحباط وتثبيط للهمم وليس أداة للتطوير.

من المؤكد أن هذا الأسلوب لا يتقبله الناس بعكس لو ذكر الناقد الإيجابيات قبل ذكره للسلبيات... الفكرة واحدة ولكن النتيجة تختلف تماما، الأولى تجهض العمل، والثانية تطوره وتنميه، بمعنى آخر لابد لنا أن نتعلم كيفية مخاطبة الآخرين إذا كنا ننوي لهذا العمل أو ذاك خيرا، وإذا في يوم من الأيام أغضبت أحد الأشخاص لابد أن أقوم بمراجعة كل كلمة قلتها له فربما أكون أنا السبب في توتر أعصابه، لأنني لم أبحث عن المفتاح المناسب الذي أستطيع من خلاله الدخول إلى قلبه، وهذا ينطبق على كل فرد في الحياة.

لا يفهم من هذا الكلام أنني أدعو إلى الإفراط في المجاملات التي تكون في بعض الأحيان على حساب العمل نفسه، ما أقصده أن نكون واقعيين في نقدنا ليس إلا، وأن نتعلم الأساليب التي توصلنا إلى الأهداف التي نعمل لتحقيقها بأفضل السبل. لا بأس أن نتعلم كيف أحاكي نفوس الناس، وإلا ما الذي يتحسسه بعض المعلمين من بعض الموجهين؟ أليس تركيز ذلك الموجه أو ذاك على ذكر السلبيات وإشاعتها أمام المدير والمدير المساعد والمعلم الأول بأسلوب قد يحط من قدر المعلم أمام أولئك من دون أن يشعر أو يقصد في بعض الأحيان؟! البعض منهم لا يحاول التطرق ولو إلى إيجابية واحدة صدرت عن المعلم، والمعلم أيضا لو لاحظ أنه فقد السيطرة على سلوكيات بعض الطلبة فعليه مراجعة الأسلوب الذي يستخدمه مع طلبته ويحاول أن يقف على كل مفردة يقولها وكل سلوك يمارسه في داخل الفصل وخارجه، وعليه أن يقوم بدراسة وافية لأقواله وسلوكياته بدقة، وفي جانب آخر يقوم بدراسة نفسية كل طالب ولو بصورة إجمالية ويحاول أن يتعرف على مواطن الخطأ في شخصيته بأسلوب بسيط عن طريق إعداد استبانة مختصرة للطالب يسأله فيها عن الجوانب التي تساعد على إيجاد الثقة وترسيخها بينه وبين الطالب عن طريق تصحيح الأخطاء بعد اكتشافها من إجابات الطلبة، وعادة يكون الوقت الأنسب لهذا نهاية كل فصل، وفي اعتقادي أن ذلك ليس بالأمر الصعب إذا أراد المعلم الوصول إلى المفاتيح التي من خلالها يستطيع أن يتملك قلوب طلبته.

وخلاصة القول في هذا المجال أن الكلمة التي لا أرغب في أن تقال لي لا أحاول أن أقولها لغيري مهما كان ذلك الغير، فقيرا كان أم غنيا صغيرا أو كبيرا، فالجميع يحملون بين جوانبهم مشاعر إنسانية تتأثر إيجابيا أو سلبيا بالكلمة التي تقال لهم، والمشاعر الإنسانية ليس لها دخل لا من قريب ولا من بعيد بالمستوى الثقافي والاقتصادي للأفراد ، قد نجد إنسانا فقيرا ثقافيا وعلميا وصحيا وماديا وحرم من أبسط متطلبات الحياة الكريمة ولكنك تراه يتمتع بمشاعر مرهفة وحس إنسان كبير أكثر من إنسان غني بالثقافة والعلم والمال والصحة ووفرت له كل سبل الرفاهية والحياة الكريمة، وقد يكون العكس أيضا وهذا يمكن أن نعاينه بوضوح في واقعنا، بمعنى آخر إذا احترمنا مشاعر بعضنا بعضا فإننا سنصل إلى الغاية التي نصبو إليها جميعا في الكثير من المشروعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والشيء الذي لا بد أن نتيقن منه أنه لا يمكن للغني أن يستغني عن الفقير فوجود الاثنين ضرورة في الحياة الإنسانية.

سلمان سالم

العدد 1694 - الخميس 26 أبريل 2007م الموافق 08 ربيع الثاني 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً