أكد مختصون بأمور الصحة والسلامة أن البحرين لا تعاني من مشكلة نقص التشريعات والقوانين الخاصة بحماية العمال من الأخطار المهنية، مشيرين إلى أن البحرين تعتبر من أفضل الدول الخليجية والعربية في هذا المجال. وقالوا: «إن ما تعاني منه البحرين هو القصور في متابعة تنفيذ القرارات والتوصيات الصادرة بهذا الشأن».
وأضافوا خلال الندوة التي استضافتها «الوسط» بشأن واقع الصحة والسلامة المهنية في البحرين «إن هناك تداخلا في مسئوليات الجهات الرسمية المختلفة وان إنشاء هيئة مستقلة ذات صلاحيات محددة معنية بأمور السلامة المهنية سيوحد الجهود ويقلل من الكلفة التشغيلية، كما أن ذلك سيقلل من العبء على أصحاب الأعمال الذين يتلقون زيارات تفتيشية من مختلف الجهات».
وأشاروا الى حدوث 27 حالة وفاة بسبب الإصابات المهنية خلال الأحد عشر شهرا الأولى من السنة الحالية مقارنة بـ 29 حالة وفاة خلال العام 2007 و21 حالة في العام 2006. وقالوا: «إن قطاع البناء والتشييد كانت له الحصة الكبرى من حالات الحوادث المهنية وبعده قطاع التصنيع».
وشارك في الندوة كل من رئيس قسم السلامة المهنية بوزارة العمل علي مكي والمدير التنفيذي لشركة «آر آر سي الشرق الأوسط» المختصة بإدارة المخاطر وتكنولوجيا السلامة حسن العرادي ورئيس دائرة الحريق والصحة والسلامة بشركة نفط البحرين أحمد خليل بالإضافة الى المدير الإداري لجمعية الصحة والسلامة البحرينية حسن العود.
وأكد المشاركون في الندوة أن الغرامات الموجودة في قانون العمل لا تمثل الواقع الموجود الآن، وقالوا: «إن لم يكن هناك رادعا قويا فإن أصحاب العمل سيتمادون في المخالفات».
وفيما يلي نص الندوة:
*كيف ترون واقع الصحة والسلامة المهنية في البحرين؟ وهل يعد ازدياد أعداد الحوادث المهنية المميتة حديثا مؤشرا على أن السلامة المهنية بحاجة الى تعزيز لدينا؟
- علي مكي: هناك مؤشرات معينة يمكن من خلالها قراءة واقع السلامة المهنية لدينا، هناك نمو كبير من ناحية زيادة أعداد المنشآت الصناعية وذلك يتطلب حدوث تطورا لنظم السلامة المهنية، والأجهزة الموجودة في هذه المنشآت، لدينا الجزء الأكبر الذي يحتاج إلى تركيز أكثر هو قطاع البناء والتشييد، ولأن البلد تشهد في الوقت الراهن طفرة عمرانية كبيرة ما يجعل هناك حاجة ماسة لتطور نظم السلامة المهنية في هذا القطاع.
ازدياد الحوادث في قطاع البناء
*ولكن قطاع البناء والتشييد من أكثر القطاعات التي تشهد حوادث مهنية في جميع أنحاء العالم؟
- مكي: ذلك صحيح، هذا القطاع من أخطر القطاعات في جميع أنحاء العالم وهو ما تكثر فيه حالات الوفاة.
- أحمد خليل: إن هذا الأمر تزداد خطورته و خاصة في غياب وجود أنظمة وقوانين صارمة، من الواجب معرفة صاحب العمل الإجراءات التي يجب عليه اتخاذها في حالة حصول أي حادث في مؤسسته، الأمر الآخر ما هي القوانين الموجودة التي يمكن أن تجعل الشخص يلتزم بها؟ وما هي المعايير والمتطلبات التي يجب عليه الالتزام بها خلال فترة الإنشاء؟
- مكي: إن واقع السلامة المهنية في البحرين قد شهد تطويرا من عدة جوانب، فلم يقتصر التطوير على القوانين والقرارات الوزارية التي صدرت في هذا المجال، فقد كانت هناك قرارات وزارية تصدر تباعا وهي تساير مع الأوضاع الحالية التي يعيشها واقع المنشآت لدينا،إن قسم السلامة المهنية بوزارة العمل الى جانب اللجنة العليا للصحة والسلامة المهنية من ضمن اللجان المهمة الموجودة فيها هي لجنة التشريعات الوطنية وهي معنية بتطوير التشريعات الموجودة وعلى غرار ذلك يتم اقتراح قرارات وزارية أخرى تساير مع الواقع الحالي ولذلك يمكن القول إننا لا نشتكي من تطور التشريعات، كما أن التشريعات لا تتطور بمعزل عن فرض تطبيقها بهدف تطوير واقع السلامة المهنية في البلد، ومن ضمن ذلك تطوير وتدريب مسئولي السلامة المهنية في المنشآت، ففي فترة معينة كان لمسئولي السلامة المهنية خصائص معينة ومع تطور التشريعات والقرارات المتعلقة بمسئولي السلامة في المنشآت أصبح هناك تطوير لنظم السلامة في جميع المنشآت.
*إن هذا الحديث يعد حديثا نظريا عاما ولكن من المؤكد أن عدد الإصابات المهنية ومقارنتها بالسنوات الماضية ستعطينا فكرة أقرب إلى واقع السلامة المهنية في البحرين فمثلا كم حالة وفاة حدثت خلال السنة الحالية؟ وما هي عدد حالات الوفاة جراء الحوادث المهنية خلال السنوات الماضية؟
- حسن العود: عندما نقيس واقع السلامة المهنية ونقارنها بالسنوات الماضية فإننا نجد أن هناك تطورا كبيرا وخصوصا مع بدء تنفيذ قانون العمل والقرارات الوزارية المنفذة له، فمنذ العام 1977 وإلى حد الآن هناك تطور كبير، ألا من ناحية التشريعات فقد حدثت مراجعة دائمة لهذه التشريعات وقد وضعت قوانين جديدة، فقانون العمل الجديد الذي سيصدر في الفترة القليلة المقبلة كان لقسم السلامة المهنية لمسات كثيرة فيه كما تم وضع مسودة القوانين المتعلقة بالصحة والسلامة، هناك قرارات وزارية صدرت عن وزارة العمل تنفيذا لقانون العمل وتم مراجعتها، نلاحظ أيضا إن عدد المفتشين المختصين بأمور الصحة والسلامة المهنية في الوزارة قد تطور من حيث العدد والكفاءة، فالآن معظم المفتشين هم من المهندسين من مختلف التخصصات كيميائيين وكهربائيين وميكانيكيين فجميعهم كوادر علمية رغم أن تخصصهم ليس الصحة والسلامة المهنية ولكن تخصصاتهم تتيح لهم المعارف الكبيرة والمخاطر المتعلقة بالآلآت والأجهزة المستخدمة في المنشآت، هناك أيضا دعما كبيرا من قبل الوزارة لهذا القسم والدليل على ذلك التطوير الذي شهده القسم وزيادة أعداد العاملين فيه بحيث يتماشى مع تنفيذ سياسة الوزارة في هذا المجال، نلاحظ أيضا أن الخبرات الموجودة في هذا القسم قد ساهمت بدرجة كبيرة في عمليات التفتيش العمالي والمهني على المؤسسات وأصبحت هذه العمليات تدار بشكل نوعي إن هذه النقلة الكبيرة ساهمت في الحد من الحوادث المهنية.
إن زيادة أعداد الحوادث المهنية ليست المؤشر الوحيد الذي يوضح لنا واقع السلامة المهنية، فهناك عوامل ومؤشرات أخرى، فدخول أعداد كبيرة في سوق العمل سواء من العمال أو أصحاب العمل فعندما نقيس عدد المؤسسات عند البدء في تطبيق قانون العمل في سنة 1976 نجد أن هناك فرقا كبيرا من ناحية عدد العمال وأصحاب العمل، بالإضافة الى ذلك فإن معظم العمال الداخلين في سوق العمل من العمالة الأجنبية التي لا تمتلك المهارات المطلوبة ولذلك فإننا نجد أن معظم هذه العمالة موجودة في قطاع الإنشاء والذي يمكن أن نلاحظ فيه ازدياد أعداد الحوادث المهنية.
عدد الوفيات لا يعتبر مؤشرا
- خليل: إن مواقع الإنشاءات تشكل خطرا خاصا تختلف عن الأماكن التي يمكن السيطرة عليها كالمنشآت الصناعية بسبب أن طبيعة العمل الموجودة في هذه الأماكن تختلف تماما عن أي موقع أو أي منشأة أخرى، فعندما يكون العمل داخل منشأة صناعية فإنه يمكن السيطرة عليه ولكن عندما يكون موقع الإنشاءات في مكان كبير جدا مع وجود آلاف العمال الذين يعملون في هذا الموقع فإنه من الصعب التحكم في مثل هذه المواقع، ولكن ذلك لا يعني إغفال أهمية وجود تشريعات تحمي العاملين ووجود تدريب لهؤلاء العمال ووجود التزام بالقوانين الموضوعة وإجراء عمليات تفتيش للمواقع، فبعض أصحاب العمل يرون أنه من المقبول أن تحدث إصابات بسيطة وبعدد قليل في مواقع العمل في حين إننا نرى عكس ذلك فحتى لو جرح شخص واحد بسبب الإهمال فإننا نرى أن ذلك ليس مقبولا.
- مكي: أن آخذ معدل الحوادث التي تقع فيها وفيات كمؤشر أساسي سنوي ليس صحيحا، فعندما ننظر الى مختلف القطاعات نجد أن قطاع الإنشاءات هو الذي تحدث فيه العدد الأكبر من هذه الحوادث وهو الذي يجعل من معدل الوفيات مرتفعا ولكن عندما ننظر إلى القطاع الصناعي نرى أن هناك انخفاضا في معدلات الوفيات وحتى معدلات الإصابة.
*ولكن ما يلفت النظر هنا وخصوصا في القطاع الصناعي الإعلان عن إنجاز ملايين ساعات العمل دون إصابات مضيعة للوقت، هناك من يقول بأن بعض المصانع تتعمد عدم إبلاغ الجهات المعنية عن إصابات العمل بهدف إنجاز ساعات عمل دون إصابات ما يعني ارتفاع رصيد سمعتها بالنسبة للمصانع المشابهة؟
- حسن العرادي: إن ما يقوله الأخ علي هو أن الاعتماد على عدد الوفيات كمؤشر أساسي عن أداء أية مؤسسة في جانب الصحة والسلامة المهنية خطأ.
*ولكن ألا يعد ذلك أحد المؤشرات المهمة في هذا الموضوع؟
- العرادي: لدينا مؤشرات معينة يمكن من خلالها قياس أداء الشركات والمؤسسات، فهناك ما يسمى (REACTIVE) و (PROACTIVE) الأولى هو ما يتخذ من خطوات بعد حدوث الحوادث فمثلا تقاس عدد الحوادث في سنة معينة وتقارن بعدد الحوادث في السنوات الأخرى، في حين تختص الثانية بقياس الأداء قبل حدوث الحوادث، وهي معنية بالبرامج التدريبية وما تخصصه المؤسسة من موازنتها للصحة والسلامة المهنية وعدد مرات التفتيش التي تقوم بها المؤسسة وما يتم التوصل إليه من نتائج من خلال هذه العمليات وذلك ما يحدد لنا بأن أداء المؤسسة كان أفضل أو أسوء خلال هذه السنة مقارنة بالسنوات الأخرى كما أن ذلك ما يحدد إن كانت هناك إمكانيات لحدوث حوادث أم لا، فالحوادث تحدث نتيجة أمور قد قصرنا فيها أو لم نتخذ إجراءات حيالها.
في حين يعمل الأخ علي في الحكومة والأخ أحمد في شركة خاصة فإن مجال عملي هو التدريب ولذلك فإنني أنظر الى أمور السلامة المهنية من بعيد وأرى أن الجميع يتحدث عن واقع جيد لأمور الصحة والسلامة في البحرين في حين إنني أرى أن هناك العديد من النواقص وهناك أمور تحتاج الى جهد، فعندما تحدث حوادث خطيرة كما حدث من نسيان طفل صغير في باص الروضة أو عندما ينهار الحفر على عامل أو عندما يسقط عامل من «سقالات» جميع هذه الحوادث كانت مميتة ونحن كمدربين ومختصين في هذا المجال عندما نبحث في أسباب حدوث هذه الحوادث نجد أن الأسباب بسيطة جدا بحيث أننا نتساءل هل كان بالإمكان تجنب حدوثها؟ نحن نرى أن جميع هذه الحوادث كان من الممكن تجنبها.
كفاية التشريعات
*فيما يخص التشريعات هل ترى أن ما هو موجود لدينا من تشريعات كافية لحماية العمال من مخاطر الحوادث المهنية؟
- العرادي: إن مجال عملي يقتضي مني تقديم دورات تدريبية في العديد من الدول كقطر وعمان وغيرها من الدول الخليجية والعربية والمختصين في هذه الدول يرون أن البحرين سباقة في هذا المجال وبالفعل فإن التشريعات البحرينية تعتبر متطورة جدا بمقارنتها مع التشريعات في الدول الأخرى، ولكن الأمر لا يقتصر على إصدار التشريعات بل يتعدى ذلك لمراقبة تطبيق هذه التشريعات فلو أخذنا مثلا حادث الحريق في سكن العمال في الحورة و كم عامل راح ضحية هذا الحادث وما اتخذته الوزارة من إجراءات كردة فعل على هذا الحادث، حتى اليوم كم مؤسسة في البحرين قامت بإجراء تقييم لمخاطر الحريق في سكن العمال التابعين لها؟ فحسب القانون يجب على جميع المؤسسات القيام بذلك بشكل دوري ولكن ما هي الآلية التي لدينا للتأكد من قيام المؤسسات بذلك؟ عندما نضع قانونا فإن هذا القانون يجب أن ينفذ، فمن المقومات الأساسية لأي برنامج صحة وسلامة في أي دولة هي التشريعات والجهات المختصة التي تنفذ وتتأكد من تطبيق هذه التشريعات ومن ثم الموارد الموفرة لتطبيق البرامج، ما نلاحظه في البحرين هو أن لدى الشركات الكبيرة برامج قوية وتلتزم بالتشريعات الدولية ولكن معظم الحوادث تقع في الشركات الصغيرة والمتوسطة ولذلك يجب القيام بعمليات تفتيش دورية لهذه الشركات للتأكد من تطبيقها للقوانين.
- خليل: فيما يخص سؤالك بشأن إنجاز الشركات الكبرى لملايين من ساعات العمل دون حوادث مضيعة للوقت وعدم قيام هذه الشركات بالإبلاغ عن الحوادث بهدف تحقيق ذلك فإني أحب أن أأكد كمسئول في قسم الصحة والسلامة بشركة بابكو أنه من المستحيل أن يحدث مثل هذا التصرف في الشركة وحين أعلنت الشركة عن تحقيق 3 ملايين ساعة عمل دون حوادث مضيعة للوقت فإنني أتحدى أي شخص أن يثبت عكس ذلك.
- العرادي: إن ذلك لا يخص شركة بابكو فقط وإنما الشركات الكبرى عموما فهل جميع الشركات تلتزم بذلك فعلا؟
- مكي: إن مشكلتنا ليست مع الشركات الكبرى التي تمتلك نظم السلامة المهنية وإنما هي مع الشركات الوسطى والصغيرة.
*فيما يخص الجهات المسئولة عن تطبيق التشريعات ونظم السلامة المهنية سواء الجهات الرسمية منها أو في داخل المؤسسات والشركات، هل ترون أن هذه المؤسسات تقوم بالدور المطلوب منها؟
- العرادي: هناك دوافع لتطبيق نظم وأمور السلامة المهنية، فعندما نطرح مسألة لماذا نحن نقوم بتطبيق هذه الأمور؟ فإن هناك دوافع إنسانية أولا بحيث لا أحد يريد أن تحدث إصابات مميتة أو معوقة لأي عامل جراء حادث خطير، الدافع الثاني هو وجود قانون يردع المخالفين، فإن كان القانون صارما والغرامات عالية فإن صاحب العمل سيعمل كل جهده للالتزام بالقانون وفي هذه النقطة لدينا مشكلة في البحرين، فمن المعروف مثلا في الدول الأوربية أنه في حالة حدوث أية إصابة بسيطة لأي عامل فإن هذا العامل من الممكن أن يقاضي الشركة ويحصل منها على مبالغ ضخمة الأمر الآخر والذي حدث تركيز عليه في هذه الأيام في جميع المنتديات والمؤتمرات هو العامل الاقتصادي، فقد أثبت علميا أنه في حالة وضع أي مبلغ في برنامج للسلامة المهنية فإن ذلك لا يعتبر إضاعة لهذا المبلغ وإنما هو استثمار فهناك دراسة تقول بأن كل دولار يوضع في برامج السلامة المهنية يعطي ربحا في حدود ثلاثة دولارات.
الغرامات لا تمثل الواقع
*ولكن في البحرين ما هو مبلغ الغرامة والتعويض الذي يدفعه صاحب العمل للعامل في حالة وقوع حادث لعدم تقيد صاحب العمل بالقوانين؟
- مكي: هناك جانبان في هذا الموضوع، فهناك التعويض الذي يصرف للعامل وهو يعتمد على نظم التأمينات الاجتماعية، وهناك الغرامات وهنا نواجه مشكلة أن الغرامات المفروضة بسيطة جدا وتتراوح ما بين 50 دينارا و300 دينار، وذلك بغض النظر إن كانت هناك حالة وفاة أو إصابة بليغة أو بسيطة وإنما تفرض على أساس مخالفة أي مادة من قانون العمل.
*ولكن في حالة حدوث وفاة وثبت أن هناك تقصيرا واضحا من قبل صاحب العمل كيف يتم التعامل مع هذه الحالة؟
- مكي: في هذه الحالة يكون هناك بندان؛ البند الأول يتصل بمخالفة قانون العمل والبند الثاني يتصل بالقضاء بعد أن نرفع محاضر المخالفات الى قسم الشئون القانونية الذي يقوم بدوره برفع الأمر الى النيابة العامة التي تحدد مقدار المخالفة.
- العود: إن الغرامات الموجودة في قانون العمل لا تمثل الواقع الموجود الآن، فمبلغ 50 دينارا أو 300 دينار لشخص خالف قانون العمل بغض النظر عن التعويضات التي تدفع للعامل، فإن لم يكن هناك رادعا قويا فإن أصحاب العمل سيتمادون في المخالفات، فمن خلال تجربتي أثناء رئاستي لقسم الصحة والسلامة فإن أصحاب العمل لا يهمهم هذا المبلغ البسيط، الآن القانون الجديد تم وضع غرامات أكبر بحيث تمثل الواقع الجديد.
- خليل: نحن الآن نناقش مع وزارة العمل من خلال مناقشتنا للقرار رقم (6) هل أن صاحب الشركة أو المدير العام للشركة هو الشخص الذي يجب محاسبته حين حصول أي مخالفة في المؤسسة؟
*ولكن هل هناك عدد معين من العمال في المؤسسة الذي يستوجب وجود مشرف للسلامة المهنية في المؤسسة؟
- خليل: إن القرار رقم ( 6) الصادر في سنة 2000 واضح جدا في هذا المجال فقد حدد 100 عامل فما فوق ليكون هناك ضابط أو مسئول أمن وسلامة في المؤسسة يعمل بدوام كامل، كما أن القرار تحدث عن وهمية وجود لجنة للصحة والسلامة المهنية تتشكل من الإدارة وعمال الشركة تجتمع بشكل شهري ويتم إرسال محاضر اجتماعاتها لقسم الصحة والسلامة المهنية في وزارة العمل.
- العرادي: هناك سؤال مهم في هذا الجانب وهو هل قامت وزارة العمل بوضع جميع الإمكانات من أجل التأكد من وجود أنظمة السلامة والكادر المطلوب لتطبيق هذا الكم الهائل من التشريعات؟
- مكي: خلال الزيارات التفتيشية والدورية فإنه من ضمن الأمور التي نركز عليها تطبيق القرار والتزام المنشأة بتوفير مشرف سلامة أو لجنة للسلامة بناء على عدد العمال ويتم تقييم نشاط المنشأة في هذا الجانب، وفي حالة وجود عدد أقل من 100 عامل أي من 50 الى 99 عاملا فإنه يجب إيكال مسئولية الصحة والسلامة إلى أحد الإداريين في الشركة، نحن الآن ندرس تحديد القطاعات وأنشطتها بحيث يكون الأمر مختلفا في قطاع البناء والتشييد وأن يكون هناك تصنيف مختلف للشركات التي لديها فروع متعددة وهناك تفصيل أكثر ونوعي، وذلك الى جانب تقييم المؤهل الذي يجب أن يحصل عليه مسئول الصحة والسلامة فنحن الآن نتحدث عن مؤهل «نيبوش» والكثير من المؤسسات تطلب مؤهلا لا يقل عن الدبلوما في حين كان في السابق يقتصر الأمر على الثانوية العامة.
- العرادي: من خلال عملي في مجال التدريب والاستشارات لاحظت أن هناك توجها كبيرا من قبل الشركات والمؤسسات في البحرين الى مجال الصحة والسلامة وهناك أعداد كبيرة تحضر برنامج «النيبوش» وحتى تستمر الى الدبلوما، فمع هذه الطفرة العمرانية التي تشهدها البلاد فإن الشركات تحتاج الى متخصصين في هذا المجال وهناك طلب كبير على هذا التخصص، إن برنامج «النايبوش» لا يخرّج متخصصين في أمور السلامة المهنية ولكنه يخرّج مشرفين عامين من ضمن مهامهم السلامة المهنية.
نقص الكوادر المختصة
*السؤال هنا إن لم يكن هناك نقص في التشريعات الخاصة بالسلامة المهنية ولا في الكوادر البشرية المختصة بأمور السلامة المهنية فأين يوجد النقص إذا ولماذا لا يتم تطبيق الأنظمة الخاصة بها؟
- مكي: بالعكس، نحن من خلال زياراتنا لمواقع العمل نلاحظ أنه لايزال هناك طلب كبير على مسئولي السلامة المهنية، ولذلك فنحن نقدم من خلال القسم برامج لتأهيل الكوادر المختصة في هذا المجال وقد قمنا بتخريج 50 متدربا وهناك توجه لإعادة هذه الدورات بالتعاون مع صندوق العمل كما أن هناك توجها لتقديم مثل هذه الدورات من خلال معهد البحرين للتدريب المهني وبسبب وجود طلب كبير فإنه يمكن القول إنه لو تم تخريج 500 مختص في السلامة المهنية في السوق فإنهم لن يسدوا النقص الحاصل.
إن المسألة الهامة هنا هو الوعي من قبل أصحاب الأعمال والعمال وحتى مسئولي السلامة المهنية، فعندما يدرك العامل أهمية أداء العمل بآلية سليمة فمن المؤكد أن الحوادث ستقل كثيرا.
*هل ترون أن هناك التزاما من قبل أصحاب العمل في توفير المعدات والأدوات الخاصة بحماية العمال؟
- العرادي: إن صاحب العمل قد يتعرض لدرس قاس من خلال وقوع حادث مؤلم عندما يتم التحقيق مع صاحب العمل سواء من قبل وزارة العمل أو وزارة الداخلية وعندها قد يطبق نظم السلامة في مؤسسته ويوفر المعدات المطلوبة، هناك طريقة أخرى وهي رفع مستوى الوعي لدى أصحاب الأعمال، إن ما نراه في البحرين هو ردة الفعل الوقتية فعندما تحدث كارثة مهنية نرى المسئولين يصرحون في الصحف ويزورون موقع الحادث ولكن ما نفتقد إليه هو استراتيجية واضحة لنضع نظم سلامة لتلافي جميع المشاكل الموجودة، نحن اليوم بحاجة ليس فقط لتكوين لجنة عليا للسلامة المهنية جميع أفرادها مشغولون بوظائفهم ولكننا بحاجة الى تشكيل فريق متخصص وبدوام كامل تدعمه الوزارة لإيجاد حلول لمشكلات يتكرر حدوثها في البحرين فمثلا السقوط من أعلى فحسب الإحصاءات إن أخطر الحوادث هي السقوط من أعلى وهنا نتساءل أين الحلول؟ وأين النظم التي أوجدت للحد من هذه الظاهرة؟، عندما نقول إن قطاع البناء والتشييد هو أخطر قطاع هل تأكدنا من وجود كوادر متخصصة بأمور السلامة في هذه المنشآت.
- خليل: للأسف أن ما يذكره الأخ حسن صحيح، فعندما يقع حادث خطير يجتمع المسئولون ويتم إصدار قرارات وتعليمات ولكن لا توجد استمرارية لمتابعة تنفيذها فخلال حوادث وكوارث حدثت في الماضي كحريق سكن العمال في القضيبية أو حادث سفينة الدانة صدرت تشريعات وتوصيات جيدة بالفعل لعدم تكرار ذلك ولكن أغلب هذه التوصيات لا تنفذ.
هناك أيضا مسألة تشابك السلطات الموجودة لدينا، فوزارة العمل لديها معايير معينة ووزارة الصحة لديها معايير أخرى وهناك معايير مختلفة لدى الدفاع المدني وهيئة المحافظة على البيئة، ولكن عندما يحدث توحيد لهذه الأنظمة وإيكال مهمة متابعتها لجهة واحدة.
عدد الوفيات والإصابات
*سأرجع مرة أخرى لمسألة الإحصاءات والأرقام وبالرغم من أنكم لا ترونها تعطي مؤشرا واضحا لتقييم مستوى السلامة المهنية في البحرين إلا أنه يهمنا معرفة عدد إصابات العمل بما فيها من حالات وفاة حدثت خلال العام الحالي والأعوام السابقة؟
- مكي: عندما نتحدث عن إحصاءات الإصابات المهنية فإن هناك عدة تصنيفات لإصابات العمل من بينها الإصابات التي تتسبب في انقطاع العامل عن العمل لمدة ثلاثة أيام وهناك الإصابات البسيطة والإصابات الجسيمة والوفاة، بالنسبة لعدد الإصابات التي حدثت خلال العام الحالي ولحد شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي هي 84 إصابة بمختلف أنواعها في حين كان عددها في العام الماضي 85 وفي العام 2006 كانت 68 حادثة وفيما يخص حوادث الوفاة فقد كانت 27 حالة وفاة حتى مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري في هذه السنة في حين كانت خلال العام الماضي 29 وكانت في العام 2006 في حدود 21 حالة وفاة وذلك في مختلف مواقع العمل وفيما يخص قطاعات العمل فإن قطاع البناء والتشييد كانت له الحصة الكبرى وبعده قطاع التصنيع.
- خليل: فيما يخص سؤالك بشأن هل تعد الإحصاءات مؤشرا عن واقع السلامة المهنية؟، بالطبع يعتبر ذلك مؤشرا ومؤشرا غير مريح بالنسبة ليّ فوفاة حتى شخص واحد شيء مؤلم.
*ولكن ما الذي يمكن استخلاصه من تقارب أعداد الحوادث وحالات الوفاة خلال السنوات الماضية؟
- مكي: إن ذلك يعطينا مؤشرا مهما وخصوصا إذا صنفنا هذه الحوادث من خلال القطاعات فعندما نرى ارتفاع حالات الوفاة في قطاع البناء والتشييد مثلا فإن ذلك يوجهنا لإجراء دراسات وتحاليل لوضع تشريعات معينة أو برامج رقابية ودورية معينة، ولكننا كنا نتحدث عن الحوادث والإصابات المهنية عموما، نحن نفتقر للإحصاءات وذلك ليس فقط على مستوى البحرين وإنما على مستوى الخليج والوطن العربي، فجميع هذه الدول تشتكي من عدم دقة الإحصائيات وعدم الالتزام بنظم الإبلاغ عن الحوادث المهنية، فعلى مستوى البحرين عندما نقارن عدد الحوادث التي يتم الإبلاغ عنها في وزارة العمل مع الإصابات والحوادث التي يتم الإبلاغ عنها في التأمينات الاجتماعية نرى أن هناك فارقا كبيرا، إننا كمهتمين في هذا الجانب عندما نرى هذا الفرق يمكن أن نستخلص من ذلك أن برامجنا لا تماشي الواقع بسبب أننا لا نمتلك الإحصائيات الموثقة بتفاصيلها.
- خليل: فيما يخص معدل التكرارية فإن هناك معادلة معينة لو استخدمت في البحرين أو الدول الخليجية لكان من السهل مقارنة دولة بأخرى لأنها تعتمد على أرقام محددة حتى إن كان هناك ألف عامل أو عشرة آلاف أو حتى مليون عامل، في بريطانيا مثلا كانت هناك 241 حالة وفاة في العام الماضي ونحن نتحدث عن 50 مليون عامل أو 40 مليون عامل، في بريطانيا يقدرون أن هناك 0.8 حالة وفاة لكل 100 ألف عامل، ولو حسبنا ذلك على مستوى البحرين وبالرغم من أن بريطانيا متقدمة علينا جدا من حيث التقنية فإن أرقامنا أفضل من أرقامهم فيما يخص الحوادث المهنية.
- العود: أظن أن الأمر لا يقتصر على عدد حالات الوفاة فقط وإنما هناك أيضا الحوادث الكبيرة التي تسبب إعاقات، كما يمكن قياس ذلك على حجم التعويضات، وذلك يرتبط بالاقتصاد فكم يكلف الدولة تعويضات المصابين والوقت المهدور في حالة تغيبهم عن العمل، بالإضافة لبرامج التأهيل، إن جميع هذه المؤشرات عند قياسها توضح إن كان واقع السلامة المهنية مناسبا لدينا أو لا، قد تقع بعض الحوادث ولكن بشكل غير متكرر أو أنها تحدث لأول مرة وقد تتسبب هذه النوعية من الحوادث بإصابات كبيرة وعندما نقيس مثل هذه الحوادث على مستوى الخسائر المباشرة وغير مباشرة والأسباب الظاهرية للحوادث والأسباب غير ظاهرية وعدد العمال الداخلين في العملية الانتاجية كل ذلك يمكن أن نقيس من خلاله مستوى السلامة المهنية لدينا.
مهنة السلامة المهنية
- العرادي: إن مهنة السلامة المهنية كأية مهنة أخرى كالمحاسبة مثلا أو الإدارة أو الصيانة، إن جميع هذه المهن تتطلب نظاما معينا وهذا النظام يتكون من عدة مكونات، فأول شيء يجب أن تكون هناك سياسة عامة أو استراتيجية وبعدها يجب إيجاد أنظمة لكي تضبط الأهداف وبعدها يجب أن تكون هناك أساليب يجب إتباعها، إن الشركات التي لا تمتلك مثل هذه النظم نرى أنها تعاني من ازدياد عدد الحوادث لديها أو أن تنخفض نسبة الحوادث ويتمثل ذلك بما يشبه الدورة التي قد تزاد فيها الحوادث في فترة معينة أو تختفي الحوادث دون أي تفسير.
- خليل: أحب أن أذكر هنا أن الرقم الأميركي بالنسبة لأعداد الحوادث هي 3.7 حالات وفاة لكل 100 ألف عامل ما يعني أربعة أضعاف الرقم البريطاني رغم أن طبيعة الأنشطة متشابهة تقريبا.
*ولكن ما هي النسبة لدينا في البحرين؟
- خليل: ذلك يتطلب معرفة عدد العمال لدينا ولو افترضنا أن عدد العاملين في البحرين 500 ألف عامل نقسمها على عدد حالات الوفاة ما يعني 4 حالات وفاة لكل 100 ألف عامل أي النسبة الأميركية نفسها تقريبا.
*هناك مقترح لتشكيل هيئة عليا للصحة والسلامة في البحرين، الى أين وصل هذا المقترح من ناحية التنفيذ؟
- خليل: لقد كان لدينا تصور منذ العام 1998 عندما تم تشكيل اللجنة العليا للصحة والسلامة المهنية إذ كان هناك حماس كبير لتشكيل هيئة مستقلة تماما لها صلاحيات خاصة وأن تكون فيها كوادر مختصة تهتم بتدعيم واقع الصحة والسلامة في البحرين، ولكن للأسف فإن هذا الموضوع سار ببطء، قبل شهرين قُدم هذا الاقتراح لوزير العمل. إن هذه الهيئة عند تشكيلها ستجمع جميع الأطراف، المختصين من وزارة الصحة والمختصين من وزارة العمل و الدفاع المدني حتى يصدر القرار من جهة واحدة. أعتقد أن تشكيل هذه الهيئة سيمثل طفرة نوعية في هذا المجال وسيكون مردودها كبيرا على المؤسسات والشركات العاملة في البحرين.
- مكي: إن دوافع إنشاء مثل هذه الهيئة لا تقتصر على البحرين فقط وإنما هناك معايير واتفاقيات دولية وعربية تدعم هذا التوجه، إن التصديق على هذه الاتفاقات يتطلب أن يكون لدى البحرين جهاز مستقل للسلامة المهنية سواء كان ذلك هيئة أو مجلسا أو أي تسمية أخرى، فمثلا الاتفاقيات الدولية رقم 155 و رقم 187 والاتفاقية رقم 7 جميعها تتحدث عن إنشاء هيئة مركزية مستقلة للسلامة المهنية.
بالنسبة لدينا في البحرين في الوقت الراهن هناك تداخل في مسئوليات الجهات المختلفة فلدينا ديوان الخدمة المدنية المختص بالقطاع العام ووزارة العمل المختصة بالقطاع الخاص وهناك وزارة الصحة والدفاع المدني ووزارة الصناعة والهيئة العامة لحماية البيئة والحياة الفطرية فهناك سبع أو ثماني جهات مختلفة مختصة بأمور السلامة المهنية، إنشاء هذه الهيئة سيوحد الجهود ويقلل من الكلفة التشغيلية، كما أن ذلك سيقلل من العبء على أصحاب الأعمال الذين يتلقون زيارات تفتيشية من مختلف الجهات، كما أن هذه الهيئة ستساعد في توفر الإحصاءات الدقيقة من خلال قسم مختص يتبع هذه الهيئة. كما ستساعد هذه الهيئة في إجراء الدراسات البحثية التي نفتقر إليها في الوقت الراهن
العدد 2256 - السبت 08 نوفمبر 2008م الموافق 09 ذي القعدة 1429هـ