العدد 1712 - الإثنين 14 مايو 2007م الموافق 26 ربيع الثاني 1428هـ

بين المواطن والحكومة

هل خطر على قلب بشر أن يطرح سؤال على شاكلة «لماذا يعارض المواطن الحكومة؟» ويحاول الوقوف على أسبابه ومحاولة علاجه؟! لعلها ظاهرة في معظم بلاد العالم وتتفاوت نسبتها من بلد إلى آخر، إلا أنها ظاهرة ولا يمكن إغفال العين عنها، سواء من الحكام أو المحكومين، إذ درجة الرضا لا يمكن بلوغها إلا في المدينة الفاضلة أو روايات الفلاسفة، حين تتساوى المعاملات للكل ويصبح الجميع أمام القانون والقضاء واحد. ولعل رسولنا (ص) في تشريعه الرباني كان الأسوة في وضع مبادئ وقيم المدينة الفاضلة التي تقضي بمساواة الجميع، فكان هو المثل في الحياة يجوع ويعطش حتى يشبع ويرتوي الناس، بل ويكتسون، حتى إذا بلغ الحدود في قصة المخزومية وكما قال في حديثه الشريف (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ليسطر لنا أروع الأمثال في العدل والمساواة. تلك المساواة التي تضع المواطن في أزمة حقيقية مع الحكومات، ليس مع الحاكم الشرعي بالضرورة، فالوزير حاكم، والمدير حاكم، والرئيس حاكم، والسكرتير حاكم، والموظف العادي حاكم، وكل من يتولى أمور الناس ومباشرتهم حاكم. فالسكرتير الذي لا يرحب بالمراجعين ولا يفتح الباب للناس لمقابلة مرؤوسيه حاكم، والمدير الذي لا يحترم موظفيه ويسيمهم صنوف العذاب ويتلاعب في ترقياتهم ومستقبلهم الوظيفي حاكم، والوزير الذي لا يعلم بمعاملات وزارته وآليات صرف المعاملة وضوابطها وقوانينها وزيد يسبق عبيد ويصرف لفلان ولا يصرف لعلان ويقدم فلانا على فلان في وزارته هو حاكم. والموظف العادي الذي لا يستقبل الناس بوجهٍ طلق وإذا ما رأى علانا من كبير القوم فز وانبسط وتهلل... حاكم.

نعم، كلهم حكام، ولكنهم يشتركون في خلق ثقافة الكره والضغينة لدى المواطن على الحكومة بسبب المعاملة! ولربما تقصير الحكومة في توفير الجانب الخدماتي للمواطنين من ضمانات اجتماعية وصحية كالعمل والمسكن وتدني الأجور هي بمثابة عامل رئيسي في الموضوع، إلا أن غياب مبدأ العمل بالمساواة والشفافية في إدارات الحكومات هي بمثابة سكب الزيت على النار، فمراجعو الإدارات الحكومية هم مواطنون. والموظفون المظلومون الذين لا يجدون من ينصفهم، هم مواطنون. والمتردية أحوالهم والقابعون في الفقر، هم مواطنون. وتبقى الإدارة الحكيمة هي سيدة الموقف في ميزان الكره والولاء للحكومة، إذ الولاء يرتبط بالنظام في الدولة لا بالشخوص، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية «إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويزيل الدولة المؤمنة إن كانت ظالمة». فالمسألة ليست إيمانا وكفرا، وإنما عدل ومساواة. ولذلك تجد أن الدول المتقدمة أولت الإنسان جل اهتمامها لأن من دونه لا تكون الأوطان، فهو الرصيد الحقيقي في نهاية المطاف لتولي الأمور جميعها، سواء كان وزيرا أو موظفا أو مراجعا.

إذا ركزوا على تقييم وتطوير إدارات الدولة، بما يتوافق مع طموح الإنسان وحقوقه ويحفظ ويضمن استمرارية تلبية متطلباته وحاجاته وإشباع رغباته، فالحياة فن، وفن الحياة هي الإدارة الناجحة. فهل حان الوقت للتفكر في الإدارات ودراسة آثارها السلبية على حياة المواطن؟!

عارف الجسمي

العدد 1712 - الإثنين 14 مايو 2007م الموافق 26 ربيع الثاني 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً