قال الباحث والمحاضر الأكاديمي في العلاقات الدولية والدراسات الآسيوية عبدالله المدني إنّ الحروب لا تتسبب في تجميد خطط التنمية وتوجيه الموارد المخصصة لها نحو المجهود الحربي وهدم وتدمير البنى التحتية وسرقة زمن ثمين من عمر الإنسان المحدود تتجمّد من خلاله أنشطته وأحلامه وطموحاته وحقوقه الأساسية، بل تتسبب في إزهاق الأرواح البريئة وتحويل جزء من المجتمع الى أيتام ومشردين ومعوقين لا يرتجى منهم نفعا أو يعصب إعادة تأهيلهم ودمجهم في أطر الحياة الفاعلة، فضلا عن تسبب الحروب في تدمير البيئة والحاق الأذى بالحياة الفطرية.
وقال المدني الذي كان يتحدّث في ندوة عقدت أخيرا تحت عنوان :»الديمقراطية والتنمية وثقافة اللاعنف كحائل ضد الحروب الأهلية» نظمتها جمعية المنتدى بالتعاون مع نادي الخريجين، أنه من بزوع شمس القرن الحادي والعشرين، دخلت الحروب والصراعات في منعطف خطير غير مسبوق بقيام الجماعات المتطرفة في العالم الإسلامي بشن حرب أممية لا تعرف حدودا ضد الآخر في الداخل والخارج.
وقال إن ذلك يأتي انطلاقا من مشروع طوباوي ومفهوم ديني جهادي ضيّق يعطي للذات وثقافتها حق مقاومة إخضاع كل ما عداها من ذوات وثقافات وأنظمة، الأمر الذي حول العالم بأسره الى مكان غير آمن يمكن أنْ تقع فيه حوادث التفجير والإغتيال والقتل والخطف في أية لحظة، ومما ينذر بمخاطر أعظم هو لجوء أصحاب هذا المشروع الى استغلال الحروب الأهلية القائمة للنفاذ الى ساحاتها وتأجيج وتيرتها وإطالة ديمومتها من أجل استخدام أراضي الدولة المعنية كساحة لتصفية الحسابات الخاصة مع دول وشعوب يعادونها، على نحو ما لوحظ في الشيشان وطاجيكستان وجنوب الفلبين وجنوب تايلند وأخيرا في العراق.
وفي سياق بيان كيف أنّ الحروب تعيد الى الوراء اشواطا دولا متأهبة للصعود وتسير بخطى تنموية واثقة، استعرض نموذجين هما: لبنان وسريلانكا، ففي النموذج اللبناني استطاع لبنان منذ استقلاله في الأربعينيات أنْ يختط نهْجا سياسيا واقتصاديا مميزا عن كلّ جاراته، ففي الوقت الذي كان فيه بعض شقيقاته في سبات عميق والبعض الآخر تعصف بها الأنظمة الديكتاتورية والانقلابات العسكرية والتخبّطات الاقتصادية، برز لبنان كواحة للديمقراطية والحريات والتعايش السلمي في ظل نظام مؤسساتي قائم على التعددية والعلمانية ونهْج الاقتصاد الحر.
العدد 2267 - الأربعاء 19 نوفمبر 2008م الموافق 20 ذي القعدة 1429هـ