العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ

... وكان تحته كنز لهما

يُقال أن الكنز كان كلمات، والكلمات تصنع كتابا، والكتاب خير جليس في الزمان، فهل من عين واعية؟ يقول اقرأ، لكن ماذا أقرأ؟ لا تقرأ في الفراغ، «اقرأ باسم ربك الذي خلق». أمة ابتدأت رسالتها باقرأ... اقرأ لتفكر ولتغير ولتسمو بنفسك وفكرك ومجتمعك وعالمك.

لا يُنقل كل شيء، ولا ترثُ الأجيال كل شيء، لا ترثُ إلا كلمات. تُنقل خلاصة الفكر الإنساني في بطون الكلمة، في كتاب، ولو كان إلكترونيا، يخزّن ثقافة الأمم وتاريخ الحضارات وعصارة فكر الرجال وأسرار الحياة.

بلغات كثيرة وطبعات مختلفة، تمر أفكار وكتابات على الإنسان، تسمو أفكاره وروحه بها، يركب أمواج الخير أو الشر، يرسو بفكره على شاطئ العطاء أو يغوص في مستنقع الأنانية، يقود سفينة العلم أو الدمار، يمتلك العالم أو يمتلكه.

تُولد كتب لتعلن رغبتها في أن تُوأد، أو رغبتها في الرحيل قبل رحيل صاحبها. تُلقى على قارعة الرفوف، أو في أفضل حال، يتمتع بها المسافر ويلقيها قبل الوصول، فهي لم تكن سوى زبد الطريق. وتولد أخرى من كلمات طيبة وأشجار طيبة وقلوب صادقة ونفوس طاهرة وعقول واعية. يرحل هو، وتبقى هي. يراودها حفار القبور كما احتضنوا سابقيها، فتقاتلهم بكلماتها وحروفها، بفتحاتها وشداتها، تنثر بذور كلماتها، تسقيها بحبرها ودمها، تغرس جذورها في حديقة الفكر، لتمكث في الأرض ولتنفع الناس وتُؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، كصدقة جارية أو علم يُنتفع به.

جاءت المعجزات لأقوام يطلبونها وتطلبهم، يفكرون فيها، وربما يسجدون لصانعها. الرسالات السماوية نُقلت في كتب، وما تهلك من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم. لكن الكتب حُرّفت، إلا الكتاب الأخير، فهو الكتاب المعجزة. الكتاب جاء ليبين لهم ما اختلفوا فيه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يخرج الناس من الظلمات إلى النور، من اتبعه فلا يضل ولا يشقى، كيف وهو «كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير» (هود 1)، و»كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب» (ص 29).

كتابات شكسبير الإنجليز، وسيرفانتس الإسبان وغيرهم خُلدت. كتبت قبل 400 عام ويزيد، لكن النسخة الأصلية الصحيحة غائبة - مع ازدهار عصر الطباعة - والمحاولات مستمرة للوصول إلى أفضل نسخة وتحليلها والتفكر فيها ومقارنتها. كتابات سحرت أمما وترجمت لأمم. بينما كتابنا أنزل قبل أكثر من 1400 عام ولا توجد منه أكثر من نسخة واحدة. نُقل في شرايين وجينات ودماء الأجيال. قرأه العرب والعجم فآمنوا به، واستمعه نفرٌ من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. الكلمة فيه ليست كلمة، الكلمة تختزل الفكرة، والفكرة فيها ألف فكرة. الكلمة استمع إليها أجنبي لم يسمع العربية من قبل، فقال إنها ترغيب، وسمع أخرى فقال إنها ترهيب، فهي ليست أية كلمة ولا يعرف حقيقتها إلا من عنده علم الكتاب.

الرواية تصل بفكرتها إلى قارئها، وطلاسمها تنتهي غالبا في نهايتها. وكتابنا قصصه كل العجب. تقرأ القصة لتتعلم منها أمرا ما. وتقرأها مرة أخرى لترى شيئا جديدا وتظن أن السحر قد انتهى، لتسمع فكرة أخرى في الفكرة وكأنك تسمعها للوهلة الأولى، فمن الأفضل أن لا تحاول حصر الأفكار حتى لا يرتد إليك البصر خاسئا وهو حسير.

يبحث العلماء سنوات، ويثبّتون أرقاما في معادلاتهم، ويطلبون المدد المادي والمعنوي من جامعات ومراكز أبحاث، ليأتوا للعالم ببضاعة مزجاة، ولتُلخص أوراقهم في كتاب، يصبح سائغا للشاربين، لكنه يُنسف بعد حين. ويبقى هو الكتاب الأصعب أمام كل طلاب العلم... كتابا ناسفا لنظريات الأمس واليوم، ثابتا ثبات الجبال، بل لو نُزّل على جبل لرآه خاشعا متصدعا من خشية الله.

قرأه أقوام فذلوا ووهنوا، وقرأه آخرون فانتصروا وقلبوا النظريات. قرأه علماء وأطباء قراءة جامدة كتجمد غرفة أمواتهم، وقرأ طبيب «ما هو شفاء ورحمة»، فوجد من قميص يوسف (ع) كيف ارتد يعقوب (ع) بصيرا بعد أن ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم.

كتاب فكر، حطم الأصنام ونسف الأوهام. كتاب حرية، حرر الإنسان من عبودية السلطان. كتاب حياة، به أحسن القصص والعبر. كتاب هداية، صراط مستقيم وحبل قويم. كتاب سلام وطمأنينة، به تستقر النفوس وتطمئن القلوب. كتاب فوائد، به ترتوي العقول وتسمو الأرواح.

لغة حياة هي كلماته، يتأملها الناظر في الكتابات والمقالات والخطابات. كلماته تستكشف مراكز جديدة في الذاكرة، كلماته شبكة من المعلومات وبحر غزير، تنتظر غواصا ماهرا يستخرج لآلئها. كلماته غيرت قوما يعبدون الشجر والحجر ويوأدون البنات ويغزون القبائل فأصبحوا بنعمته إخوانا. كلماته تشرح الصدور عندما تضيق. كلماته نور، تجمع القلوب وتفتح الأذهان وتغير السلوك وتهذب الأخلاق. كلماته روح تعانق الأجساد وتطيب الأبدان.

لما جن عليّه الليل رأى كاتبا، قال هذا أستاذي، فلما أخطأ قال لا أحب الخاطئين. ولما رأى مفكرا قال هذا معلمي، فلما ضل لسانه قال لا أحب الضالين. ولما رأى آية الله مخاطبا، قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين. إني وجدت حياتي ومماتي في كتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، وحاجة قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان؟

الكتاب بحروف كبيرة أعطته أمي إياي في أحد أعياد ميلادي، لكن قراءته كانت جامدة، ولم أستشعر الحروف والكلمات ولا اللغة الإعجازية. عرفته أيضا قبل سنوات في مسابقة لحفظ كلماته. كانت المرة الأولى التي كنت أفكر فيه، اذ الحفظ الجاف لم يأت بالثمار، فكان لابد من معرفة ما وراء الكلمة. في الغربة جمعتنا المصادفة أم الحظ أم شيء آخر؟ أو ربما هو رجوع العبد الآبق إلى مولاه. هنا ارتدت نفسي على آثارها قصصا. كانت العودة في حفظ كلماته مع محاولات جديدة من معرفة ما وراء الكلمة. يتنفس الصباح ويتنفس العقل كلماته، تتكرر غالبا ثلاث مرات في اليوم تحت شعار «وذكر» وتُسمع في التنقلات بجهاز صغير. وكانت المعرفة واللقاء، واستقرار فكر، ونشاطا متوقدا، ومعرفة أستاذ الحياة، وينبوع علم لا ينفد، ومفكر لا يمل أسئلتي. يمنحني القوة، لكني أشعر بمزيد من الجهل أمامه كلما قرأته، لذلك صاحبته.

أرجع إلى بدء الخليقة وآدم وقسم ابليس، اتلو نبأ ابني آدم بالحق اذ قربا قربانا. أرى تفكر إبراهيم (ع) وتسليم إسماعيل (ع) وبهتان الذي كفر. أستشعر صبر أيوب يتساقط اللحم من جسده لينادي ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. أتفكر في طمأنينة مريم وأمل زكريا (ع) ومثابرة نوح (ع) وصفح يوسف (ع) وفتية آمنوا بربهم. أرى الهدهد يحمل كتابا كريما من سليمان إلى قوم يسجدون للشمس دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم وهم أولو قوة وبأس شديد، فأسلموا. أسمع صرخة موسى (ع) وأرى تطاير ذرات المياه واهتزاز الكرة الأرضية جمعاء من «كلا إن معي ربي سيهدين» وكيف رجع إلى قومه غضبان أسفا وكيف سكت عنه الغضب وكيف أخذ الألواح. أتأمل إنسانية عيسى (ع) ورحمة وحب محمد (ص) الإنساني وليس حب اللون أو العرق أو الجماعة، أتفكر في نبي كان خلقه الكتاب، وكيف تستطيع الشعوب والقبائل والحضارات أن تتعارف لا تتعارك، والكثير الكثير و»قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا» (الكهف 109).

تعود الذكرى السنوية لوقفة مع الذات، للتأمل وللتفكر وللتقييم. أين كنا وأين أصبحنا وأين سنمسي؟ سواه ونفخ فيه من روحه، فقعوا له ساجدين. تتثاقل الأجساد وتثبطها الحوادث وتجذبها الأرض نحو ترابها، وتبحث نفخة الروح عن مصدرها وأصلها وبارئها وخالقها وصانعها ومنشئها والعليم بها. تترقب الوقت، وتخشى فواته من دون تأمل وتدبر وتفكر وبحث وسؤال. تستعد نفخة لهذه الوقفة وتنشغل أخرى عنها، لذلك منهم شقي وسعيد. حمّل أقوام التوارة ثم لم يحملوها، فأصبحوا كمثل الحمار يحمل أسفارا، فكيف بأقوام حمّلوا أعظم كتاب عرفته الإنسانية؟ أيأخذونه بقوة أم يدسونه في التراب؟

لا ينفع أن يحمله أحدهم أو كبيرهم، لذلك قال «يقرأون الكتاب»، «يتلون كتاب الله» و «فلا يتدبرون القرآن»؟ وقد جاءت الفرصة وجاء الوقت وهم يمرون مر السحاب. أطول سور الكتاب وهي «البقرة» وردت بها لفظة «القرآن» مرة واحدة، وفي الكتاب كله لم ترد لفظة «رمضان» سوى مرة واحدة في الآية نفسها، فهل ارتباطهما عبث؟ «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان» (البقرة 185). وهل نستغل الفرص والوقت والكنز العظيم؟

يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، اجعل الكتاب العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، ونور أبصارنا، وذكرنا منه ما نَسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وارزقنا تلاوته وحفظه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. واجعله شاهدا لنا وشفيعا، وهدايتنا وكرامتنا في الدنيا والآخرة. اللهم اجعله أنيسنا في القبور، ورفيقنا يوم النشور، واجعل حياتنا في نور، ومماتنا في نور، ومبعثنا في نور. برحمتك يا أرحم الراحمين.

حامد الحوري

العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً