ما من شيء يؤكد حتى الساعة أن ثمة تغييرا سيطرأ على مواقف كل الأطراف ذات العلاقة بالاستجواب الوفاقي القديم/ الجديد الموجه لوزير شئون مجلس الوزراء الشيخ أحمد بن عطية الله آل خليفة على خلفيات ما يعرف بـ «التقرير المثير»، وما من شيء يشير في الأفق إلى أن الاستجواب الوفاقي لن يلقى المصير ذاته حينما ولد وأجهض والبرلمان الجديد لم يكمل أشهره الستة!
أتى الاستجواب الوفاقي المباغت في الدور الأول ليطوي صفحة ما كان يعرف بـ «ربيع الكتل»، وربما لم يكن الاستجواب هو المفاجأ إلا في عنصر التوقيت، لأن برنامج كتلة الوفاق كان قد بشّر بفتح «التقرير المثير»، وهذا جعل شهية قواعدها الشعبية تنتظر اليوم الموعود مهما كان الثمن مكلفا.
الحكومة هي الأخرى تعمل في مسار معاكس للاستجواب، ورهانها في ذلك قد يكون صائبا إذا قيس الأمر بالغلبة العددية في أصوات المجلس، فالكتل الثلاث: «الأصالة، المنبر الإسلامي، والمستقبل» ليس بوسعها خسارة «الوسادة الدافئة» من أجل عيون «الوفاق، وهذا ما عبّر عنه بشكل أو بآخر نائبا رئيس المجلس رئيس كتلة الأصالة غانم البوعينين والعقل المدبر لكتلة المنبر الوطني الإسلامي صلاح علي حينما جاهرا هذه المرة برفضهما للاستجواب.
كتلة المستقبل التي لم تنل شيئا من حصة المقاعد القيادية في معركة اللجان عبّرت هي الأخرى عن موقف أكثر تشددا من الاستجواب، إذ أصدر رئيسها النائب عادل العسومي بيانا شديد اللهجة، لم يقتصر على رفض الاستجواب بل حمل بين السطور اتهاما غير خفي لكتلة الوفاق، محذرا إياها من تعكير أجواء المجلس.
«الوفاق» بدورها اكتشفت أن المجلس العتيد ضيّق عليها الخناق كثيرا فيما تراه إجحافا في حقها المشروع باستخدام أداة دستورية، ولم تعبّر عن خيبة أملها من موقف الكتل، لكن «الوفاق» تجد أن جزءا يسيرا من لعبة الاستجواب ستكون حبيسة قاعة المجلس لكن المسرح الأكبر الذي تتكئ عليه «الوفاق» هو اللجوء إلى حليفاتها في القوى السياسية التي لم تدخل المجلس، إذ دعت زميلاتها إلى عقد اجتماعٍ لمناقشة تقوية موقفها الداخلي من الاستجواب، وقد تلجأ لورقة الشارع للمرة الأولى منذ دخولها المجلس لتكسر «فيتو الكتل».
«الوفاق» تبرر إقدامها على إعادة طرح الاستجواب مرة أخرى في مبررات عدة منها أن «الدستور كفل حق الاستجواب لأية خمسة أعضاء في مجلس النواب»، وأن «مخالفات الوزير واضحة لقانون المناقصات وللدليل المالي الموحد»، وترد الحكومة بأن الدستور أحاط حق الاستجواب بضمانات لتنظيم هذا الحق، وبالتالي فإن الاستجواب الوفاقي «سياسي أولا وأخيرا، وتحاول الوفاق تلبيسه قشرا قانونيا، والاستجواب مشوب بأمور تتعسف في استخدام الحق الدستوري، وفيه سبق إصرار وترصد»!
وترى «الوفاق» أن الاستجواب سليم من الناحية الدستورية، والاستجواب صحيح من حيث الديباجة القانونية، بدليل موافقة هيئة المكتب لإقراره في جدول أعمال المجلس في الدور السابق، وترد الحكومة في المقابل بتجديد الطلب من رئيس مجلس النواب عرض الاستجواب على دائرة الشئون القانونية بوصفها جهة مستقلة لفحص سلامته الدستورية قبل عرضه على اللجنة المختصة، وهو ما ترفضه «الوفاق» التي أعلن أمينها العام النائب الشيخ علي سلمان أن الكتلة في حال الاضطرار قد تقبل بعرض الاستجواب على لجنة الشئون التشريعية والقانونية قبل إحالته إلى اللجنة المالية في المجلس لمباشرته.
الحكومة التي ما فتئت تؤكد تمسكها بموقفها الرافض للاستجواب الوفاقي جملة وتفصيلا، لا تجد نفسها حاليا على الأقل مضطرة للتنازل أو حتى التراجع قليلا، ولن تقدم الوزير عطية الله على طبق من ذهب كما تتمنى «الوفاق»، وبحسب كل المعطيات الحالية فإن الحكومة لن تغير من موقفها شيئا، فهي ترى أن «الاستجواب سياسي ذو خلفيات سياسية واضحة تحاول «الوفاق» إلباسه ثوبا قانونيا».
وعلى رغم امتلاكها لجدران سميكة تضمن لها صد أية لكمة وفاقية في ملف الاستجواب داخل المجلس، فإنه وفقا لبعض المقربين من الحكومة فإنها قد تلجأ إلى تغيير تكتيكها السابق، وستمنح ضوءا أخضر لتمرير الاستجواب مبدئيا لكنها ستدخل في المعادلة عنصرا أكثر ضغطا على «الوفاق» وهو الرهان على الوقت، فليدخل الاستجواب ويحوم من لجنة إلى أخرى، والنتيجة معروفة سلفا، لكن ستكون الحكومة قد ضربت عصفورين معا: إجهاض الاستجواب من جهة وتبديد وقت المجلس من جهة أخرى، وفي المقابل ستلجأ «الوفاق» إلى ورقة الشارع وستتهم السلطة بعدم الجدية في مشروعها السياسي.
ويكشف قياديون من الكتل الأخرى في المجلس أن «الوفاق» لم تخفي عليهم سرا أنها واقعة تحت ضغط الشارع الذي يريد منها تقدما حقيقيا في كشف حقيقة هذا الملف، والنواب الآخرون قد يلتمسون لأختهم (الكتلة الأكبر) العذر في مبررات طرح الاستجواب، لكنهم لا يخفون أنهم ليسوا مستعدين حتى بالوقوف على التل في هذه القضية، ولكن سيبقى السؤال مفتوحا: من سيربح الشوط الثاني: عطية الله أم الوفاق؟
العدد 1879 - الأحد 28 أكتوبر 2007م الموافق 16 شوال 1428هـ