يراودني... يجتاح خيالي كل ليلة، يداعب أفكاري، فيملأ دنياي أحلاما... وأحلاما... وأحلاما. يرافقني ساعة أصحو عند الفجر...
هل ستحالفني أيها الحظ؟
هل أخوضك يا تجربة؟
طرقت باب عملي كالأخريات اللاتي أجبرهن العوز... إنني مجرد عاملة في مصنع الأنسجة والملابس، راتبي زهيد لا يعول مع هذا الغلاء الذي لا يرحم.
انصرم النهار وشارف الأصيل، حين خرجت من عملي وكان صوت الأذان يدوي في أرجاء المدينة، طفقت الأضواء تنساب تزين الشوارع والأبنية، أما أنا فتوجهت إلى سوق المدينة. إن السوق لمكتظة بالباعة، والبضائع متنوعة... تفاح أحمر، موز أصفر، والباعة يتصايحون كل يروج لبضاعته... اشتهيت السلع المعروضة... قميص ازرق... راتب شحيح تمتد إليه الأيدي، أبي، أمي، إخوتي الصغار.
تركت كل المعروضات الشهية واتجهت نحو المصارف، قصدت ذلك المصرف دون سواه، كادت عيناي تلتهم «البوستر» الذي غطى زجاج الواجهة الأمامية للمصرف، العبارة جد مغرية «ادخر بضع دنانير واربح الملايين»، عيناي تلعق الكلمات المكتوبة لعقا... دخلت المصرف وتسمرت عند الباب، صحت في نفسي: ما أروع العمل هنا، المكيف ينفث برودته بلطف، الديكور جميل... الفتيات العاملات هنا أنيقات ياقتهن مرتبة، ملابسهن مكوية، وجوههن مصقولة، وحواجبهن مزججة. ازدريت نفسي فرائحة العرق تتغلغل في ملابسي... صحت حانقة، لسن بائسات كحالي... متى أتخلص من هذا الفقر المزري؟ كادت دمعة مقهورة تطفر من عيني... جاء دوري، نبست العاملة:
- تفضلي
تحولت إلى الكرسي قبالتها وقد انتابني الارتباك...
- ما نوع المعاملة التي تطلبين؟
أريد أن أحول هذا المبلغ إلى بطاقة الحظ السعيد لمصرف ...
- كم المبلغ؟
تلعثمت بعض الشيء... تمتمت، يا له من مبلغ زهيد
- 00000 دينارا
تمت المعاملة وخرجت من المصرف والأمل يملأ قلبي، تأوهت بشدة «آه لو أكون الرابحة هذا الأسبوع وأتخلص من هذا الفقر الكريه، وأركل هذه الوظيفة التي تكسر الظهر، وأجتذب زوجا يضمني بحنانه، المال يجلب كل شيء في هذه الأيام».
منذ أن خرجت من المصرف والآمال تتراقص أمام عيني، بت انتظر الفوز، احلم أن يرن ذلك الهاتف حاملا لي بشرى، كل أسبوع اشعر بالحسرة، وأنا اقرأ أسماء الفائزين في الصحف... مرت الأيام تلو الأيام... وأنا انتظر الفوز.
اليوم وبعد عودتي من العمل، أرخيت جفوني بعد صلاة المغرب، وسلمت نفسي للأحلام مرة أخرى، فإذا بي قد فزت بالمليون، وظهرت صورتي تتوسط الصحف وأنا امسك ذلك الرصيد الضخم راسما على وجهي الفرحة... وتراءى لي في ذلك الخيال وكأني جالسة على كرسي وفير ضاع فيه جسدي النحيل، وكانت على يميني آسيوية غائرة العينين، بارزة الوجنتين، ولها انف عريض متضخم الطرفين، وأسنانها جد بارزة ومتفرقة ورائحة الثوم (ضايقتني) تنبعث من فمها كلما نبست، ولكنها كانت تسوي أظافري، وأخرى على مشكلاتها انكبت على قدمي تصقلهما، والخادمات تراوحن في البهو جاهدات أنفسهن على تنظيم وترتيب المنزل.
فتحت عيني وإذا بي أعود إلى واقع الفقر المرير، فأنا مازلت مضجعة على اسفنج متهرئ، التصق بجدار الحجرة التي لا يبدو في جدرانها إلا الشقوق، والأواني المتسخة في المطبخ ينتظرونني. غالبت التعب كي انهض وأعين أمي المسكينة على أعباء المنزل وأعباء هذه الحياة، صحت في أعماقي ليتني استطيع أن انتشلك من هذا الفقر يا أمي الحبيبة... كادت تلك الدمعة المقهورة أن تطفر من عيني مجددا.
هذا الصباح تدفق سيل العاملات الآسيويات إلى المصنع ككل يوم، وأنا وعدد قليل من البحرينيات اللواتي جرهن العوز والفاقة إلى مثل هذه العمل جرا، فنحن ندخل المصنع منذ الصباح ولا نرى الدنيا إلا عند المغيب، يموت يومنا في العمل، ويمضي بنا العمر حثيثا بين مكنات الخياطة وقصاصات الأقمشة... وكلما اعتصرني تعب الحياة وشظف العيش... أعود أحلم بذلك الفوز. اليوم، عند دخولي المصنع رأيت حميدة تدخل معي في الساعة نفسها، فحميدة لا تعبأ بهموم الحياة، تزين وجهها الممتلئ بالبسمة دائما، وكلما ضحكت اكتنزت وجنتاها واحمرتا... صاحت بي مقهقهة كعادتها:
- مبارك عليك فوز الهندية بالمليون يا سلوى.
- الحظ لها والحسرة لي.
أحيانا أشعر أن الأمل يملأ قلبي، وكأنني سأفوز بذلك المليون غدا، وأحيانا أخرى أشعر بأنني اغرق في بحر اليأس، وكأنني لن أنال ذلك الفوز أبدا، تمر الأيام والأسابيع والشهور ولا أرى فوزا.
وفي يوم قائظ شديد الحرارة أخذت أشعة الشمس الحارقة تضربني على رأسي، وسموم الرياح الحارة تصفعني في وجهي... وصورة الآسيوية الهندية الجنسية التي فازت بالمليون تتراءى لعيني... يا إلهي... يا إلهي الحسرة طوقت قلبي، وقتلت فيّ كل معاني الأمل، وزرعت فيّ كل معاني اليأس، وصوت متهدج يخرج من بين دمي وأضلعي «ما أحوجك إلى ذلك المبلغ»! فالأيام تمر، وأملي في الفوز يذبل ويموت مع الأيام... فلم يبق لي إلا أن اتجهت إلى ذلك المصرف مرة آخر، لكنه لم يكن كالمرة السابقة، بل كان المصرف مزدحما بالعملاء... والمقاعد كلها مشغولة، وبقيت أنتظر واقفة لبعض الوقت... ومن بين هؤلاء كان هناك شاب بحريني في مقتبل العمر، يجري إجراءات تسلم الجائزة الأسبوعية... رأيته! آه كم كانت عيناه محملتين بالآمال والطموح الفتي والفرحة تغمر عينيه، بينما قلبي يعتصر ألما، سحبت ذلك المبلغ الزهيد... فما أحوجني فعلا إليه، وتحولت الأحلام إلى هشيم ورماد، والحياة تسير بي صعبة قاسية بين فقر ضار، وعنوسة مؤلمة.
تهاني ميرزا
أستاذةاللغة العربية بمدرسة النور الثانوية للبنات
العدد 1883 - الخميس 01 نوفمبر 2007م الموافق 20 شوال 1428هـ