قادتني قدماي إلى سورية مرتين، لم أعرف خلالهما سوى دمشق وحي السيدة زينب (ع)، وفي آخر زيارة لي في العام 2003 سنحت لي الفرصة للخروج من هذه الدائرة إلى محافظة حلب، أما في زيارتي هذا العام فقد رأيت ما لم أعهده، فبعيدا عن أشجار الزيتون والفستق المنتشرة على جنبات الشوارع، وبقايا السور الدمشقي العتيد، والحارات البسيطة وممراتها الضيقة، هناك الحجارة والأبواب الخشبية والقلاع المحصنة التي تشهد أن أقدم الحضارات على مر العصور طافت وقامت في هذا البلد.
أن تكون ذاهبا إلى مهرجان في مهمة صحافية، فأنت تتوقع حفلات غنائية واستعراضات ومعارضَ وجولات استطلاعية في المعالم الأثرية، ولكن أن تكون على موعد لاكتشاف طريق مازال يحمل في باطنه رائحة قوافل الجمال والخيول التي قدمت من أقصى بقاع الأرض بغية التجارة والتبادل الثقافي والحضاري، فإنها متعة ما بعدها متعة.
أن تسمع عن بلد أنه مثير للقلاقل والمشكلات ويدعم التوتر في المنطقة التي يوجد فيها، فذلك يترك علامات استفهام. وأن تكتشف أن كل هذا الحديث ما هو إلا دعاية مغرضة لتشويه سمعة رقعة يعيش عليها شركاء لك في الدين والعروبة فهذا أمر يثير الاستهجان والتهكم.
ببساطة وبعيدا عن الإسهاب، يمكنني القول إن مهرجان طريق الحرير الذي أقيم في الفترة من 23 إلى 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2007 في مدن دمشق وبصرى وجبلة واللاذقية وحلب وتدمر، استطاع أن يرسم واقعا مغايرا في أذهان مندوبي وسائل الإعلام العربية والأجنبية عن طبيعة حياة المواطن السوري، والطمأنينة التي يعيش فيها كل زائر ومقيم، ومدى حرص المسئولين في وزارة السياحة السورية على تقديم باقة متنوعة من التراث والآثار والعادات والتقاليد والحقائق التاريخية في طبق واحد تحت عنوان «سورية الحضارة ومهد الأجداد... البلد الأكثر أمانا في العالم».
بصرى واللقاء الأول
وزير السياحة السوري سعد الله آغا القلعة في حفل الافتتاح ومن على المسرح الروماني في مدينة بصرى (140 كيلومترا عن دمشق)، أكد أن وزارته أرادت من خلال استمرارها في إحياء مهرجان طريق الحرير للمرة السادسة على التوالي، أن توضح كيف استطاع العالم القديم أن يتجاوز خلافاته، مشيرا إلى أن القوافل كانت مدنا متحركة تزخر بكل نشاط التجارة الإنساني، فتقضي 3 سنوات لتلتقي في تدمر ومن ثم تتجه نحو حلب لتقابل القوافل الأجنبية في طرطوس واللاذقية؛ ما جعل سورية لا تمر من خلالها قوافل الحرير بل تلتقي على أراضيها، فتتبادل ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها على هذه الأرض.
سأل الوزير السوري موجها ناظريه إلى الجمهور الذي ملأ مدرج مسرح بصرى عن آخره: «هل نستطيع اليوم أن نعيد تلك الثقافة الحضارية التي كوّنت سورية موئلها؟ هل نستطيع من خلال الحوار مع الإعلاميين من مختلف دول العالم أن نبرز الصورة الحقيقية لسورية لندفع عنها ما يستهدفها؟».
جوليا دومنا
بعد هذه الكلمة الساخنة، قدمت فرقة إنانا السورية والفرقتان البلجيكية والروسية، عرضا فنيا يلخص حكاية الأميرة السورية جوليا دومنا منذ تعرفها إلى القائد سبتيموس سيفيروس حتى زواجها منه وتسليمها الراية إلى القائد السوري فيليب العربي. وفي اليوم الثاني وفي قلب قلعة دمشق الملاصقة لسوق الحميدية، قدمت مقطوعات غنائية بلهجات البلدان الموجودة على طريق الحرير، بمشاركة فرق قوس قزح والتركية وجلنار.
السندباد ورحلة الارجوان
أما اليوم الثالث وفي مدرج مدينة جبلة الساحلية، فكان الصحافيون على موعد مع عرض فني قدمته فرق إنانا والفرقتان الكورية والإسبانية، يحكي قصة السندباد في رحلة الارجوان عندما قرر أن يسافر حول العالم عبر طريق الحرير الذي يربط بين الغرب والشرق.
الظاهر غازي
في المقابل، احتضنت صالة الأسد الرياضية بمدينة حلب (350 كيلومترا عن دمشق) في اليوم الرابع، عرضا فنيا قدمته فرق إنانا والجورجية والروسية والجيل الجديد، يحكي قصة زواج الظاهر غازي من الملكة ضيفة خاتون، متضمنا مشاهدَ من حياتيهما في حلب، وزيارة وفد من تجار البندقية لتوقيع معاهدة تجارية مع الملك الظاهر غازي.
في اليوم الأخير قدمت فرق الرقة والإسبانية والجورجية، عرضا في مدرج مدينة تدمر (245 كيلومترا عن دمشق)، يمثل الاحتفال بمراسم زواج الملك أذينة من الملكة زنوبيا، بالإضافة إلى مشاهدَ من حياة الملك والملكة. الاحتفالات لم تكن كل ما في المهرجان، فقد كان هناك معرِض للحرف اليدوية وزخارف طريق الحرير، ومعرِض آخر للزجاج السوري والصور في مقر المتحف الحربي بدمشق، فيما شهد سد وادي أبيض بمدينة تدمر، فعاليات الرسم بالحناء وركوب الأحصنة والجمال، بالإضافة إلى عرس تدمري قرعت فيه الطبول وارتفعت فيه الأيادي وطافت فيه الأجسام في حلقة بيضاوية لم تستكن، فضلا عن زيارة متحف تدمر وقلاع الحصن وصلاح الدين وحلب.
خلاصة الكلام
سورية بلدٌ فيه كل وسائل الترفيه السياحي والاستجمام العائلي، والخضرة فيه على مد البصر، وبه من الصحارى ما يكفي شغف هواة ركوب وسائل النقل التقليدية (الخيول والجمال) والذين يحنون إلى المبيت في البادية، كما أن لها شريطا ساحليا طويلا يطل على البحر الأبيض المتوسط، يدفعك إلى الاستلقاء على الرمال الصفراء للتمتع بأشعة الشمس وسط نسيم البحر العليل. في سورية عليك أن تطير كالفراشة لتلتقط من كل بستان رحيق زهرة.
مدن «طريق الحرير»
بصرى. وصلت شهرة هذه المدينة إلى جميع أنحاء العالم من دون استثناء، تلك الشهرة التي امتدت منذ أقدم العصور أيام الرومان وامبراطورهم فيليب العربي مرورا بالمسيحية الأولى، وتستمد شهرتها من مسرحها العظيم الذي يعتبر أعظم مسارح العالم وأجملها، إذ تقام عليه المهرجانات الثقافية والفنية.
حلب. مدينة عريقة ذات مكانة مهمة تأتي من موقعها الاستراتيجي الذي جعلها تلعب دورا مهما في تاريخ المنطقة، إذ كانت ملتقى الطرق التجارية في العالم القديم. تعتبر قلعة حلب من أكبر قلاع العالم وأقدمها، تقع وسط المدينة القديمة على هضبة يزيد ارتفاعها عن 40 مترا عن مستوى مدينة حلب، ويحيط بها خندق عميق يزيد منعتها.
دمشق. موقعها على الطرق العالمية ومعاصرتها الصراع الدولي عبر العصور، جعل اسمها في الكتب المقدسة والوثائق التاريخية بمختلف اللغات العالمية القديمة والحديثة، إذ يعتبر تاريخها قديما قدم التاريخ، وتعد أول مدينة مأهولة في العالم.
تدمر. تقع في قلب البادية السورية، أعطاها الآراميون اسم «تدمر تو» ومعناها «الأعجوبة»، أما الإغريق والرومان فقد أطلقوا عليها اسم «بالميرا» لكثرة النخيل فيها. كانت ممرا وملتقى للطرق التي تصل بين الشرق والغرب، وتعد أشهر مدينة أثرية سياحية سورية، تقدم حكاية شيقة عن تاريخ عظيم عرفته هذه المدينة في أوائل الألف الميلادية مع ملكتها زنوبية.
جبلة. مدينة ساحلية ومركز منطقة، كان اسمها «غابالا» في العصر اليوناني والروماني، ثم حُرِّف إلى جبلة، ولكنها قديمة تعود إلى العصور الكنعانية، وكانت مرفأ لمملكة سيانو وعاصمتها على بعد 10 كيلومترات جنوب شرق جبلة.
عطري: 9 مليارات دولار حجم الاستثمارات
كشف رئيس الوزراء السوري محمد ناجي عطري خلال مؤتمر صحافي عقد في مقر جامعة دمشق بتاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي على هامش مهرجان طرق الحرير، أن حجم الاستثمارات التي تم التقدم بطلب تشغيلها في المجالات الزراعية والسياحية في سورية، بلغت 9 مليارات ونصف المليار دولار، لافتا إلى أن الحكومة السورية عملت على تطوير البنية التحتية والنظام النقدي حتى تكون هذه الاستثمارات مجدية.
في هذا الجانب، ذكر رئيس الوزراء السوري أن تحقيق الأمن والاستقرار في سورية أدى إلى جذب المستثمرين العرب، مبيّنا أن في السابق كانت هناك منهجية اقتصادية يتم فيها الاعتماد على الدولة في توفير جميع المستلزمات، على حين القيادة السياسية السورية طرحت الشراكة بين المواطن والحكومة.
ولمّح عطري إلى أن الحكومة السورية أعطت الأولوية لمشروعات التنمية الزراعية التي هي هدف من الأهداف الرئيسية التي تعمل على تطويرها من خلال استصلاح الأراضي وعمل السدود.
وأضاف «في الثمانينات كنا نعاني من القلة الزراعية، فانتبه الرئيس السابق حافظ الأسد لهذا الموضوع، وفي الفترة من العام 1990 حتى 1995م حققنا اكتفاء ذاتيا مقداره مليونا طن سنويا، ومن العام 1995 حتى 2000م أصبحنا نشعر أن لدينا فائضا من المنتوجات الزراعية (...)، ووصلنا إلى 6 ملايين طن من إنتاح القمح، ولدينا فائض بنحو 3 ملايين طن سنويا». وتابع رئيس الوزراء السوري «نستطيع أن نقول إن نتيجة السياسة السابقة استطعنا أن نصل إلى مرحلة الأمان، فسورية الآن تزود عددا من الدول العربية الشقيقة مثل: الأردن والعراق والجزائر وتونس بالقمح، وهذا لا يعني أن ليست لدينا مشكلات وتحديات على مستوى تأمين المياه للمساحات الشاسعة التي تدخل كل عام ضمن الرقعة الزراعية».
وأشار إلى أن سورية لديها كميات وافرة من القطن تصل إلى مليوني طن، و60 مليون شجرة زيتون، ومليون طن من الحمضيات (600 ألف طن منها تصدر إلى الخارج).
ورأى عطري أن هناك الكثير من الضغوط السياسية التي تمارس على دول العالم الثالث من خلال الغذاء، معتقدا أن سورية باكتفائها الغذائي متحررة من الضغوط الخارجية، وبالتالي هي تأخذ بقرارها الوطني.
وأوضح أن 180 ألف شاب سوري يدخلون سوق العمل كل عام، وأن على الحكومة أن تؤمّن لهم الوظائف من خلال مشاركة القطاع الخاص في حمل هذا العبء.
من جانب آخر، أفصح رئيس الوزراء السوري أن حكومته لديها مشروع إنشاء مصفاتي نفط، باعتبار أن سورية تصدر النفط الخام إلى الخارج، إحداها ستقام بالتعاون مع إحدى الشركات الكويتية.
وبخصوص الطاقة الكهربائية، قال عطري: «نولّد 6000 ميغاوات نتيجة عملية التنمية والتوسع السريع، فالحكومة مطالبة بتوفير محطة بطاقة 600 ميغاوات سنويا، وهذا يمثل عبئا علينا؛ لذلك أدعو المستثمرين إلى مشاركتنا في إنشاء محطات الكهرباء».
وفي كلامه عن العلاقة التركية - السورية، نوّه إلى أن هناك 35 شركة تركية تعمل في مشروعات في سورية، مؤكدا أن عملية تطوير هذا التعاون مع الأتراك مازالت مستمرة ومتصاعدة، وكذلك الحال مع باقي الدول الشقيقة الأخرى.
إلى ذلك، حذر رئيس الوزراء السوري ممن يسعون إلى تمزيق المجتمعات تحت عنوان الديمقراطية، ذاكرا أن بلاده تسعى إلى تطبيق مفاهيم الديمقراطية ولكن ليس استيراد المفاهيم من الخارج تحت عنوان الفوضى الخلاقة، مشيرا إلى أن الأمن والاستقرار هما الرصيد الرئيسي لعملية التنمية، وأن سورية تعمل ضمن هذا الإطار.
من وجهة نظره، إن سورية تعيش صراعا بين قوة المنطق ومنطق القوة، منبها إلى أن هناك وسائلَ لإيصال الرسائل، وأن الشعب السوري ليس معتادا على فرض رؤية معينة عليه من الخارج. وصولا إلى وضع اللاجئين العراقين في سورية، قال عطري: «نتيجة الأوضاع المتوترة في العراق، ونتيجة سياسة التهجير، دخل نحو مليوني عراقي سورية فيما عدد السوريين بلغ 18 مليونا، وهؤلاء المهاجرون يشكلون ضغطا على الاقتصاد السوري ولكن سورية استقطبتهم (...)، سورية لا تقبل أن تكون بلد لجوء، وبالتالي هم ضيوف مقيمون لفترة وسيعودون إلى بلادهم للمشاركة في عملية التنمية».
واستطرد «تأثيرات هؤلاء سنويا يتحمّلها الاقتصاد السوري بما يبلغ ملياري دولار، والمجتمع الدولي مع الأسف لم يتحرك حتى الآن لمعالجة هذه المشكلة».
القلعة: %55 نسبة الاستثمار الخليجي
أكد وزير السياحة السوري سعد الله آغا القلعة، أن نسبة الاستثمار الخليجي في القطاع السياحي السوري تبلغ 55 في المئة، وهو يأتي من دول الكويت والسعودية وقطر والإمارات. وخلال لقائه الوفد الصحافي البحريني (صحيفتي «الوقت» و «الوسط») على هامش مهرجان طريق الحرير خلال وجوده في فندق تدمر الشام، كشف القلعة أن في العام 2004 كان حجم الاستثمار السياحي في سورية يبلغ 80 مليون دولار، وارتفع في العام 2006 ليصل إلى مليار و900 مليون دولار؛ وهو ما يدلل على أن المستثمر يدرك أهمية المقومات السياحية في سورية.
وبيّن الوزير أن معدل زيادة السياح في سورية يبلغ 15 في المئة سنويا، وهو معدل عالٍ عالميا، مؤكدا أن الوضع الإقليمي لا يلقي بظلاله على بلاده.
وأشار القلعة إلى أن سورية تصنف بين 10 دول العالم من ناحية الأمن والاستثمار، لافتا إلى أن بلاده تركز على كل ما تسمح به مقوماتها السياحية المتنوعة، وبالتالي إن من أولوياتها السياحة الثقافية والطبيعية والريفية والشاطئية، وقد بدأت بناء منتجعات ضخمة على الشواطئ السورية.
وأضاف في هذا السياق «لاشك في أن هناك السياحة الصحية وتسلق الجبال؛ لذلك نحاول أن نقدم إلى السائح جرعة متنوعة تضم الحياة البدوية والمرور على الشواطئ وغيرها (...)، نحن الآن نروّج لتدمر وحلب ودمشق على أنها مقصد سياحي خاص، ونحاول أن يكون لكل منتج خصوصيته». وعن رأيه فيما حققه مهرجان طريق الحرير منذ انطلاقته في العام 2002 حتى الآن، قال القلعة: «أعتقد أن المهرجان استطاع أن يتطور في اتجاه تحقيق رسالته الحقيقية، من خلال مشاركة مئات الإعلاميين في نقل صورة سورية عبر الوسائل الإعلامية التي يعملون فيها، وهذه الرسالة وصلت».
وأردف «فكرة التنظيم مهمة جدا في إعطاء صورة حقيقية عن العرب. عندما يزورنا إعلاميون من غير العرب من دول أوروبا وآسيا، يكتشفون الأبعاد الحضارية في سورية، فتتولد لديهم قناعة بأن هذا الشعب لا يمكن أن يتخلى عن حقوقه، ولا يقبل بالشرق الأوسط المشتت، وأي شعب يفخر بهذا التاريخ لا يمكن أن يقبل التسويات».
العدد 1892 - السبت 10 نوفمبر 2007م الموافق 29 شوال 1428هـ