يستمر الباحث في الجزء الخامس من سلسلة بحثه «منظمة العمل العربية... الى اين؟» بالحديث عن مستقبل العمل في هذه المنظمة العربية التي كان من المؤمل لها ان تكون مؤسسة قادرة على حل مشاكل أسواق العمل ومعوقات تقدمه والبحث عن حلول عملية لتطوير واقع العمل في الدول العربية.
إن إنشاء صندوق تطوعي لتمويل برامج التعاون التقني من خلال المنح والتبرعات والهبات من المنظمات والأشخاص الاعتبارية العربية (من صناديق إقليمية عربية ومصارف إنمائية) والدولية والأجنبية سيكون أحد أهم البدائل أو البديل الأمثل الذي يمكنه تحقيق النجاح إذا انيطت بوضع أسس وقواعد الصندوق وكيفية تمويله، وتأمين إدارته شخصيات أو مؤسسات تتمتع بالصدقية والجدية والثقة لإيجاد مصادر التمويل والإشراف على تنفيذ أنشطة مقبولة على الصعيد الدولي والعربي وتكون ذات مردود فعال وملموس لسائر الهيئات المكونة للمنظمة. فغالبية هذه الهيئات تعتبر، بكل المقاييس من أكثر الهيئات، احتياجا للدعم التقني والمشورة والخبرة في شئون عالم العمل العربي. فعندما نتذكر بأن الثروات الشخصية للأثرياء العرب تتجاوز 2100 مليار دولار وفق إحصاءات قديمة نسبيا (ترجع إلى العام 2002) فإن هؤلاء الأثرياء لن يبخلوا بدورهم عن تمويل أنشطة وبرامج تعود بالخير على المواطن العربي العادي بما يساعده على تفهم وسائل تحسين ظروف وشروط عمله ومعيشته وذلك في حال توافر القناعة والجدية في المشروعات المقترحة.
ثالثا: تحريك الركود الفكري والجمود المفاهيمي
مكتب العمل العربي بحكم طبيعة مهامه هو بيت الخبرة لعالم العمل في الوطن العربي. ففيما بين جدرانه ودواليبه من المفترض أن توضع الدراسات والتحليلات المقارنة والوثائق ذات المرجعية لكل العاملين في شئون العمل. وهنا نتناول مسألة لا يقدر مكتب العمل العربي وحده أن يستوفيها. وتبرز مسئولية الدول العربية في تعزيز قدرات مكتب العمل العربي على جمع البيانات الإحصائية وتجهيزها وتحليلها وتوفيرها. في السياق ذاته أن منظمة العمل العربية من واقع رصيدها من البحوث والدراسات بحاجة ماسة لجهد حقيقي لتنشيط وتحديث فكر العمل والعمال في رؤيتها وتعاملها مع الأطروحات الجديدة في الأدبيات والاتجاهات والتطورات الجديدة التي تشكل عالم العمل عربيا ودوليا. لقد آن الأوان لتحقيق هذه الأمنية بعد طول غياب لوضع رؤية استراتيجية تعمل على توسيع قاعدة اكتساب المعارف في مسائل العمل، و إرساء قواعد مستحدثة في مجالات نشر الثقافة والفكر في هذه المسائل، بوسائل جديدة مبتكرة وخلاقة. فضلا عن أهمية تشجيع الكتاب والمفكرين والمثقفين على ارتياد هذه الساحة من البحث الذي لا يحظى بالإقبال عليه سواء بالكتابة أم المطالعة. هنالك بالفعل فضاء لايزال مجهولا في مجالات ارتياده مثل نشر «ثقافة العمل واحترام قيمه»، والمفاهيم والمضامين لقضايا فكرية جوهرية في أطروحات مهملة عربيا مثل حقيقة أن العمل مصدر كرامة واستقرار عائلي وسلام في المجتمع ككل، وكذلك أهمية تعميق الفهم بشأن مبادئ ومفاهيم «الثلاثية والحوار الاجتماعي»، وثقافة الإنتاج والإنتاجية، وثقافة الابتكار وخلق المشروعات والمنشآت بأحجامها المختلفة، وثقافة حقوق الإنسان في العمل. إضافة إلى موضوعات مطروحة عالميا ولكنها مهملة على الصعيد العربي مثل مسائل المهارات القابلة للاستخدام والأثر الاقتصادي لتطبيق الحقوق الأساسية في العمل، والشواغل المتعلقة بالعمل اللائق، والعلاقة الجدلية بين الإنتاجية والقدرة التنافسية، وخلق فرص عمل جديدة، والعلاقة التبادلية بين الإنتاجية المنخفضة والفقر والبطالة، موقع مشكلات العمل في التنمية المستدامة... الخ. ذلك أنه من دون هذه الخلفيات الفكرية المعمقة والمبسطة في الوقت ذاته فإنه يستحيل خلق جيل مؤمن بقيمة العمل والإنتاج والإنتاجية، واضعين بعين الحسبان حقيقة أن الغالبية العظمى من القوى العاملة العربية لاتزال تغط في سبات مهني وأبجدي صارخ (تقدر البيانات أن عدد الأميين من البالغين العرب نحو 65 مليون غالبيتهم من اليد العاملة غير الماهرة) ما يتطلب جهدا خارقا مضاعفا لإيقاظ وعي هذه الفئة الأكثر احتياجا للثقافة والتوعية، حتى لا تظل الكتابات محصورة في نخب متخصصة في فكر وفلسفة عالم العمل، وأن لا نظل نترقب دائما ما ستعربه منظمة العمل الدولية من دراسات وأبحاث غالبا ما لا تلبي حاجة القارئ العادي، ناهيك عن العمال والقائمين على تثقيفهم.
أما الشركاء الاجتماعيون الآخرون من غير العمال، وخصوصا غرف التجارة العربية ووزارات العمل العربية فهم لا يقلون احتياجا وتعطشا للمعرفة، بالاطلاع على سلسلة من الدراسات والبحوث المتخصصة والمعمقة بشأن المفاهيم الجديدة التي احتلت مكانتها في الفكر العمالي / الاجتماعي والمتصلة بشكل مباشر في أنشطتها اليومية مثل مسائل «مرونة أسواق وشريعات العمل»، و«السبل العصرية للارتقاء بتنظيم أسواق العمل» ومسائل تعظيم دور القطاع الخاص والرأسمالية الوطنية النزيهة في جهود التنمية المستدامة الوطنية وتوفير المناخ الملائم لتشجيع الاستثمارات والمبادرات الخاصة، والتكامل بين القطاعين العام والخاص، وتطبيقات «المسئولية الاجتماعية لأصحاب العمل»... الخ. وفي هذا السياق أيضا يجب تفعيل دور «موقع منظمة العمل العربية على شبكة الويب» تعزيزا لقدراتها على الاستفادة من مزايا ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وبحيث لا يقتصر نشاط الموقع على نشر صور اللقاءات والمناسبات بين الإدارة العامة وكبار المسئولين في الوطن العربي، أو استخدامه كمنبر لتوجيه التهاني بالأعياد القومية وغيرها، بل ينبغي أن يصبح هذا الموقع أداة نشطة للتفاعل والتواصل والتبادل الفكري والمفاهيمي بين المنظمة والهيئات المكونة لها، وبحيث يزود هذا الموقع باقي مواقع هذه الهيئات والعالم الخارجي بالمعلومات والبيانات والإحصاءات، بشكل دوري منتظم، بما يخفف عنها أعباء البحث عن المعلومات واستحداث المعلومات والمعارف ليس فقط عن العالم العربي وإنما بتناوله كل ما يتعلق بتطورات عالم العمل، إقليميا ودوليا. فالطموح أن يصبح موقع المنظمة حلقة إيجابية تربط المنظمة بالهيئات المكونة لها، وتكون مصدرا موثوق به لا غنى عنه، لكل متابع ومعني بمسائل العمل والعمال، تمهيدا لأن يصبح موقع المنظمة هي الشبكة العربية المثلى لتوفير التدريب والتعليم التقني المهني ونشر معارف ومفاهيم العمل، وتنظيم الحلقات في مختلف مجالات عمل المنظمة، وبما يعزز من قدرات البنية المؤسسية العمالية في مجالات البحث والتطوير في موضوعات العمل والعمال والتنمية المستدامة من منظور تنمية الموارد البشرية.
*وزير سابق في منظمة العمل العربية، الأمين العام للمركز العربي
السويسري لبحوث التشغيل وحقوق العمل - جنيف
العدد 1892 - السبت 10 نوفمبر 2007م الموافق 29 شوال 1428هـ