كنت استغرب كثيرا عندما اقرأ عن هؤلاء الذين يكتبون في الصحف عن عزيز فقدوه، وظلوا يكتبون عنهم صفحات تلو الصفحات. لطالما قلت لِمَ هذه المبالغة؟! هل يستحق الفقيد كل هذا الثناء والثراء؟!... نعم، الآن أقولها بكل صراحة إنني إذ أتقدم ببالغ الأسف عما بدر مني لكل من جرحته من دون قصد، لأنني وقتها لم أعش التجربة المريرة وربما كان بيننا عزيز فقدناه.
جدي وجدتي عزيزان على قلبي، لكن مهما كانت علاقتنا قوية وتربطنا صلة القرابة والدم، يبقى الفارق الفكري والعشرة القوية يقلبان كل الموازين. أعرف أنها مقدمة طويلة والقارئ يريد أن يعرف إلى أين أريد الوصول...
قبل أيام قلائل فقدت صديقا عزيزا على قلبي، ولا يختلف اثنان معي إن قلت إن هذا الشخص لن يكون له مثيل في هذه الحياة القصيرة!
قبل نحو ثلاثة أعوام ذهبت إلى مجلس «جمعية البحرين للتدريب وتنمية الموارد البشرية» الذي يقام عادة في يوم الاثنين من كل أسبوع، وكنت وقتها في بداية زياراتي للجمعية وكلي حيوية ونشاط للانضمام إلى هذه الجمعية النشطة التي كم برز منها أناس هم الآن في مراكز لها ثقلها بمملكتنا الغالية.
عندما وطأت قدمي أبواب الجمعية كنت حينها لا أعرف أحدا، وأنا من طبعي أحب تبادل الأحاديث وخصوصا عندما تكون في مجال عملي، فإنني اعشق هذه اللحظات الجميلة. أول من شاهدت كان رجلا داكن البشرة ملامحه تسر من يراه من اللحظة الأولى، عيونه تبتسم قبل شفتيه، يناديك بقلبه ويدعوك بلسانه لتبادل الأحاديث من دون أن يعرفك، ولكن أسلوبه الراقي يرغم الجميع على الدنو منه، وبعد ذلك يعرفك بنفسه ببساطة: «أنا سعيد رجب - عضو مجلس إدارة جمعية التدريب وتنمية الموارد البشرية والمدير التنفيذي لشركة سي تي ام، وهذه بطاقتي». وبعد ذلك يبتسم للجميع ويواصل الحوارات الساخنة مع الآخرين،
تارة تراه يتحدث عن الإدارة وتارة عن التدريب والتطوير. تمركزت موضوعاته ولكن أسلوبه متجدد يضع من حوله في استغراب وتعجب يا ترى من يكون هذا الشاب الذي يتميز عني وعن الآخرين؟!... نعم، هذه نعمة من نعم الله أهداها لسعيد رجب، هذا الشاب الذي لطالما تحدث عنه الجميع وعن دمث أخلاقة وحسن تصرفه.
ازددت إعجابا به ووعدت نفسي أن يكون سعيد صديقي وأخذت أقنع نفسي بأنه هو الصديق الذي كنت ابحث عنه... نعم، ولِمَ لا فهو من مدينة المحرق وأنا كذلك، درس في مدارسها وأنا أيضا، مثقف وجامعي وأنا أحب أن أكون دائما من تلك الطبقة، يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة تخدع الجميع عندما يراه، وبتلقائية يتحدث الآخرين إليه باللغة الانجليزية ظنا منهم أنه أجنبي وأنه متطوع في الجمعية. يناقش الجميع، والجميع يحبون فتح الحوارات معه... هذا هو سعيد الذي فقدناه بالأمس، ولكن سيظل في قلوبنا للأبد.
كان مرحا لا يؤمن باليأس، يعمل بجد واجتهاد، كوّن نفسه بنفسه، أسس شركته المتواضعة وهو يعلم بأنه سيمر بمطبات كبيرة ولكن كان شعاره دائما الجد والاجتهاد. كوّن علاقات قوية جدا مع الوزراء وكبار رجالات الدولة.
إذا هذا ما كنت أبحث عنه... شخص أقتدي به حتى يكون مثلي الأعلى. لا يهاب شيئا ولكن يحترم كل شيء. ونعم التربية يا أم سعيد، ليتعلم منك الجميع ولاسيما أمهات هذا الجيل. إنني أدعوكن إلى زيارة أم سعيد فهي فعلا الأم المثالية التي أنجبت وربت هذا الشاب الصالح رحمة الله عليه. كم كنت أراها من بعيد ولاسيما في المؤتمرات التي كان يعقدها سعيد، كنت ألمح عيونها وهي ترى ابنها الغالي يرحب بهذا وذاك ويتحدث مع مجموعة هناك في الزاوية الأخرى من بهو الفندق.
أنا اعرف جيدا أنها كانت تقول «نعم هذا هو ابني سعيد بارك الله فيه»، ونعم الأبناء لأن سالم وسامي وأخواته الإناث لا يقلون شيئا عن الفقيد الراحل فهم إخوته من دمه ولحمه وطبعا بطيبته وأخلاقه.
تطورت علاقتي بالفقيد الراحل وأصبح يرشدني وينصحني ويدلني على الطريق الصحيح، ناهيك عن المديح المستمر، فكلما كنت مع احد منهم وأمام مرأى الجميع كان سعيد - رحمة الله عليه - يقول إنني أرى عصام وغيره من الشباب الواعد هم الجيل القادم للجمعية.
كان هو والآخرين، كالأخ الفاضل إبراهيم الدوسري، دائما يدفعوني إلى الأمام لا غير ذلك، كنت استغرب حينها لِمَ كل هذا؟! هل أستحق كل ذلك... هذا هو سعيد الذي عرفته كان دوما سعيدا لم أره قط حزينا أو مهموما على شيء على رغم الظروف الصعبة التي كان يمر بها، لم أره حزينا قط فهو دائم الابتسام.
توطدت علاقتنا الأخوية حتى طلب مني هو وبعض الأفاضل أن أكون معهم في الجمعية عضوا بمجلس الإدارة، وفعلا تقدمت للانتخابات وحصلت على أصوات تؤهلني لأن أكون مع أخي الفقيد الراحل صفا بصف وعلى طاولة الاجتماعات... وهنا بدأت علاقتنا تقوى أكثر من السابق وصارت مناقشاتنا تفوق مرحلة الزمالة أو موضوعات التدريب والتطوير. التحقنا معا ببرنامج السباحة، إذ كما قلت سابقا كانت بيننا أمور مشتركة ومنها رغبتنا في تعلم السباحة... كم كانت تلك الأيام الجميلة، وستبقى خالدة إلى الأبد يا أبا خالد، لأنني على ثقة في أنه لن يكون لي سعيد آخر، وأنا أوعدك يا أبا خالد بأن أذكرك دوما بيني وبين نفسي ومع الآخرين وسأطلب لك من عند الله عز وجل المغفرة والرحمة فهو لن يبخل علينا بالعطاء وأنت تستحق هذا العطاء.
مهما قلت فإن الكلمات التي أعبر بها لن تخدمني، وأنا لا أريد أن أقلل من شأنك، وسأترك المجال إلى الآخرين لكي يعبروا عن أحاسيسهم... إلى جنات الخلد إن شاء الله يا أبا خالد.
عضو مجلس إدارة «جمعية البحرين للتدريب وتنمية الموارد البشرية»
عصام العلوي
العدد 1918 - الخميس 06 ديسمبر 2007م الموافق 26 ذي القعدة 1428هـ