العدد 1937 - الثلثاء 25 ديسمبر 2007م الموافق 15 ذي الحجة 1428هـ

النواب يحولون مجلسهم إلى «برلمان مناطقي» بامتياز

لا يسقون إلا القريب بعكس «عذاري»

حتى لا يكونوا مثل «عين عذاري» التي «تسقي البعيد وتخلي القريب»، كان من الواضح أن النواب في المجلس النيابي يحرصون دوما على أن يتقدموا بمقترحات تخدم مناطقهم، ويتسابقون على طرح مشكلاتهم «المناطقية» في المجلس بشكل يطغى في كثير من الأحيان على طرحهم لمشروعات «وطنية» شاملة.

بينت نسبة كبيرة من المقترحات المقدمة من قبل النواب تلك الطبيعة المناطقية، فمن مقترح لإقامة مشروع إسكاني في مدينة عيسى، إلى آخر لإنشاء جسر فوق دوار الرفاع لتفادي الزحام بالقرب من مدخل الرفاع، إلى مقترح لتطوير نادي بني جمرة الرياضي والثقافي، إلى قائمة طويلة عريضة من الأمثلة بشأن المقترحات لمشروعات تقام هنا أو هناك، الهدف منها أن يضرب النائب عصفورين، أو ربما ثلاثة عصافير بحجر واحد، فيرضي ناخبيه، ويفيد منطقته، ويحقق بجدارة العرف الذي لطالما أكده وزير شئون مجلسي الشورى والنواب عبدالعزيز الفاضل في رده على كثير من مقترحات النواب «الوطنية» بالقول إن النائب هو ممثل «منطقته».

ولكن هل يجب أن يكون النائب ممثلا لمنطقته ومشكلاتها واحتياجاتها فقط، أم أنه ممثل للشعب بكل فئاته وطبقاته؟ وهل يمكننا أن نتجاهل أن نوابنا في البحرين يضيعون البوصلة أحيانا، فيغرقون في الدفاع عن مشكلاتهم المناطقية، لينسوا المطالبات الرئيسية لكل أفراد الشعب؟

مطالب النواب «المناطقية» كثيرا ما تحمل بداخلها معاني أخرى في مجملها، فتمتزج بشكل أو بآخر بكونها مطالب تعبر عن فئة، أو طائفة، أو تيار سياسي، مع الأخذ في الاعتبار التكتلات السياسية الإسلامية داخل المجلس النيابي.

لعل أبرز مثال اتضحت فيه مثل هذه الأمور كان في الجلسة التي قرر فيها المجلس تخصيص جلسة استثنائية لمناقشة القضية الإسكانية، باعتبارها «مشكلة العصر» بالنسبة إلى المواطن البحريني هذه الأيام. في هذه الجلسة حمى وطيس النقاش على رغم أن المقترح الذي فتح بابه كان مرتبطا أيضا بأراضي بندر السيف في المحرق - مقترح مناطقي آخر - لكنه فتح جروح النواب فبدأوا يتسابقون كل للدفاع عن منطقته. فمن نواب المحرق، إلى نواب العاصمة، إلى نواب الوسطى، ولم يدخر الأمر حتى الجنوبية، وتحديدا دائرة حوار المعروفة «بندرة» السكان فيها مقارنة بدوائر محافظات أخرى. إذ وقفت النائبة لطيفة القعود بدورها لتدافع عن أهالي هذه الدائرة التي وصفتها «بالعومة المأكولة والمذمومة». جو وعسكر، اللتان يفترض أن تكونا بعيدتين عن قلب المشكلات الإسكانية التي تعاني منها البحرين، تطالبان أيضاَ بمشروعات إسكانية شبيهة أسوة بمناطق أخرى، فقد أخرجت المشروعات الإسكانية التي أجريت في الجنوبية أهالي جو وعسكر من قراهم لتلك المناطق. القضية باختصار، على رغم أنها شأن بحريني عام، تخصصت كثيرا في تلك الجلسة، وحولها النواب إلى شأن مناطقي، فلم يمرروا المقترح المعروض والخاص بمحافظة المحرق، قبل أن يبدوا رغباتهم «الشرسة» لشمول المقترح كل مناطق البحرين، أو بالأحرى قبل أن يبدي كل نائب منهم رغبته في أن يشمل المقترح منطقته أيضا!

حوّل النواب البرلمان إلى مجلس نواب «مناطقي» في كثير من الأحيان بإرادتهم أو رغما عنهم. فهل يمكن أن يكون هناك مستقبل لمشروعات أو مقترحات وطنية وشاملة مع وجود هذه الظروف؟

العدد 1937 - الثلثاء 25 ديسمبر 2007م الموافق 15 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً