العدد 2287 - الثلثاء 09 ديسمبر 2008م الموافق 10 ذي الحجة 1429هـ

الزمن في القانون

تمهيد فلسفي: وحتى لا يتحول التمهيد إلى تعقيد سنقتصر على المختصر المفيد فنقول إن الزمن ليس له وجود حقيقي وإنما وجود اعتباري منتزع – مستخلص - فلا توجد مادة اسمها الزمن وكذلك ليس هو بعرض ولا جوهر فالجوهر هو قائم بذاته والعرض هو الذي يعرض أو قل هو الذي يصيب الجوهر ومثال ذلك اللون وهو عرض يصيب جوهر أي جسم فيجعل له لونا معينا.

وعليه فالزمن هو مجرد مفهوم انتزاعي لا يوجد بصورة مستقلة وإنما يكون له وجود اعتباري حال كونه متلبسا بالحوادث والوقائع و لو فرضنا – مجرد افتراض- أن هناك شيئا ما في مكان ما ليس فيه ليل ولا نهار ولا حركة ولا هواء ولا فلك يسير و لا موج يهدر ... فلن يكون هناك أيضا زمن ...والزمن يستخدم كجهاز أو كآلة افتراضية لقياس المدى بين حدثين فمثلا استخدمت الآلة الافتراضية المسماة بالزمن لقياس المدى الذي احتجت إليه منذ أن بدأت الدراسة الجامعية و حتى نلت الشهادة الجامعية و لا يتوهم أحد أن قياس المدى والزمن هما شيء واحد فلو فرضنا أنه بسبب خلل في النظام الكوني أصبحت الأرض تدور أبطأ أو أسرع من سرعتها الحالية حول الشمس فسيكون اليوم طويلا أو قصيرا عن ما هو موجود حاليا و على الرغم من ذلك سيبقى الزمن كما هو 24 ساعة بالمعدلات الحالية بل وحتى لا تبتعد الفكرة بعيدا عن الذهن نضرب مثالا متحققا وهو أن الـ24ساعة المتعارفة والتي هي قياس مدى لليوم تتغير تغيرا مثيرا حين نقرب من طرف الكرة الأرضية ففي دولة فلندا يكون اليوم عبارة عن ستة أشهر نهارا وستة أشهر ليلا أي أن نصف اليوم يكون ستة أشهر(نهار)و نصفه الآخر ستة أشهر ( ليل)فنصف اليوم الذي متوسطه 12 ساعة عندنا يكون ستة أشهر هناك، و هذا المثل للتدليل عن ألا وجود حقيقي ومستقل للزمن مجرد عن الحوادث والوقائع فإنه إذا فات لا يعود ولا يمكن تداركه لأن الحوادث التي وقعت لا تعود ويمكن تداركها من جهة و لأن الزمن لا يوجد إلا متلبسا بها و لا يمكن فصله عنها إذ إنه وعلى الرغم من أنه مجرد آلة حساب أو قياس للمدى لكنه يرتبط بكل شيء في الحياة ولذلك فإنه من المواضيع الحساسة والمهمة وربما المعقدة أيضا.َ

لذلك فإن القانون: حينما يتعرض للزمن - و كثيرا ما يحدث ذلك - فإنه يفترض فيه أن يحرص على تحديده بدقة

ففي مجال التعاقدات أو الالتزامات يتم تحديد يوم وساعة الأجل المضروب للتنفيذ أو لانتهاء مدة الاعتراض أو الخيار أو الفسخ ...

و لذلك نرى بعض المؤسسات التجارية التي تتعامل مع الجمهور تذكر في عقودها أنه يتوجب أن يتم الإجراء الفلاني خلال سبعة أيام عمل و ذلك لتميزها عن الأيام العادية إذ إن سبعة الأيام العادية بها خمسة أيام عمل لأن الجمعة والسبت أيام تعطيل بل و قد تحدث إجازات عامة مفاجئة أو أعياد ما يجعل الأجل يمتد إلى بعد انتهائها.

وفي قانون الإجراءات القضائية المدنية أو الجنائية يلتزم الخصوم بمواعيد معينة لتقديم طلباتهم أو تظلماتهم أو استئنافهم أو اعتراضهم كما يحق للمتهم أن يطلب رد الدعوى متى فات عليها مدة زمنية معينة نص عليها القانون وتسمى مدة التقادم ومتى صادف اليوم الأخير من المدة المنصوص عليها يوم إجازة فإن الأجل يمتد لليوم التالي للإجازة.

و هكذا نرى الترابط بين الوقائع و الظرف الزمني الذي تقع فيه والقوانين التي تحكم تلك الوقائع من ناحية وقوعها في زمن معين

فمثلا :

- تسليم المؤجر العين المؤجرة للمستأجر بعد انتهاء مدة الإيجار لا يجزيه عن المسئولية طالما لم يسلمها في بداية مدة الإيجار.

- و كذلك تسليم المنصب بعد انتهاء مدة الولاية القانونية(رئيس موريتانيا)فلو أعيد إلى الرئاسة بعد انقضاء مدة ولايته يكون ذلك عمل غير دستوري.

- تسليم مبلغ الإيجار بعد المدة المنصوص عليها لتحقق الشرط الفاسخ الصريح فبمجرد فوات ميعاد التسليم يتحقق الشرط الفاسخ وتكون يد المستأجر من دون سند قانوني و يتوجب طرده من العقار المؤجر ما لم يخرج طواعية و لا يغير من هذا الوضع لو دفع الإيجار بعد ذلك.

- ضبط المتهم بعد انتهاء التفويض القانوني لمأمور الضبط القضائي أو خارج الزمن المحدد له فإنه يجعل إجراء القبض باطلا.

و من ناحية الفقه الشرعي : نجد قوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر)، (ثم أتموا الصيام إلى الليل) و(إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فنلاحظ أن من الناحيتين الشرعية والقانونية فإن للأفعال أحكام تتعلق بالظرف الزمني الذي تقع فيه و مع التحليل نجد في الأمثلة المذكورة أن لكل فعل مطلوبين اثنين أحدهما الفعل والمطلوب الثاني هو الزمن الملابس له أي يجب أن يحدث الفعل ويجب أن يحدث في الزمن المحدد والمخصص له لكي يحدث أثره الشرعي أو أثره القانوني فالمؤجر يجب أن يسلم العين المؤجرة مع بداية زمن الإيجار إلى نهايته ومن يفز بمنصب رسمي يجب عليه أن يزاول عمله أثناء زمن الولاية القانونية له و تسليم مبلغ الإيجار يجب أن يكون في التاريخ المحدد له ولا يتجاوزه ومن لديه أمر بتفتيش أو قبض على متهم يجب أن يقوم بذلك في الزمن المحدد له وأثناء اتصافه بصفته القانونية.

وما قد يكون مخصصا من أعمال عبادية لليلة القدر يجب تحدث من الغروب وحتى مطلع الفجر وليس قبل ولا بعد ذلك والصلاة يجب أن تكون أثناء الوقت المخصص لها (و لقد نص دليل آخر على وجوب القضاء خارج الوقت و لولاه لما جازت صلاة القضاء) والصيام يجب أن يكون في الإطار الزمني المحدد له من لحظة الفجر إلى لحظة الغروب و لا يجزي عدد ساعات مماثلة من زمن آخر و إنجاز الموظف للعمل المطلوب منه خارج الدوام لا يعفيه من المسئولية إذ إنه مطالب بإنجازه أثناء الدوام إلا مع التصريح له بذلك فالزمن عنصر جوهري في جميع الأمثلة التي ذكرناها ومن ثم يحاول فقهاء القانون تحديد نطاقه في أي واقعة أو تصرف قانوني.

ولكن يحدث أن تأتي كلمة تدل على زمن غير منضبط فهنا يتم البحث عن أقرب المعاني المحتملة وذلك في مثل الظرف المشدد لبعض الجنايات والجنح كالسرقة التي تقع ليلا ...فيثور التساؤل عن المقصود بالليل هل هو من الغروب إلى الشروق أو إلى الفجر أو هو من ساعات الليل المتأخرة حين تهدأ الأصوات و تنام الأعين فلا يشمل ساعات الليل الأولى التي تتصف بالحركة والنشاط ولقد حسم التشريع البحريني الجزائي فاعتبر الليل من الغروب إلى الشروق...ولقد ثار تساؤل آخر وهو هل نعتبرالسرقة قد حدث في زمن يعتبر ظرفا مشددا لو بدأت ليلا و تمت نهارا أو بدأت نهارا و تمت ليلا ...فذهب بعضهم إلى القول إنه إذا بدأ الشروع في السرقة ليلا و تمت نهارا فإنها تحتسب ظرفا مشددا و العكس صحيح و لكننا لا نوافقه على رأيه ونؤسس لرأينا المعارض بأن السرقة لا تعتبر جريمة تامة إلا بعد أن يخرج السارق بما سرقة من حيازة مالكه وقبل ذلك لا تكون إلا شروعا في جريمة سرقة وعليه فلو بدأ السارق في جريمة السرقة ليلا فهذا معناه أن الذي حدث ليلا هو مجرد شروع وأما الذي تم نهارا فهو السرقة التامة وعليه فالصحيح برأينا أن ما يبدأ ليلا و يتم نهارا يكون بغير ظرف زمني مشدد والعكس صحيح خلافا لما ذهب إليه بعض فقهاء القانون ويعزز رأينا أنه متى ما أحاطت بالنص الشكوك والغموض يؤخذ بأخف التفاسير وأكثرها رفقا بالمتهم.

وكذلك ما يتعلق بتعريف الليل في حال عدم وجود تفسير أو تحديد له فالأصح حينها عندما يتعلق الأمر بالقانوني الجزائي أن نلحظ الحكمة من تشديد العقوبة ليلا و نأخذ في اعتبارنا المصلحة التي أراد القانون حمايتها بتشديد العقوبة فلا إشكال في أن الحكمة التي شدد العقوبة من أجلها هي أن الليل هو للهدوء والسكينة والأمن والراحة يضاف إلى ذلك أن في هجعة آخر الليل لا يصعب الحصول على المغيث عند الاستغاثة وهذا لا يوجد في حين الغروب ولا الوقت القريب منه بل يتحقق في الوقت المتأخر من الليل حين يأوي كل أو جل الناس إلى النوم وعليه فإنه يتعين أن نفسر الليل في القانون الجزائي من وقت هجوع الناس للنوم إلى انبلاج ضوء الشمس ويترخص قاضي الموضوع في تحديد لحظة بدء الليل بالوصف المذكور واضعا في اعتباره اختلاف البيئات والمجتمعات والزمان والمكان فيقرر ذلك بلا رقابة عليه من محكمة التميز إذ إن المسألة مسألة واقع لا مسألة قانون ولكن يجب أن يكون ما يتوصل إليه سائغا بمعنى أن المعطيات تؤدي بطبيعتها إلى هذه النتيجة.

ما مضى يتضح أن علاقة الزمان بالقانون علاقة وثيقة لا انفصام لها، وإن علاقة الزمان بالقانون تحتاج للمزيد من الدراسات المتعمقة وأنه يستحسن في كل قاعدة قانونية ذات علاقة بالزمن أن يتم تحديد نطاقها الزمني بدقة بالغة وبعبارات واضحة لا تحتمل أكثر من معنى.

الشيخ عبد الهادي خمدن

العدد 2287 - الثلثاء 09 ديسمبر 2008م الموافق 10 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً