العدد 2287 - الثلثاء 09 ديسمبر 2008م الموافق 10 ذي الحجة 1429هـ

الاحتفال بعيد الأضحى... بين الحقيقة والخزعبلات!

ما نراه ونسمعه في شوارعنا قبل قدوم يوم عيد الأضحى المبارك، الذي عظمه الله وأجله وجعل فيه مناسك كثيرة متتالية، وعبادات يبذل الإنسان المسلم من أجلها الأموال الكثيرة والجهود الجسدية الكبيرة، يعطل أعماله الخاصة والعامة ويقطع المسافات الطويلة، من أجل أن يرزق الرضا الإلهي، في ذلك اليوم (يوم عيد الأضحى) ينتقل الحاج ومنذ الصباح الباكر من مزدلفة إلى منى وسط زحام شديد ليس له شبيه في هذه الدنيا، وبلباس أبيض متواضع مكون من قطعتين، وفي أجواء لا تخلو من التلوث والأخطار، وحال وصوله إلى منى يذهب راجلا إلى رمي الجمرات تحت أشعة الشمس الملتهبة، وهناك يتحمل الإنسان المسلم ما سيصيبه من أذى جسدي إثر التزاحم الكبير في الرمي، وما أن ينتهي من هذا المنسك أو العبادة وإذا به يسارع إلى تأدية منسك آخر ألا وهو النحر الذي فيه ما فيه من الالتزامات الشرعية الدقيقة جدا التي لو لم يلتزم بتأديتها جيدا يكون عمله باطلا، وبعد الانتهاء من ذلك المنسك يذهب وهو مرهق إلى الخيام ليؤدي حق منسك آخر وهو الحلق أو التقصير بصورة لا أستطيع وصفها بدقة، وبمجرد أن ينتهي من تأدية هذا المنسك يقوم مسرعا ليقف في طابور طويل ينتظر دوره ليستحم وينزع من على جسده الإحرام يتمكن التحلل من إحرامه، كل تلك المناسك والعبادات التي ذكرناها تؤدى في يوم عيد الأضحى الأكبر الذي جعله الله سبحانه للإنسان يوم غفران ورضوان ويوم تضرع وتذلل لله جلت عظمته، والمسلم الذي لم يوفق للذهاب إلى الحج وإلى تلك الأماكن المقدسة وكتب له أن يبقى في بلده، لا يشاهد إلا إعلانات معلقة في الشوارع تبشره بحفلات غنائية وبمسرحيات هزلية معدة خصيصا لذلك اليوم الذي عظمه الله وأجله على بقية الأيام، لا ندري هل ما يحدث في بلداننا العربية والإسلامية عنوان فرح بهذا اليوم العظيم أم عنوان للمهانة والاستخفاف بهذا اليوم؟

إن قلنا إنه عنوان فرح بذلك اليوم فتلك مصيبة وإن قلنا إننا نستخف بذلك اليوم الذي جعله للمسلمين عيدا فالمصيبة أعظم، هذا التناقض في طريقة الاحتفال بيوم العيد يكشف عن مسألة نفسية غاية في الخطورة، ما يمارس في الاحتفالات بهذه المناسبة الكبيرة ليس من أعرافنا الإسلامية لا من بعيد ولا من قريب، هذا تقليد غربي نشهده في ليلة رأس السنة الميلادية إذ يكثر فعل كل أمر ممنوع أخلاقيا في تلك الليلة، وتتوج تلك الليلة بحوادث مميتة إثر ابتعاد ذلك الإنسان عن السلوك السوي، ذلك الذي يحدث في الدول الغربية في تلك الليلة لا يمثل نبراسا طيبا ولا دليلا يوصلنا إلى شيء جميل، إذا كان كذلك لماذا في عالمنا العربي والإسلامي مؤسساتنا السياحية تلتقط كل غث من تلك المجتمعات لتقدمه في مجتمعاتنا التي لها تقاليدها وضوابطها الشرعية التي تجعل الإنسان المسلم متزنا سلوكيا ونفسيا ومعنويا لو هو تقيد بالتعاليم الإلهية التي أنزلها الله على نبيه محمد (ص).

الإسلام لا يريد من المسلم أن يكون منفلتا أخلاقيا ولا يريد منه أن يكون متزمتا في سلوكياته لدرجة أنه يتصور أن قتل الإنسان وسفك دمه وانتهاك حرمات الناس في ذلك اليوم يكون تقربا إلى الله سبحانه وتعالى الذي يوجب دخول الجنة من أوسع أبوابها، الإسلام لا يقبل منا أن نصعد على المنابر لنسخف عقيدة بعضنا البعض ولا من أجل إثارة النعرات الطائفية البغيضة، ليس هذا ولا ذاك، قد عرفنا حقيقة الإسلام الذي أنزل على قلب رسولنا المصطفى (ص) بأنه رحمة للعالمين، فالإسلام الحنيف أوجده الله جلت عظمته ليكون الدين الذي يعتصم حوله كل البشر في حب ومودة ووئام، وجعل يوم العيد فرصة للتزاور بين الأرحام والأصدقاء والجيران، وليس الإسلام مصدرا للتفرق والاقتتال والاعتداء والتباغض على حقوق الآخرين، لو حاولنا التعرف على حقيقة الإسلام ولو بنسبة متدنية لما وجدنا في مجتمعاتنا الإنسانية بوجه عام ومجتمعاتنا العربية والإسلامية بوجه خاص، الكره والبغض والانفلات الأخلاقي والتناقض بين الأقوال والأفعال.

سلمان سالم

العدد 2287 - الثلثاء 09 ديسمبر 2008م الموافق 10 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً