في كل عام خلال إجازة الربيع تزدحم منطقة الصخير بالخيام بمختلف الأحجام والأشكال ويتحول بر الصخير إلى منطقة حيوية وعامرة بالناس من الكبار والصغار والشباب والأسر، وعلى رغم برودة الجو وشدة الرياح وتصاعد الغبار والأتربة تراهم فرحين مسرورين ونفوسهم راضية بكل ما يحدث من تقلبات جوية، كيف لا والجلوس على التراب يفرغ الجسم من الشحنات الكهربائية الضارة بحسب التقارير العلمية التي نشرت حديثا على مستوى واسع في الصحافة المحلية والعربية والعالمية؟!
وفي أثناء تجوالنا بين تلك الخيام المتناثرة والمتلاصقة شدنا مخيم هو الأكبر حجما، إذ يحتوي على أكثر من ثلاثين خيمة، والأكثر عددا إذ يحوي على أكثر من خمسمئة عنصر، والأفضل نشاطا وحيوية وانضباطا بأخلاقيات وأدبيات التخييم، وقدر لنا أن ندخله بعد الاستئذان من القائمين عليه لنتعرف عن قرب على ماهية البرامج والفعاليات التي تقدمها الجهة التي تتولى تنظيم وإعداد ذلك المخيم. لم نكن نتصور أننا سنقابل بمثل ذلك الترحاب والحفاوة الطيبة من قبل أفراد إدارة المخيم وجميعهم من الشباب المتطوع، رأيتهم يعملون بجد وإخلاص قصدهم توفير كل سبل الراحة والاستجمام لكل فرد في ذلك المخيم الواسع الذي يحوي أكثر من عشرين خيمة وفي كل واحدة منها عشرين فردا وزعوا بحسب الأعمار، فهناك خيام للأطفال وخيام للشباب، رأيتهم يقدمون لهم الوجبات الغذائية في الأوقات الثلاثة بمواصفات صحية، واطلعت على برامجهم الثقافية والترفيهية والتعليمية والتربوية التي تساعد على تهذيب النفس، وتعلمهم بعض الفعاليات كيف يعتمد الإنسان على نفسه.
أتعرفون عن أي مخيم أتحدث؟ أتحدث عن مخيم جمعية «التوعية الإسلامية» السنوي، لم أحك عنه مجاملة لأحد، وإنما مشاعر الأطفال والشباب الذين حضروا المخيم هي التي دفعتي للكتابة عن ذلك المخيم المفيد في أبعاده الإنسانية، إذ يعمل المنتسب إليه لأن يكون إنسانا في تعامله مع الآخرين بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان راقية. وفي البعد الاجتماعي يعلمهم كيف يتعايشون اجتماعيا مع بعضهم بعضا. وفي البعد الثقافي يعوّدهم على البحث عن المعلومة المفيدة من مصادرها المعتمدة التي لا تحتمل الخطأ حتى نسبة متدنية. وفي البعد الروحي والمعنوي يعودهم على أن يتجاوزوا الحدود الإلهية الداعية إلى احترام وتقدير مشاعر الغير بمختلف أصنافهم وأطيافهم وفئاتهم وأعراقهم، وأن الإنسان بمعنوياته المتزنة يحقق لنفسه ولغيره الاطمئنان النفسي. وفي البعد الترفيهي يعطيهم معاني جميلة للألعاب التي يمارسونها من دون أن تحدث بينهم مشاجرات أو تنازع أو تبادل ألفاظ غير لائقة، التي توتر الأعصاب وتتعب النفس الإنسانية، فالترفيه معناه الراحة النفسية التامة. وفي البعد الرياضي أكسبهم معنى التنافس الشريف الخالي من التوترات النفسية والكراهية، فتراهم يعتذرون عن الخطأ ويتسامحون وقت الغضب.
في الواقع، أعجبت كثيرا بالحيوية الكبيرة التي يتمتع كل فريق العمل، وجدت فيهم أفرادا يتابعون النظافة بشكل مستمر في داخل الخيام وفي خارجها حتى يوفروا بيئة صحية لكل أفراد المخيم، ورأيت فريقا مهمته تقديم الإسعافات الأولية في وقتها المناسب للأفراد الذين قد يتعرضون لإصابات مختلفة. في ذلك المكان رأيت خياما خصصت لأيتام جمعية «الكوثر للرعاية الاجتماعية» (رعاية اليتيم)، وعلمت أنها السنة الأولى التي يضم مخيم الجمعية هذه الفئة التي تحتاج إلى عمل دؤوب ومتواصل حتى يتمكنوا من إخراجهم من حال اليأس وإدخالهم إلى ساحات الآمال والتفاؤل.
إن مشاركة الأيتام في تخييم هذا العام فكرة طرحت من الأيتام، فلم تتردد إدارة جمعية «الكوثر» في تحويل أمنية الأيتام إلى واقع، ويعتبر وجود الأيتام في المخيم علامة مضيئة وناصعة في عمل الجمعية الإنساني. ومن دون مبالغة، في ذلك المخيم رأيت العمل التطوعي الخيري يتجلى بوضوح، بمعانيه الإنسانية الراقية من خلال حماس الشباب وتفانيهم في خدمة ساكني ذلك المخيم، لم أجد مكانا للتململ والملل والتقاعس والتكاسل في نفوس فريق العمل، فكلهم يؤدون عملهم بحيوية ونشاط منقطع النظير. لا نقول إلا بارك الله في كل الجهود التي بذلت في هذا السبيل الخير الذي قل نظيره، ونسأله أن يوفقهم ويرعاهم بعينه التي لا تنام... آمين رب العالمين.
سلمان سالم
العدد 1996 - الجمعة 22 فبراير 2008م الموافق 14 صفر 1429هـ