توفي زوجها ورفيق دربها وبات لزاما عليها أن تتحمّل المسئولية وحيدة، فضلا على أنه بات عليها أيضا أن تقضي أيام عدتها والبالغة أربعة أشهر وعشرة أيام غير قادرة على الهرب أو الفرار من قدرها المتمثل في الجلوس في بيت مع ابنها المصاب بمرض نفسي، الذي تتدهور حالته يوما بعد يوم لدرجة مجيء يوم لم تكن تتصور فيه أن يمر مرور الكرام كغيره من سائر الأيام من هذا العام من دون أن تتلقى هديتها في عيد الأم الذي صادف يوم الجمعة الماضي بعبارات الحب أو المواساة لفقدانها زوجها على أقل تقدير.
ولم تسرح بخيالها كثيرا. فسرعان ما فاجأها ابنها المصاب بمرض نفسي والبالغ من العمر 23 ربيعا بهديته في هذا اليوم، هدية ولكن من نوع آخر، إذ أوسعها ضربا بقطعة خشبية على رأسها وظهرها وخاصرتها، في الوقت الذي أوصد مستشفى الطب النفسي أبوابه أمام استقبال هذه الحالة التي وصفها في تقاريره بـ «الحرجة» بحجة عدم وجود سرير شاغر على رغم الإعلان عن زيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفى مع بناء مبنى الغزالي إلى 280 سريرا.
وبدورها تلقت الأم الهدية لتكون موعودة باستقبال أخرى في اليوم التالي وهي صامتة؛ لضيق الحيلة وانطلاقا من قوله عز وجل في محكم كتابه: «لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ» (الفتح: 17).
اعتاد على ارتياد مستشفى الطب النفسي بين فترة وأخرى لتلقي العلاج ووصفت حالته بـ «الحرجة»؛ لكونه قادرا على إيذاء نفسه ومن حوله ولاسيما أهله. وفي ذلك سرد لـ «الوسط» شهود عيان أمس (السبت) وضع تلك «الأم» بعد أن أوصد المستشفى أبوابه عن استقبال حالة ابنها بحجة عدم وجود سرير شاغر له فقط.
حالة من العنف اعترت ذلك الابن بعد أن توقف عن تناول حبوب وصفت لعلاج حالته أو التقليل من حدتها على أقل تقدير. وبطبيعة الحال دفعت الأم الثمن فبين رفض مستشفى الطب النفسي استقبال هذه الحالة وعلاجها وعدم تعاون مركز الشرطة في المنطقة لنقل الابن للمستشفى لتعذر ذلك على الأم، بات لزاما على الأم تحمّل تداعيات تدهور حالة ابنها مجبرة لا بطلة، والتي لا تبعد عن الضرب المبرح بقطعة خشبية على رأسها وخاصرتها وظهرها. ولم تكن الأم الوحيدة التي تدفع ثمن تقاعس الجهات المعنية عن متابعة هذه الحالة. فلاتزال أخته تتعالج من آلام مازالت تعاني منها جراء تلقيها ضربا مبرحا على رأسها منه في حالة من حالات هيجانه.
آخر أمل
لم تجد تلك الأم حلا سوى طرق أبواب الطب النفسي علها ترتاح من تلقي العقاب المؤلم الذي لا قدرة لها على دفعه يوميا، وتلقى علاجا لابنها المريض على حد السواء. ومن منطلق النظام الذي تتبعه المستشفى بأخذ معلومات عن المريض وأهله كخطوة أولى ومن ثم الجلوس معه في محاولة لإقناعه بأسلوب إرشادي توعوي ومن ثم إقناعه بتناول الأدوية إن دعت الحاجة، وحجزه في المستشفى في أسوأ الظروف كمرحلة أخيرة، خاب أمل الأم التي حاولت جاهدة السير وفق هذه النظام. وفي كل مرة تعمد إلى نقل ابنها للمستشفى لمتابعة حالته يعمد حينها للهرب إلى أن صدمت أخيرا بعد كل هذه المشقة بتعذر قبول الحالة بحجة عدم وجود سرير شاغر فقط، وبات لزاما عليها تحمّل قدرها، مستنكرة عدم وجود فريق للطوارئ على غرار مجمع السلمانية الطبي لتلقي الحالات الحرجة أقلها. واستبشرت خيرا تلك الأم عندما نقل بعض الجيران إلى مسامعها خبر توسعة المستشفى بتدشين فرع جديد، جهزت فيه ثلاثة أجنحة، بَيْد أنها فرحتها لم تكتمل ومازالت واقعة تحت تهديد خطر حالة ابنها التي تسوء يوما بعد يوم.
وبدورها، أشارت رئيسة الطب النفسي هدى مرهون خلال حديثها إلى «الوسط» أمس إلى أن الطاقة الاستيعابية للمستشفى ستصل إلى 280 سريرا مع افتتاح وحدة الغزالي مع نهاية العام الجاري، لافتة إلى أن الطاقة الاستيعابية كانت لا تتجاوز 200 سرير ومع تدشين المبنى الجديد زادت 80 سريرا. وأوضحت أن قبول أي حالة مرهون بمعايير واضحة تختلف من قسم إلى آخر في المستشفى.
العدد 2025 - السبت 22 مارس 2008م الموافق 14 ربيع الاول 1429هـ