يعبر الحاج نجيب محمد التيتون، وهو آخر من تبقى من الرعيل الأول من قلاليف البحرين الذين اسهموا في بناء اقتصاد البلد من خلال بنائهم للسفن في مهنة توارثوها أبا عن جد... يعبر عن بالغ حزنه وأسفه لعدم وجود بوادر حكومية للاهتمام بهذه الصناعة التي تعتبر شاهدا على شموخ شعب البحرين واصرارهم على البناء والنهضة، محذرا من ضياع كنز الأجداد الثمين، ومرسلا رسالة الى وزير الإعلام جهاد بوكمال مفادها: «تراث البحرين في صناعة السفن ينتظر منكم انقاذه من الاندثار».
ولم يطلق التيتون هذا النداء بكلماته فقط، بل بجهده وعرقه وفكره اذ أصدر كتابا بعنوان: «تاريخ صناعة السفن في البحرين والخليج... أحداث وأخبار وحكايات»، ليشارك به في معرض الكتاب الدولي الذي يختتم أعماله يوم السبت 29 مارس/ آذار، فهو يؤكد أن الدافع الأول له ولمن يعاضده من العائلة والمعارف والحريصين على تراث البحرين هو جذب الانتباه الى هذه الحرفة، فقد مضى أساتذتها ومشاهير صناعها ولم يبق إلا هو ليواجه مسئولية الحفاظ على هذا الكنز، وكل مبتغاه، هو أن تمتد يد الدولة اليه، فتأخذ بيده وتستمع له وتقرأ، حتى يبقى هذا الكنز الثمين محفوظا مصانا.
وفي «عمارة التيتون» بمنطقة البرهامة خلف سوق الحدادة مباشرة، جلس الحاج نجيب محمد التيتون منذ سنين، على رغم ما عاناه من عواصف النقل والتهديد والمراجعات في الأجهزة الحكومية لأن تبقى هذه العمارة كشاهد على عطاء شعب البحرين، ولم لا؟ فهي الوحيدة التي بقيت شامخة تصارع رياح التغيير وهجمة العمران، وجل طلبه هو أن تبقى... ولا شيء غير ذلك.
ويقول ان الكتاب عبارة عن عصارة عمل وتوثيق زاد على ربع قرن من الزمان، فهو يشدد على أن تاريخ صناعة السفن في البحرين تاريخ قديم حافل بالمعلومات والقصص والمفاجآت يكاد لا يذكر منها إلا القليل ممن تطرق إليه وكتب بدقة عن حوادثه وبحث عن شخوص الذين عاشوا هذه الحقبة منذ زمن في البحرين والمنطقة اذ اعتمدت صناعة السفن في الخليج على أيدي صناع مهرة توارثوها عن أجدادهم وافتخر بها كل من امتهنها على طول سواحل الخليج، فكانت الباب المفتوح للرزق في ذلك الوقت، وأغلب المهن كان اعتمادها على صناعة هذه السفينة.
وطوال أربعين عاما ونيف، قضاها التيتون في بناء السفن، سجل ووثق الكثير من المعلومات والأحداث والمناسبات والعلوم أيضا في هذه المهنة التاريخية، ليقدمها في كتابه المكون من 207 صفحات في أربعة أجزاء خصص الجزء الأول منه للحديث عن سيرة عائلة التيتون، أما الفصل الثاني فتحدث فيه عن انواع السفن والمحركات في الخليج وأدوات القلاف والمواد المستخدمة في صناعة السفن وأساتذة الرعيل الأول وعمايرهم في البحرين والخليج واسماء القلاليف الذين يعملون على الجرخ وهي عملية النقش على خشب السفنية، كما سجل أسماء النواخذة وسفنهم واستعرض قصة أول سفينة صنعت في التاريخ، كما اشتمل البابين الثالث والرابع على كل شاردة وواردة مرتبطة بصناعة السفن، وتضمن الكتاب صورا تاريخية ووثائق قيمة للغاية.
لم يخرج هذا الكتاب بين يوم وليلة كما يقول التيتون، فقد اتسع نطاق البحث من خلال السفر الى الهند والكويت ودول الخليج، فكانت اضافة كبيرة الى محتوى هذا الكتاب من صور وحوادث واخبار عزز هذا كله ما يوجد بين يدي من مستندات ووثائق تركها والدي عن جدي على الرغم من فقدان الكثير منها وضياعه.
الحاج نجيب محمد التيتون، يستقبل وقت مغيب الشمس كل يوم، في عمارة «التيتون» وحوله مجموعة من تصاميم البوم والشوعي والبقارة والسنبوك والبانوش، مصمما على بقاء هذا التراث البحريني الأصيل.
العدد 2030 - الخميس 27 مارس 2008م الموافق 19 ربيع الاول 1429هـ